كاتب أميركي يلفق أساطير على ألسنة مغاربة مسطولين

استخدم الكاتب الأميركي بول بولز في قصصه الأربع من “رباعية الكيف” شخصيات مغربية، لم يدخل فيها أي شخصية غربية أو أميركية على عادة الكتاب الأجانب حين يكتبون قصصا عن بلد آخر، كما فعل مواطناه الأميركيان همنغواي وفيتزجيرالد، ربما لأنه “المواطن الطنجي” كما يلقبه المغاربة، وهو الذي عاش في طنجة 52 عاما.
السبت 2017/05/06
شخصيات مغربية بعين أميركية (لوحة للفنان إبراهيم بوحمادي)

اختار الكاتب الأميركي بول بولز المثل المغربي “غليون من الكيف قبل الفطور يمنح الإنسان قوة مئة جمل في الفناء”، كعتبة ساخرة أولى مهّدت لعالم الكيف الذي تناوله في مجموعته القصصية “رباعية الكيف” التي ترجمها إلى العربية عبدالعزيز جدير، وصدرت عن منشورات “ملتقى الطرق” بالدار البيضاء 2017، بدعم من وزارة الثقافة المغربية، متحدثا عن سلام، ولحسن وإدير، وبوجماعة والريح في بني ميدار.

ونجد في القصة الأولى “كرازيما” مختلفة لأغلب ما كُتب عن قاع مدينة طنجة، فسلام بطلها قرر كراء سكن في حي لليهود، بدلا من العيش في أحياء المسيحيين والمسلمين بالمدينة، ويقول السارد عن هذا “سلام يحب العيش بين اليهود لأنهم لا يعيرونه اهتماما”، و”لأنّه لا يأبه لحديثهم عنه فيما بينهم، طالما أنّهم لن يتحدثوا عنه مع مسلمين”.

ويوضح “فإذا كانت له أخت تعيش هنا وهناك، وتحصل على ما تحتاجه من مال من الرجال، الذين تلتقي بهم، لأنها ينبغي أن تقتات، فإنّ ذلك لن يطرح أي مشكل، كما أن اليهود لن يشيروا لها بالبنان عندما تعوده”.

ونكتشف أيضا أنه فعل ذلك لكي يأخذ كامل حريته في تدخين الكيف (الحشيش) في الأمسيات، أما عمله الحقيقي، الذي يكسب عيشه منه، فهو يأتي من معاشرة سيدات عجائز إنكليزيات وأميركيات يتناولن الكثير من الويسكي.

عصارة 52 عاما من العيش في طنجة

حيل متتالية

أعجب سلام بقطة يراها في الزقاق، فيلتقطها ويعتني بها في بيته، ويطلق عليها اسم ميمي، وكلما فقد ميمي ناداها بميمي، حتى تظهر له، وتشاء المصادفات أنّ ابنة جارته، الطفلة اليهودية تدعى ميمي أيضا، فظنت الأم أنه يسخر من ابنتها، لذلك واجهته بعنف طالبة منه التوقف عن السخرية من ابنتها، فتركها مغتاظا، وبعد فترة اختفت قطته ولم تظهر، فعرف أن جارته قتلتها ورمت جثتها في المزبلة، فقرر الانتقام منها بإخافتها بأعمال السحر.

وسلام يعرف أن نساء الحي يرتعبن من السحر، فاشترى عضاءة محنطة، وفك جمل، ومسحوق أشواك الشيصم، وجناح غراب من بائعي المواد السحرية في السوق، وترك ما اشتراه في الزقاق، فوجدت المرأة طفلتها تلعب بالعضاءة، وفك الجمل في الزقاق، فعرفت أن سحرا عُمل لابنتها، وعرفت الجارات، فدخلت نساء الزقاق في حالة استنفار، ومنعن أطفالهن من اللعب في الزقاق خوفا من أن يؤذيهم السحر، وذهبت أم ميمي، واشتكت جارها لدى مركز شرطة الحي.

واضطرّ الشرطيّ حتى يهدئ مخاوفها إلى الكلام مع سلام، وسأله عن أوضاعه، ومن تلك اللحظة شعر سلام بأنّ حريته صارت على كف عفريت، لأنّ الشرطيّ لو فتش ملابسه، لعثر على تموين الكيف في جيبه، ولأدخله السجن بلا رحمة، لذلك قرّر لكي يسترد حريته التي فقدها بسبب الخوف من مباغتة الشرطيّ له وتفتيشه أن يدبّر له مقلبا يبعده عنه.

