كاتبة عمانية تصوغ الرواية بتقنيات السينما والمسرح

منذ ولادتها جنسا أدبيا خلقت القصة القصيرة جدا أو ما يصطلح على تسميتها بـ”ق.ق.ج”، جدلا واسعا في صفوف النقاد وحتى الكتاب أنفسهم الذين ذهب البعض منهم إلى اعتبارها جنسا هجينا لا يحمل من سمات القص شيئا. وفي ما يلي حوار مع الكاتبة العمانية عزيزة الطائي التي اختارت كتابة القصة القصيرة جدا كتوجه أدبي.
الجمعة 2016/09/30
يمكن التعبير عن أي ثيمة أو فكرة بحدث مختزل

مسقط - ترى الكاتبة العمانية عزيزة الطائي أن توجهها نحو كتابة القصة القصيرة جدا، يمثل محاولة للخروج عن النص القصصي التقليدي في عصر يحاصرنا بتقنياته وصخبه وسرعته، وفي فترة حرجة نعاني فيها كأمة من تحولات وانهزامات وتجذرات متكررة على الأصعدة كافة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والوجدانية.

وتقر الطائي بأن فضاء القصة القصيرة جدا مشحون، ليس بالمغامرة فحسب، بل بالمشاكسة والمراوغة والمجازفة في خصائص القصة ومكوناتها الجمالية، وهو “متمرد على المنظومة القرائية التقليدية أيضا”.

الاختزال والتكامل

وتستلهم الكاتبة عزيزة الطائي في مجموعتها القصصية “ظلال العزلة” أجواء التغيير في الوطن العربي، وهي تقول حول هذا التوجه “لعل من أبرز التقنيات التي تتميز بها القصة القصيرة جدا، هي التناص الذي يمنحها عمقا ثقافيا وتاريخيا وفنيا”، مضيفة أن التناص ينطوي على وعي ثقافي يؤسس لتطور المفاهيم في بنية القصة القصيرة جدا، فهناك حوادث تقترب وتبتعد وهناك حكايات تتشابه وتختلف، وباستحضار المواقف والشخوص واستلهامها وربطها بالواقع تقدم القصة القصيرة جدا رسالتها ودروسها وعبرتها.

ولا تتردد الطائي في القول إن الهم النسوي يشغلها في كتاباتها، كما يتجلى في مجموعتها “موج خارج البحر”، وهو “يتشكل ويتطور ويتعمّق تبعا للبيئة التي تعاينها وتستحضرها”. وترى الكاتبة أن القصة القصيرة جدا قادرة على التعبير عن أي ثيمة أو موضوع أو فكرة بحدث مختزل ولفتة سريعة وفكرة عميقة، سواء كانت تطرح همّا اجتماعيا أو وجدانيا أو إشكاليا أو سياسيا، أو غير ذلك.

وتشدد الطائي على أن القصة القصيرة جدا بحاجة إلى كاتب يمتلك “مرايا وعدسات” مختلفة عن كاتب القصة القصيرة والرواية، تاركة الحكم لـ”القارئ المتذوق الواعي، والناقد الحذق الحصيف”، حول مدى إجادتها لهذا التوظيف، وإدراك ما يعنيه الرمز وما تحمله الدلالة في جمل قصيرة، وعبارات مكثفة، ورؤى مختزلة. وتتسم عناوين قصص الطائي بأنها غالبا ما تكون مختزلة في كلمة واحدة، وغالبا ما تكون نكرة أيضا. وهي تعزو ذلك إلى أنّ الحياة “قائمة على الاختزال، وتسير بنا إلى النّكرة”. ومن سمات تجربتها أيضا اعتمادها على التبعثر والشتات كجزء من بنية القصة، وذلك لأن الحياة كما تقول “قائمة على التبعثر والتشظي”، وبنية القصة القصيرة جدا وحبكتها تعززان ذلك عند كاتبها بما تحملانه من دهشة ومفارقة بين بدايتها ونهايتها، وفي كل ذلك يعمق التبعثر والشتات، بل يؤكد رسالة القصة القصيرة جدا ورمزيتها.

القصة القصيرة جدا تضع في الاعتبار أنها نوع من الحكي العميق الذي يعتمد على اللقطات السريعة واللفتات المدهشة

ويظهر السرد في معظم قصص الكاتبة عزيزة الطائي بصيغة المتكلم، وهي توضح هذا التوجه بقولها “أكتب بضمير ‘الأنا’ لأنني أراه أكثر قربا إلى نفسي وعوالمي، وربما هذا يعود إلى أنّ أغلب القصص القصيرة التي كتبتها، جاءت عبر عدسات ولقطات ومعاينات ومرايا تأثرت نفسي بأجوائها، وحاولت الاقتراب منها”.

وعن تحقيق التّوازن بين كتابتها للرواية مثل روايتها “أرض الغياب” وكتابتها للقصة القصيرة جدا، ترى أن هذا تفرضه طبيعة الحكي وخصائصه من جهة، ومن جهة أخرى البنية السردية التي تصوغ فيها الفكرة التي تريد طرحها. فهي حين تكتب القصة القصيرة جدا تضع في اعتبارها أنها نوع من الحكي العميق الذي يعتمد على اللقطات السريعة، واللفتات المدهشة، أما الرّواية، في رأيها، فهي عالم متكامل بأحداثه وشخوصه وأزمنته وأمكنته التي تتفاعل مع بعضها البعض بتنوع الأحداث وتشابك العوالم، وتلعب فيها عمليات الوعي دورا مشوقا يعادل دور الأحداث الخارجية، أو يفوقه أهمية.

