كاتب أميركي: في هولندا أكثر من ربع مليون أمازيغي

الأمازيغ أو سكان الريف المغربي من الأقليات الكبيرة في المغرب العربي لكن لا أحد يعرف شيئا مهمّا عن الثقافة الأمازيغية في الثقافة العربية باستثناء كونهم مسلمين وساهموا في فتح أسبانيا عن طريق القائد الأمازيغي طارق بن زياد. أما في الثقافات الأخرى، والأوروبية منها تحديدا، فإنهم يعانون من المشكلة ذاتها؛ إذ يوجد على سبيل المثال في هولندا وحدها أكثر من ربع مليون أمازيغي وفق عمدة لاهاي ديتمان، الذي كتب مقدّمة كتاب “آيث ورياغر: قبيلة من الريف المغربي”، الصادر حديثا، للأنثروبولوجي الأميركي دافيد مونتغمري هارت المترجم من الإنكليزية إلى الهولندية.
الأربعاء 2016/01/06
ماذا نعرف عن الثقافة الأمازيغية

من منافع العولمة وربما من مخاطرها أيضا تفكيك الكيانات الكبيرة القارة ذات البنى المغلقة، والنبش في جذورها من أجل الوصول إلى تلك الإثنيات الصغيرة المغيبة، والتي بدأت هوياتها تتمزّق أو تختفي في ظل الهيمنة القومية والدينية للمجتمعات التقليدية ومجتمعات ما قبل الحداثة. النتائج المترتبة عن هذا التفكيك تتمثل في إعادة الاعتبار لهوية هذه الأقليات، والكشف عن ثقافاتها التي طمست لاعتبارات دينية وأيديولوجية ولغوية.

ليس بمقدور المرء أن يتكهّن بما سوف يجري في الأيام القادمة، ولكن بمقدوره أن يتصوّر حجم الحرائق التي سوف تنتج من جرّاء الشرر الذي بدأ يتطاير هنا أو هناك، خصوصا في العالم العربي والشرق الأوسط الذي بدأت حرائقه فعلا تنطلق من العراق وسوريا وصار يتحول إلى محرقة يوما بعد يوم. التجليات بدأت تظهر على شكل مؤتمرات تقيمها الأقليات برعاية دول أوروبية تؤمن بتعدد الثقافات والأديان واللغات. وقد حدث فعلا أن أقيم مؤتمر للأقباط في زوريخ، وتبعه آخر للأقليات في العاصمة البلجيكية بروكسل، وسوف تتبعه مؤتمرات كثيرة طالما كانت مطالب هذه الأقليات معقولة. ولكن هل هذه المطالب معقولة في نظر الدول الشمولية؟

تاريخ الريف

النظرة الغالبة عن الأمازيغ من قبل الهولنديين أنهم عرب مسلمون من المغرب. وقد بدأوا يتعرضون ببطء إلى الأسلمة والتعريب مما جعلهم يتخلّون عن هويتهم الأمازيغية.

لا أحد يعرف شيئا عن الثقافة الأمازيغية في الثقافة العربية، باستثناء كونهم مسلمين وساهموا في فتح الأندلس

وبصدور كتاب “آيث ورياغر: قبيلة من الريف المغربي” لدافيد مونتغمري هارت سيغير الشيء الكثير في حياة الجيلين الثاني والثالث من الأمازيغ في هولندا. فقد كلّفت جمعية الديمقراطيين المغاربة كلا من الصحفية سيسك دي بور (المقيمة حاليا بالحسيمة) وكريستين فرانكين (مترجمة في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية)، بترجمة هذه الدراسة المهمة من الإنكليزية إلى الهولندية.

أنجز هارت دراسته هذه في فترة حاسمة من تاريخ الأمازيغ، الريفيين، مستفيدا من علاقته الجيدة مع الريفيين والأسبان، معتمدا، في ذلك، على معطيات ميدانية موثوق بها، وثائق مهمة، ومراجع قيمة بفضل تمكّنه من اللغات الأمازيغية والإنكليزية والأسبانية والفرنسية. ولعلّ ما جعل هذه الدراسة تحظى بالتميز، بالإضافة إلى العوامل السابقة، هو تخصيص المؤلّف أطول فترة ممكنة للدراسة الميدانية موظفا احترافيته كأنثروبولوجي متمرّس، ومتبنيا حيادا قلّ نظيره في مثل هذه الدراسات. هذا علاوة على ندرة الدراسات والأبحاث القيمة المنجزة حول المنطقة وشعوبها.

