كاتب ألماني: النزعة القومية المتطرفة تهدد أوروبا

لا يرى أنصار اليمين المتطرف وقتا أفضل من الوقت الراهن ليسجّلوا فيها نقاطا أكثر ويرفعوا من أرصدتهم الشعبية والجماهيرية وتدارك فشل الماضي، مستغلين قضيتين رئيسيتين تشغلان الأطراف السياسية والرأي العام في كامل أنحاء أوروبا وهما قضية اللاجئين وأزمة الاتحاد الأوروبي.
الأحد 2016/05/29
الوجه الآخر لخطر التطرف على أوروبا

برلين- لم يعد ملف الإسلاموفوبيا وحده سبيل اليمين المتطرّف في أوروبا لتحقيق بعض التقدّم، بل أصبح هذا الملف مدعوما بقضايا أخرى نجحت بفضلها الأحزاب اليمينية في رفع أرصدتها الشعبية بشكل قياسي وتحقيق مزيد من المكاسب. وقد تمكّنت بعض هذه الأحزاب من الوصول إلى مقاعد السلطة في العديد من البلدان الأوروبية، مستفيدة بالأساس من أزمة الهجرة واللاجئين والتشكيك في الاتحاد الأوروبي.

في النمسا، دخل نوربرت هوفر، مرشح حزب الحرية النمساوي سباق الإعادة في الانتخابات الرئاسية بوصفه الأوفر حظا بعد فوزه في الجولة الأولى من الانتخابات في أبريل الماضي، لكنه خسر في الحصول على المنصب الأعلى في الدولة بفارق 0.6 بالمئة فقط. وفي صربيا، عاد فويسلاف سيسيلي، رئيس الحزب الصربي الراديكالي، الذي برأته محكمة جرائم الحرب الدولية من الاتهامات في شهر مارس الماضي إلى البرلمان في 24 أبريل الماضي، بعد انقطاع لمدة عامين، كما دخلت حركة دفري الأكثر تطرفا إلى البرلمان الصربي للمرة الأولى. وفاز أيضا زعيم الحزب التقدمي ألكسندر فوسيتش، الذي كان يعارض كل ما هو غربي، في آخر انتخابات بعد تخفيف لهجة خطابه المتطرف، وإعرابه عن دعم الإصلاحات المؤيدة للاتحاد الأوروبي.

وفي بريطانيا، جعل حزب الاستقلال بقيادة نايجل فراج الخروج من الاتحاد الأوروبي أولويته الرئيسية، وأكد على ضرورة وقف “الهجرة الجارية بلا قيود”. وحقق الحزب في الانتخابات الأخيرة، مكاسب في المجالس المحلية في إنكلترا وفاز بأول مقاعده في برلمان ويلز الإقليمي.

وخدمت الأوضاع اليمين المتطرّف بشكل كبير في فرنسا، حيث حقّقت مارين لوبان، زعيمة الجبهة الوطنية المناهضة للهجرة والتي تحذّر جبهتها من “أسلمة” المجتمع الفرنسي، أكبر نسبة تصويت في انتخابات البرلمان الأوروبي عام 2014، لكنها خسرت في الانتخابات المحلية التي أجريت في ديسمبر الماضي. وفي يونيو الماضي توصلت مارين لوبان إلى تشكيل تكتل يميني متطرف في البرلمان الأوروبي يحمل تسمية “أوروبا للأمم والحريات”، ويضم أبرز الوجوه اليمينية المتطرفة من دول أوروبية مختلفة أبرزها فرنسا والنمسا وإيطاليا وبلجيكا.

وفي ألمانيا، أحرز حزب البديل من أجل ألمانيا نجاحا مضاعفا في الانتخابات المحلية في مارس الماضي بعد ثلاث سنوات فقط من تأسيسه، ومن المعروف عن الحزب موقفه المناهض للمسلمين وانتقاده لسياسة الباب المفتوح التي تنتهجها ألمانيا بالنسبة إلى المهاجرين الفارين من سوريا.

صعود اليمين المتطرف لا يشكل مصدر قلق للمسلمين والعرب الذين يعيشون في أوروبا فقط، بل أيضا هناك من بين الأوروبيين من يرى في هذا الصعود خطرا يهدد أوروبا

وشكّلت قضية اللاجئين في اليونان، بوابة عبورهم، محورا هاما استغلته التيارات اليمينية المتطرفة مثل حزب الفجر الذهبي الذي حقّق إنجازا في انتخابات 2015 بعد حصوله على نحو 7 بالمئة من الأصوات بحصده 18 مقعدا ليحل ثالثا في ترتيب الأحزاب التي حصدت جلّ المقاعد في البرلمان، رغم أنه لم يتمكن خلال العقدين الماضيين وحتى عام 2009 بالفوز بأي مقعد تحت قبة البرلمان.

ولم يتوان بدوره التحالف الوطني الذي يشكّل جزءا من الحكومة في لاتفيا منذ عام 2001، عن تحقيق مكاسب عبر إثارة المخاوف من اجتياح المهاجرين للبلاد؛ على غرار حزب فيدس الشعبوي اليميني، الذي تولّى مقاليد الحكم في المجر بأغلبية مطلقة منذ عام 2010؛ وقد سمح بإقامة سياج على أجزاء من حدود بلاده لمنع دخول اللاجئين. وفرض رئيس الوزراء فيكتور أوربان قيودا على حرية الصحافة وخصوصية البيانات على الرغم من الاحتجاجات في بروكسل.