ومما يراه النقاد في تجربة عزيزة الطائي الروائية، أنها تلجأ إلى تقنيات السينما والمسرح والدراما، حيث الانتقال السريع بين المشاهد الروائية، فهي ترى النص الدرامي عبارة عن حكاية تصاغ في شكل أحداث وشخصيات في زمان ما ومكان ما، ويؤديها ممثلون أمام جمهور باستخدام عناصر العرض الدرامي المتمثلة في الحبكة والشخصيات والفكر واللغة (الكوميديا أو تراجيديا)، وهي بهذا لا تختلف عن طبيعة العمل السّردي الحديثة الذي لا تحده قوالب بعينها، سوى في العرض أو التمثيل.

من الرواية إلى البحوث

من وجهة نظر الطائي، كل كاتب له قوالب وعوالم وفكر وثقافة تشكل أسلوبه في الكتابة وطريقته في التعاطي والتفاعل مع الواقع المعيش. وجميع الأنواع السردية تتفاعل وتتلاقح مع بعضها البعض، تبعا لطبيعة النص الذي يشكله الكاتب.

توضح الكاتبة أن في رواية “أرض الغياب” ممارسة لغوية رمزية تتداخل فيها مستويات خطابية مختلفة: تاريخية، اجتماعية، حضارية، وفكرية. فهي إنتاج لغوي بالدرجة الأولى، أي “أن الوسيلة عن التعبير فيها هي الكلمات والأنساق اللغوية”. وتؤكد أنّ طريق الخيال التي تعيد إنشاء الواقع في بنيتها تستطيع أن تقدم المباشر والمسكوت عنه، وأن رؤيتها تقوم على أن هذه البنية تستقي من عوالم التخييل ما لا تستطيع الدراما أن تقاربه.

القصة القصيرة جدا بحاجة إلى كاتب يمتلك "مرايا وعدسات" مختلفة

ومما يلحظه القارئ في مدونة عزيزة الطائي الأدبية، حضور المكان العُماني فيها، فعنصر المكان يمثل عندها فضاء واسعا بحد ذاته، ويلعب دورا مهما في عملها السردي، وتقول الكاتبة “المكان ليس مجرد ترف يكثر به الرّوائي سواد صفحاته، بل هو ركن رئيسي في العمل السّردي، وبالأخص النّص الروائي الحديث، ويشكل مع الزّمان منظومة لتشكل الشخصيات ومسارا لتنامي الأحداث، ومن هذا المنطلق كان اهتمامي بالمكان كونه مسرحَ الأحداث وتجليها”.

وإضافة إلى أعمالها الأدبية، أصدرت الكاتبة عزيزة الطائي كتابا بعنوان “ثقافة الطفل بين الهوية والعولمة”، خلصت فيه إلى البعض من التّصورات للملامح الأساسية المطلوبة عند التخطيط لتنشئة الطفل وفقا للأولويات المنشودة لمستقبله.

وهذا لن يتأتي، بحسب ما توضحه الطائي، إلا برسم رؤية لخطة واضحة مدروسة تدرك أهمية تجاوز التحديات والقدرة على مواجهتها، بحيث تستفيد الأسرة من إيجابياتها عند تحقيق دورها في ظل المفهوم التنموي الحضاري من نبذ للتعصب وقبول للآخر، والتسامح لتحقيق العدالة الإنسانية بين أطفال العالم.

ومن هذا المنظور، تحدثت الكاتبة عن الطفل العربي بشكل عام، كون الطفل العُماني لا يختلف في مطالبه وحقوقه وثقافته عن الطفل العربي، لذلك كان توجيه الكتاب للطفل العربي، والتأكيد على أن احترام حقوق الطفل وتنمية قدراته والتطلع لحاجاته تبدأ مع خبراته الاجتماعية في البيت والمدرسة والمجتمع، ومن ثمة يتلخص دور المعلم في أن يتخذ مما بدأ في البيت أساسا يبني عليه نمو النشء، وأن يجعل من غرس احترام النفس واحترام الغير في نفس الطفل جزءا من تربيته بتدريبه على المشاركة الوجدانية مع أقرانه والإسهام الإيجابي المسؤول في مجتمعه.

وهي تلفت إلى أن شؤون الطفل بحكم طبيعتها لا تقبل التجزئة أو العلاج الجزئي للظواهر السلبية عند حدوثها، فهي متصلة ومترابطة ومتفاعلة، ولا بد من إعادة النظر في السياسات والنظم المعنية بشؤون الطفولة لتحقيق الاتساق والتوافق مع المناهج والمبادئ المستحدثة في الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، فالاتفاقية الدولية ليست مجرد إطار قانوني عام فحسب، بل رؤية ووسيلة للتعبير، وهي تمثل نقطة نوعية في تناول شؤون الطفولة.

وتختم الكاتبة عزيزة الطائي حديثها بالتأكيد على أن الساحة الثقافية في سلطنة عمان تنشط يوما بعد يوم، وتتنوع في أقلامها ومبدعيها ذكورا وإناثا، وأن ما يقدَّم عليها جدير بأنْ يلقى الاهتمام والقراءة والبحث.

15