وبالفعل نجح بعد أن دسّ مئة درهم في ظرف، وعنونه باسم الشرطيّ، وطلب من أحد أقربائه غير المعروفين في المدينة إرساله إلى مركز الشرطة عند خروج الشرطيّ من النقطة، فأرسل القريب الظرف إلى الاستعلامات، ونُقل الظرف بعد ذلك إلى الكابتن، فظن أن شرطيّه يتلقى الرشاوى من المواطنين، فأمر بنقله إلى نقطة في صحراء، وبذلك استعاد سلام حريته الكاملة، ولم يعد يخاف من حمل الكيف في جيبه.

استخدم السارد أسلوب العارف بكل شيء عن شخصياته، لذلك فهو لا يستخدم المنولوغ إلا بشكل ضيق، هنا وهناك في كل قصة، وعمد إلى حوارات مباشرة بين الشخصيات، لإيصال الحدث إلى ذروته.

كتاب “رباعية الكيف” يحكي الشخصية المغربية في لحظات ضعفها وقوتها، ودخان كاتبه بول بولز يرفع أهالي طنجة من القاع إلى السماء.

وبالرغم من أنّ في القصة شخصية بوغالم (أخو سلام) الذي يقيم معه في البيت إلا أنّ تركيزه جاء على سلام وحده، أما الآخر فلم يكن إلا طبعة سالبة عنه.

وهذا ما نجده في “لحسن وإدير” وهما صديقان لا يفترقان، يقضيان وقتهما بتدخين الكيف، ويعشقان معا بائعة هوى صغيرة، قادمة من مكناس.

ويقرّر لحسن الزواج منها بعد أن عاشرها وقضى معها عدة أيام في بيته، لكنه قبل أن يقدم على هذه الخطوة قرّر اختبارها، لمعرفة إنْ كانت تحبه، وهل هي مخلصة له حقا؟ فتركها على سبيل التجربة مع صديقه في بيته، وتعلل بالخروج لقضاء حاجة في السوق، لكنه حين عاد عرف من صديقه أنّها أوقعته في حبائلها، فعاشرها، لذلك يقرر لحسن تركها لصديقه، وإنّ كان يشعر بخسارته الفادحة لها.

أساطير مغربية

في قصتيه الأخريين وظف بولز أساطير مغربية، ومحكيات شعبية مغربية، كأسطورة “عيشة قنديشة” و”تسليت وأنزار” و”بغلة القبور”، وجعل تلك الأساطير تدور على ألسنة مسطولين، غارقين بأدخنة الكيف وخيالاتهم، وهم يجلسون في مقاه مملوءة بدخان الكيف.

تكمن أهمية قصص”رباعية الكيف” في قدرة كاتبها على طرح الميثولوجيا المغربية، وإظهار معرفة عميقة بتكوينات الشخصية المغربية في لحظات ضعفها وقوتها، ونظرتها إلى الحياة، وقد وضعها الكاتب تحت عين كاميراته القصصية وسجل كل تصرفاتها، خصوصا عندما تواجهها أخطار تهدد وجودها أو حريتها.

لكنه طبق هذه المعرفة على نماذج هزيلة، لا تبحث إلا عن متعها، وسعيها في تدبير قبضة من الكيف، أو في البحث عن بائعة هوى طارئة، لقضاء الوطر معها، وقد طرح كل هذا بطريقة ساخرة، وروح فكهة، واعتمد أسلوبا بسيطا في الطرح لا تعقيد فيه.

“رباعية الكيف” ضمت أربع قصص طويلة لبول بولز حكى فيها قصصا ومفارقات وهزل أهل الكيف في طنجة، ويشار إلى كاتبها دائما بأنه “المواطن الطنجي” لكونه عاش في طنجة 52 عاما.

وترجم المجموعة إلى العربية صديقه المغربي عبدالعزيز جدير، ووضع المترجم للكتاب مقدمتين؛ الأولى لبولز، والأخرى له، مع تمهيد جاءت فيه تفصيلات عن حياة بولز في طنجة، المدينة التي عاش فيها منذ 1947 حتى وفاته بالسكتة القلبية عام 1999.

16