كاتب أردني يجمع أسرار الحياة من رؤى العلماء والفلاسفة والمتصوفين

الكاتب يختم إصداره الجديد بتقديم الرؤى النقدية المتصلة بالواقع الفكري والإنساني الذي تواجهه مجتمعات ما بعد الحداثة.
الثلاثاء 2021/09/21
ماذا تعني الحياة (لوحة للفنان عمر فهد)

عمان – يطلّ الكاتب الأردني سامر حيدر المجالي في إصداره الجديد، على مفهوم الحياة، مرتكزا على أربعة محاور هي: العلوم التجريبية (الفيزياء تحديدا)، والقرآن الكريم، والتصوف الإسلامي، والفلسفة الغربية المعاصرة.

ويقول المؤلف في مقدمة كتابه المعرفيّ الذي يحمل عنوان “مع الحياة.. نظرات في صفاتها وأسرارها”، إن الحياة “موضوع واسع”، واكتشافها على حقيقتها الكاملة “أمر فوق طاقة البشر”، لذلك فإن البرهنة على وجودها “عناء غير محمود”، لأنه يتناول بديهة من البديهيات.

ويقدّم الفصل الأول من الكتاب تعريف الحياة في قواميس اللغة وفي الموسوعات، وعند علماء البيولوجيا. فيما يتناول الفصل الثاني الرؤية الفيزيائية لموضوع الحياة عند إرفين شرودنغر، الذي يعد من ألمع الفيزيائيين في القرن العشرين وصاحب كتاب “ما الحياة؟ الجانب الفيزيائي للخلية الحية”.

"مع الحياة.. نظرات في صفاتها وأسرارها" كتاب يلاحق مفاهيم الحياة مقدما رؤية نقدية لمجتمعات ما بعد الحداثة

ثم يقف المجالي على أبحاث كارلو روفيللي التي استَخْدَمت مفهوم شرودنغر للفوضى والنظام لتضع تصورا يُحلّل العلاقة بين الإدراك والزمن والأنظمة المشاهدَة في العالم المحيط بالمخلوقات.

ويناقش المؤلف في فصل ثالث مفهوم الحياة في القرآن الكريم عبر النظر في تفسير ثماني آيات قرآنية اجتمعت فيها أهم الأفكار التي تناول القرآنُ مفهوم الحياة من خلالها. وتتنوع خلال ذلك الرؤى بين رؤى سلفية تقليدية وكلامية وعرفانية وبلاغية، في محاولة للإحاطة بفهم المفكرين المسلمين للحياة كما أخبرهم عنها القرآن الكريم.

 وجاء أبرز فصول الكتاب محطة رابعة يحاول من خلالها الكاتب فهم الحياة عند عبدالكريم الجيلي المتوفى سنة 805 هجريا، ومحي الدين بن عربي المتوفى سنة 638 هجريا. إذ قدَّما بحسب المؤلف تصورات جعلت الحياة سمة كونية عامة تخترق الوجود من أوله إلى آخره، وشكلت رؤاهما ذروة في مفهوم الحياة العرفاني.

وعبدالكريم الجيلي شاعر وفيلسوف صوفي، لا يقل في شعره عن ابن الفارض، وتقترب فلسفته في “وحدة الوجود” من الشيخ الأكبر محيى الدين بن عربي والإشراقي العميق شهاب الدين السهروردي، يميل في كتاباته إلى الغموض والرمز، منحازا إلى الإشارة قبل العبارة، والتلويح قبل التصريح، ومولعا بتقديم رؤيته الفلسفية في أبيات شعرية، مثلما تنبئنا قصيدته المعروفة “النادرات العينية”.

وكما يبين الكتاب فقد مثلت كتابات الجيلي الفلسفية وشعره الذي يتسم بالغموض مع رهافته، حيث يميل إلى الصور المفتعلة والتراكيب المعقدة الغارقة في الاستعارة والتشبيه، أداة هامة لفهم العالم والوجود عند الصوفيين.