ومهدت أزمة اللاجئين الطريق أمام صعود الأحزاب اليمينية في إيطاليا، حيث حقق حزب رابطة الشمال اليميني المتطرف، الذي يصف نفسه بأنه الحزب الذي يعارض الهجرة وله علاقات وثيقة مع الجبهة الوطنية الفرنسية، النجاح في الانتخابات الإقليمية في إيطاليا في عام 2015، ولا سيما مع انتزاعه منطقة فينيتو بشمال شرق البلاد.

وفي هولاندا، أيد حزب الحرية اليميني المتطرف المتشكك في الاتحاد الأوروبي بزعامة خيرت فيلدرز ، والذي دخل البرلمان منذ 10 أعوام، الرفض الناجح لاتفاق تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وأوكرانيا هذا الشهر. وفي بولندا، تولّى حزب القانون والعدالة الحكم في البلاد بأغلبية مطلقة منذ عام 2015، وقد ألقى ظلالا من الشك على مسألة حرية الصحافة واستقلال القضاء فضلا عن عدم الترحيب بالمسلمين.

ولا يختلف الوضع كثيرا في الدول الأسكندنافية، حيث عارض حزب الشعب الدنماركي الذي يمثل “القيم الدنماركية” الاتحاد الأوروبي ودعم فرض قيود قوية على الهجرة، كما أن الحزب كان وراء السياسة الصارمة التي تنتهجها الدنمارك حيال مسألة اللجوء والهجرة. وفي فنلندا، سعى حزب الفنلنديين الشعبوي المتشكك في أوروبا، وهو ثاني أكبر حزب في البرلمان منذ عام 2015 إلى ترحيل نحو 20 ألفا من طالبي اللجوء.

وفي النرويج، يشارك الحزب التقدمي المناهض للهجرة في مقاليد السلطة في البلاد مع المحافظين منذ عام 2013. وقد اقترحت الحكومة التي تميل إلى اليمين فرض قواعد لجوء أكثر صرامة في سعيها لجعل البلاد “أقل جاذبية” لأولئك الذين ليسوا في “حاجة حقيقية” للحماية، على حد قول وزير الهجرة والاندماج.

لا يشكل صعود اليمين المتطرف مصدر قلق للمسلمين والعرب الذي يعيشون في أوروبا فقط، بل أيضا هناك من بين الأوروبيين من يرى في هذا الصعود خطرا يهدد أوروبا؛ ومن بينهم الكاتب الألماني نافيد كرماني

ويصوّر الحزب الديمقراطي السويدي نفسه كحزب وطني متشكك في الاتحاد الأوروبي يعارض “تجارب تعدد الثقافات” للقوى الأخرى. وتمكن الحزب في الانتخابات العامة عام 2014، من الحصول على أصوات مؤيدة له أكثر من الضعف، ولكنه فشل في إيجاد أيّ حزب آخر يقبل التحالف معه في المجلس التشريعي الوطني (البرلمان).

وكان مسؤولون في الاتحاد الأوروبي قد حذروا من ارتفاع منسوب القلق من تدفق اللاجئين لدى مواطني الدول الأوروبية، وهو ما قد يدفع أكثر نحو تبنّي الموقف اليميني المتطرّف مقابل انحسار تأييد الأطياف السياسية المعتدلة، خاصة مع تصاعد العمليات الإرهابية.

وفي تحقيق لقناة يورو نيوز حول أسباب تنامى اليمين المتطرف في أوروبا، في السنوات الأخيرة، يقول المحلل السياسي دايف سينارديه إن هناك توجها عاما، في بلدان أوروبية عديدة، جزء منه يتوافق مع طروحات اليمينيين المتطرفين خاصة فيما يتعلق بالنواحي الأمنية والهجرة. وهذا الأمر ليس بجديد إنما زاده توافد اللاجئين والتهديد الإرهابي، وهما شأنان منفصلان لكن غالبية الأحزاب اليمينية المتطرفة تربط هذين الأمرين ببعضهما البعض.

بينما اعتبر المحلل السياسي باسكال دلويت أنه، إلى جانب قضية الهجرة، من بين العناصر المؤدية للتصويت لليمين المتطرف هو القلق والتوجس من الأزمة الاقتصادية والمالية وحتى الأخلاقية التي برزت في عام 2008. وطال القلق والتوجس قطاعات واسعة من المجتمع الأوروبي فكان لا بد من التفكير بطرق مختلفة.

ولا يشكل صعود اليمين المتطرف مصدر قلق للمسلمين والعرب الذي يعيشون في أوروبا فقط، بل أيضا هناك من بين الأوروبيين من يرى في هذا الصعود خطرا يهدد أوروبا؛ ومن بين هؤلاء الكاتب الألماني نافيد كرماني الحائز على جائزة السلام من عام 2015.

وقد قال كرماني، في حوار مع وكالة دوتشي فيلله الألمانية، إن أوروبا تحتاج لدفعة اجتماعية جديدة لمواجهة الموجة الجديدة من القومية، مضيفا “ما هو على المحك الآن هو قيمنا: التضامن والحرية والانفتاح على سبل الحياة المتعددة، ليس على الثقافات الأجنبية فقط. يشكل كل من فيكتور أوربان وماري لوبان، أو حزب البديل من أجل ألمانيا، تهديدا لهذه القيم أكثر من التهديد الذي يشكله مليون لاجئ إليها”.

4