تعدّ هذه الدراسة ذات قيمة علمية وأهمية قصوى بالنسبة للدارسين المتخصصين أو عموم القراء، أمازيغيين أو غيرهم، والمقيمين منهم بالمغرب أو خارجه. وتكفي الإشارة في هذا الخصوص إلى ما قاله في حق الكتاب وصاحبه العديد من الدارسين المرموقين. إذ وصف جرمان عياش دايفيد هارت بأنه أفضل خبير بالحياة الريفية الأمازيغية.

واعتبر أرنست كيلنر دراسته على أنها الوصف الأكثر شمولية ودقة، المتوفر اليوم حول التنظيم الاجتماعي للريفيين وثقافتهم. وصنّفها هنري مونسون ضمن أجود الدراسات الإثنوغرافية التي أنجزت إلى يومنا هذا حول أمازيغيي المناطق الجبلية بالمغرب.

من جهته، وسمها بول رابينو كمساهمة هامة في مجال الإثنوغرافيا المغربية، ودراسة غنية معززة بالوثائق والمعطيات الميدانية، معتبرا البحث هو بحق من الكتب النادرة في عهدنا هذا، مضيفا أنه ”سيبقى من المراجع الأساسية لكل المهتمين بالدراسات حول المغرب والقبلية بشكل عام”.

وأكد كارلتون في تقييمه لهذا المؤلّف الضخم بالقول: إنه عبارة عن وصف وتحليل شاملين للثقافة الريفية كما تتجسد في آيث ورياغر كفضاء وزمان ومجموعة. ولا غروّ، فمن الصعوبة بمكان العثور على دراسة إثنوغرافية أكثر دقة وتفصيلا كهذه حول مجموعة أخرى في أفريقيا إن لم نقل في العالم برمته.
الترجمـة ستسـاهم دون شـك في تحسين فهم الريفيين وغيرهم للجذور الثقافية والتاريخية لهذا المجتمع

قيمة مضافة

من هنا تبرز أهمية هذا العمل الذي كانت تشكل اللغة التي كتبت به عائقا حال دون الاطلاع عليه من قبل العديد من المعنيين بموضوعه. والآن بعد ترجمته ستتمكّن شرائح واسعة من الاستفادة من مادة غنية ستساهم في تحسين فهم الريفيين وغيرهم للجذور الثقافية والتاريخية لهذا المجتمع الذي ترك بصمات واضحة على تاريخ المغرب ككل والذي أسيء فهم أو تأويل بعض تصرفاته أحيانا لعدم معرفته عن قرب.

تحمل الترجمة العربية قيمة مضافة تعود إلى إغنائها بمقدمة جديدة صحّح من خلالها هارت العديد من الهفوات السابقة، مستفيدا من انتقادات زملائه، ومن نضجه كدارس، ومن وقت إضافي لمراجعة التصورات والآراء المتسرعة. هذا بالإضافة إلى إعادة قراءة فريق المترجمين للمادة المقدمة وتصحيح البعض من المعطيات أو إغنائها بفضل ارتباطهم بمحيط الدراسة الجغرافي والبشري والثقافي واللغوي.

بالفعل، إن ترجمة هذا المؤلّف إلى الهولندية، والذي يعتبر من بين أحسن الدراسات العلمية التي تمت حول الريف المغربي، ستساهم لا محالة في تنوير الجيل الثاني والثالث من الشباب المغربي الهولندي الباحث باستمرار عن هويته الثقافية وبالخصوص طلاب المعاهد والجامعات. كما ستستفيد منه مؤسسات البحث الهولندية المهتمة بمجال التعدّد الثقافي والمجالس البلدية داخل المدن الكبرى والمدارس الثانوية للتعرف أكثر على منطقة الريف التي وفد منها معظم المهاجرين المغاربة إلى هولندا.

14