ولكن رغم مناداته بالعودة الدائمة إلى القرآن والسنة لأنهما الأصل والأساس لم يسلم الجيلي من تجريح خصومه، الذين ربما أساؤوا فهم ما كتب، أو تعمدوا القدح فيه، واتهموه بأنه من المنادين بالحلول ووحدة الوجود، أو ربما لم يرق لهم ما طرحه من أفكار رمزية، واعتبروها تجديفا، وهو ما يفنده الكتاب في إعادة إبراز أهم أفكار هذا العلم الصوفي.

أما ابن عربي فيصوره الكاتب في رحلته لكشف معاني الحياة على أنه تلك طاقة شديدة الخصوبة، بما له من نسق معرفي بالغ الثراء، لكن ذلك لا يدعو، في رأيه، إلى تمرير أفكاره وآرائه وتصوراته تمريرا كرنفاليّا في الندوات والمؤتمرات دون مناقشة وتمحيص.

ثم يقف المجالي على أبحاث كارلو روفيللي التي استَخْدَمت مفهوم شرودنغر للفوضى والنظام لتضع تصورا يُحلّل العلاقة بين الإدراك والزمن والأنظمة المشاهدَة في العالم المحيط بالمخلوقات

ويشدد على مكانة ابن عربي كواحد من أقطاب التصوف من ذوي الأفكار الكبرى، الجديرة بالتأمل والتحليل، وأيضا الحوار والمراجعة.

ويناقش الفصل الخامس فكرة الحياة عند الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون، الذي جعل فكرة التطور منطلَقا له ليقدم فهما خاصّا لآليات نشوء الحياة وتقدّمها خلال الحقب التاريخية المتتالية.

وقد عالج بيرغسون مشكلة الحياة، باعتبارها مفهوما حاملا معانيَ متراكمة ودلالات متقاطعة، بأسلوبه العلمي التحليلي الدقيق، فقدّم البراهين التحليليّة الهادفة إلى إثبات أفكاره، معتمدا على الأدلة المقنعة والأمثلة الصائبة، بعد أن توضّح له أنّ آراء العلماء الذين تناقشوا حول أسباب الحياة وطبيعتها ودلالاتها، كانت نقاشات ملتبسة وغامضة؛ فمقاس أنصار الحتمية وخصومهم، على سبيل المثال، ينطوي على التباس مسبق لكلّ من الديمومة مع الامتداد، وللتتابع مع التزامن، ثم للكيف مع الكم -وهذه كلّها خصائص مميّزة للحياة- فبمجرّد زوال هذا الالتباس، سنشهد ربّما انتفاء الاعتراضات المرفوعة ضد الحرّيّة؛ أي ضدّ الحياة.

إنّ الحياة -حسب بيرغسون- تستلزم وجود العقل والمادة على أساس أنّ المعقوليّة والماديّة هما من طبيعة واحدة، وحاصلتان بطريقة واحدة، وهو يؤكّد في موضع آخر أنّ “بين العقل والمادة تناظرا وتطابقا وتقابلا”، فالانسجام والتطابق الحاصل بين العقل والمادة، يكافئ استحالة فصل أحدهما عن الآخر، كاستحالة عزل البياض عن الثلج أو فصل الوردة عن عطرها، أضف إلى ذلك إمكانيّة استحالة وجود الحياة بغياب توافق العقل مع المادة وانسجامهما. وبهذا يكون للعقل دور نفعي في الحياة، حيث تعمل وظيفة الدماغ على انتخاب الذكرى التي تنفع في إنجاز العمل الراهن، وإبعاد كل ما لا يساهم في ذلك العمل. حيث أقام في إطار العلاقة بين المادة والروح انسجاما مع رؤيته للعقل.

وفي خاتمة الكتاب الصادر أخيرا عن “الآن ناشرون وموزعون”، يورد المؤلف مجموعة من الرؤى النقدية المتصلة بالواقع الفكري والإنساني الذي تواجهه مجتمعات ما بعد الحداثة، والمجتمعات العربية الإسلامية على وجه التحديد.

14