كاتبة عمانية تتطلع إلى أدب ما بعد نسوي

الخميس 2014/10/09
هدى حمد: الكتابة هي إما أن تكون جيدة فتبقى، وإما أن تموت بغض النظر عن جنس كاتبها

دمشق - الروائية هدى حمد من الأصوات الروائية الشابة في سلطنة عُمان، والتي تتميز بالجرأة وحديثها عن تاريخ المنطقة المهمش، صدرت لها مؤخرا رواية “التي تعد السلالم” عن دار الساقي، 2014، تعمل في مجال الصحافة، ولها زاوية أسبوعية في جريدة عُمان، كان لـ”العرب” اللندنية اللقاء التالي معها للحديث عن شؤون الكتابة والرواية والمرأة.

تناولت حمد العلاقات العُمانية الأفريقية في روايتها الأخيرة “التي تعد السلالم”، وترى أن السبب في ذلك هو أهمية هذه الحقبة، التي تناولتها كتب التاريخ والسياسة بشيء من التواضع، ولكن قلما تناولتها الأعمال الروائية العُمانية على الرغم من أنها مادة دسمة وحيوية. حيث لا تخلو منطقة في عُمان من التماهي والتعالق مع حكايات زنجبار والبر الأفريقي.


القناعة ليست كنزا


عن صعود دور المرأة في المجتمع الخليجي وفي المنطقة العربية، في ظل انتشار التيارات الظلامية في المنطقة، ترى حمد أن الرهان ليس على تغيّر المجتمع وإنما أولا على تغيّر المرأة وتغيّر قناعاتها، فهي في غالب الأحوال مستسلمة لهذا الدور. وتقول: «لن أبالغ لو قلت المرأة مستمتعة أحيانا بهذا الموقع الهش والضعيف من اللعبة، بل ربما تعززه في ابنتها وحفيدتها وأختها وجارتها. فالمرأة تساهم في قمع المرأة بصورة أعنف مما قد يفعل الرجل، لذا فصعود دور المرأة يبدأ منها. يبدأ من تغيّر نظرتها لنفسها على أنها ليست ذلك الكائن الناقص المبتور، وعلى أنها ليست ظلا أبديا للرجل، وتدرك أيضا أن القناعة بالحظ القليل من الحياة والمعرفة، ليس هو الكنز الذي لا يفنى، على المرأة أن تكف عن ترويض نفسها وتخديرها».

وترى أن المرأة الآن ترتقي وظيفيا وتصعد على مستوى القوانين التي تنصفها، وهي تمتلك الفرص الذهبية البراقة، ولكنها غالبا هي التي لم تطوّر أدواتها لتقف أمام صوت المجتمع المنتقص لها والخطاب الديني المتطرف. إن فالتيارات الظلامية تريد أن ترتد المرأة أشواطا إلى الوراء، وقد تنجح في ذلك، فالكرة الآن في ملعب المرأة، في رأي الكاتبة، فإما أن تبرهن عن وعيها وتمدنها، وإما أن تكشف عن هشاشتها الداخلية، فتسقط في فخاخ الأيديولوجيا الخاصة بهم.

تقول حمد إن هنالك اعتقادا جاهزا وفكرة مؤدلجة، بأن المرأة تستخدم الكتابة كوسيلة للدفاع عن نفسها وعن بنات جنسها في عش الدبابير الذكوري. وتتساءل عن الاعتقاد الجاهز بأن المرأة تستخدم الكتابة كوسيلة ضدّ الاضطهاد والكبت.

وتواصل موضحة: «المرأة تكتب لأنها تحب الكتابة، على الأقل بالنسبة لي شخصيا، الكتابة هي أكثر من رغبة في التنفيس، وأكثر من حكاية الدفاع المستميتة هذه، إنها وعي بالحياة، لحظة اقتناص جادة لزمن مسروق، إنها التأمل. ليس صحيحا أن الرجل يكتب لأجل الكتابة، لأجل المتعة، لأجل مشروع جاد، بينما المرأة تكتب لأجل مسؤوليات وأعباء مُلقاة على عاتقها. في النهاية لكل منا -الرجل والمرأة- أفكار كثيرة تقبع وراء النص.. لكني مجملا ضد هذا التأطير، وضد أن أصور نفسي المخلصة لآلام النساء. أنا أكتب لحظتي، عبثي، وجنوني، دون أن أثقل نفسي بهذا الالتزام الأخلاقي تجاه المرأة. وأما ما وراء النص، فأتركه للقراء والنقاد، فلهم أن يقولوا فيه ما يشاؤون».

الكتابة هي أكثر من رغبة في التنفيس، إنها وعي بالحياة، لحظة اقتناص جادة لزمن مسروق، إنها التأمل

هناك أصوات في المنطقة تنادي بتحرر المرأة والانتقال إلى “مرحلة ما بعد النسوية” فهل من الممكن التعويل عليها في بلدان ما زالت المرأة فيها ممنوعة من قيادة السيارة؟ تجيب: «القمع المجتمعي في البلد الذي أعيش فيه منخفض جدا، المرأة تتنفس وتعمل ومتواجدة في مراكز قيادية وتقود السيارة، ولا تستغرب أبدا لو أنها قادت الطائرة في القريب. أما قصة التحرر فهي غالبا ما كانت شعارات مجانية لا تفضي إلى شيء، مصطلح فضفاض. كأن تختصر حرية المرأة في جسدها الذي ينبغي أن يتفجر بكل فتنته، وأنا أرى الآن المرأة تكابد اليوم عبودية أقسى مما كانت تحت شعارات التحرر في القرن الواحد والعشرين».


الملائكة والسكاكين


اعتمدت حمد على عدد من المستويات السردية في “التي تعد السلالم”؛ المذكرات والرواية في الحديث عن الماضي، وأصوات الشخصيات في الحديث عن الحاضر غالبا. وترى أن التقنية غالبا ما تكون من تحصيل الحاصل، لا تأتي ضمن خطة، ولكن نشعر أن هذا السياق سيبدو مريحا في الكتابة أكثر من سياق آخر.

تضيف الكاتبة: «كنت أفكر في تعدد الأصوات كقالب أساسي للكتابة، ولكن روايتي الأولى “الأشياء ليست في أماكنها”، اشتغلت فيها على تعدد الأصوات. تعدد الأصوات مغامرة أسهل بكثير من مغامرة تقاطع الأحداث وتشابكها، وإيجاد المبررات الفنية لها. لم أشأ أن أفرط في قصة فانيش وماضيها ودخولها إلى الإسلام لتحافظ على وظيفتها، ولم أشأ أن أفرط في قصة عامر المسكون بحكايات والده عن أمه الأفريقية “بي سورا”. كنت أريد لهاتين القصتين أن تكبرا معا في سياق القصة الأساسية للبطلة زهية. كنت أسأل نفسي ما العلاقة التي تجمع القصص الثلاث ببعضها أكثر من البيت الذي تسكن فيه السيدة والسيد والخادمة، وكيف يمكن لماضي الشخصية أن يضيء مستقبلها. هذه الأسئلة المستمرة كانت تفتح أفق النص، وتطوّره. الأجوبة كانت تمنحني أساليب جيدة للخروج من المآزق، لذا أقول: الكتابة نفسها فرضت أسلوبها وليس العكس».

تستمدّ هدى حمد شخصياتها من الواقع وترى أنّ في رأس كل واحد منا حكاية جيدة تصلح للكتابة، وتصلح لأن تغبط أصحابها عليها كثيرا، الصياد والفلاح والجدات والمهندس والطبيب.. كل الناس لديهم حكاياتهم المدهشة، في اعتقادها، ولكن ما يجعل الكاتب في موقع امتياز “إن صح القول” هو أنه يكتب، ويختار الأسلوب الذي يسرد به هذه الحكاية.

المرأة تساهم في قمع المرأة بصورة أعنف مما قد يفعل الرجل، لذا فصعود دور المرأة يبدأ منها

وتضيف حمد: «لا أدري إن كنت قد تمكنت من وضع مسافة مناسبة مع شخصيات أعمالي، الحقيقة أني غالبا ما ظللت متورطة ومتلبسة ومشغولة بها. أسكنها وتسكنني وتتولد بيننا حالة من الحب والكراهية في آن، يحدث هذا على الأقل في الكتابة الأولى اللاهثة والمتداعية. لكن ملامح المسافة بيني وبين شخصياتي تتضح أكثر في الكتابة الثانية، الكتابة الواعية والمدركة والناقدة».

تستفز حمد فكرةُ تجنيس العمل الأدبي وفقا لكاتبه (ذكرأنثى) وترى فيه تكريسا لفكرة أن المرأة بوصفها امرأة، تكتب لأن الكتابة متنفس لها أو أنها وسيلة دفاع. ربما المرأة تتبنى قضاياها تفاصيل حياتها، ولكنها تسقط كما يسقط الرجل عندما تنتقل إلى مستوى الخطابية المقعرة، وتُعلي صوتها بالنداء للمطالبة بحقوقها.

وتعلّق في الختام: «كم من رجال كتبوا عن ذلك العمق السحيق للمرأة بإتقان كبير، وكم من نساء امتلكن تلك القدرة الخارقة على رسم الرجل من الداخل، حتى على مستوى المواضيع التي تشغلهما فهما يتقاطعان. ظهرت في السويد تسمية هذه الكتابات بأدب “الملائكة والسكاكين”، وسماها أنيس منصور “أدب الأظافر الطويلة”، أما إحسان عبدالقدوس فيطلق عليها: “أدب الروج والمانكير”.. كل هذه التسميات وغيرها ليست إلا محاولة إقصاء، والنهوض بجدار فاصل بين أدب المرأة وأدب الرجل. بالنسبة إليّ الكتابة هي إما أن تكون جيدة فتبقى، وإما أن تموت وتنتهي بغض النظر عن جنس كاتبها».

15