كاتب أوروغواياني يتنصل من كتابه وينعته بالممل

بعدما يخط كاتب ما أثرا وينشره، فإن العمل يخرج عن ملكيته ويصبح مشاعا بين القراء الذين بدورهم يتحولون إلى نقاد يحكمون على مدى جودة الأثر، لذا يصبح الكاتب على محكّ النقد، وتتباين الآراء من شخص إلى آخر، إلا أن المثير للاستغراب أحيانا، هو أن يحكم كاتب معروف على أهمّ كتاب له بأنه ممل، وأنه لن يقرأه مرة أخرى؛ هنا تصبح المعادلة غامضة ومثيرة للعديد من التساؤلات.
الأربعاء 2016/06/01
عين الكاتب على نفسه

في لقاء جمع بين هوغو شافيز والرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2009، قام الأول بإهداء أوباما نسخة من كتاب الأوروغوياني الراحل إدواردو غاليانو “الشرايين المفتوحة لأميركا اللاتينية”، ما زاد في مبيعات الكتاب بصورة ملحوظة بالرغم أن الكتاب كان قد مر حوالي الثلاثين عاماً على صدوره، لكن غاليانو صرّح بأن تشافيز دكتاتور لا يختلف عن غيره إلا بكونه فضولي قليلاً. أما اختياره لكتاب غاليانو فهو نوع من الرسالة المبطنة في وجه الحلم الأميركي، وكأنه يصرّح بأن الجنوب ما زال ينزف حتى الآن.

الكتاب الذي نشر للمرة الأولى عام 1971 نال شهرة آنية، وفيه يبحث غاليانو في تاريخ أميركا الجنوبية من بداية الاستعمار الأوروبي واكتشاف العالم الجديد حتى القرن العشرين، الكتاب صدر هذا العام باللغة العربية عن دار طوى للنشر والإعلام ترجمة علاء شنانة، ليكون مرجعاً عن تاريخ أميركا اللاتينيّة، كتبه واحد من أشهر القصاصيّن والنابشين في التاريخ لتقديم ما هو مهمش ومنسي بين صفحاته، لكن وبالرغم من كل ذلك، والاحتفاء العالمي الذي ناله الكتاب، غاليانو نفسه يصدم قرّاءه برأيه بالكتاب.

صدمة للقراء

عام 2014، وإثر تكريم غاليانو بمناسبة الذكرى الرابعة والثلاثين لنشر الشرايين المفتوحة في معرض الكتاب بالعاصمة برازيليا يصدم المؤلف قرّاءه بتصريحاته، ففي لقاء معه حينها يقول “لن أستطيع أن أقرأ الكتاب مرة أخرى..”.

عمل غاليانو على جمع المواد التاريخيّة التي يحويها الكتاب لمدة اربع سنوات وحوالي تسعين يوما لتأليفه، وذلك أثناء فترة عمله في قسم النشر في جامعة الجمهورية بالأوروغواي، وقد تعرض للنفي بعد الانقلاب العسكري الذي شهدته البلاد بسبب الكتاب الذي منع في البرازيل وتشيلي والأرجنتين والأوروغواي، الصادم أكثر في تصريحات غاليانو قوله إنه حين ألف الكتاب كان لا يمتلك المعرفة الكافية بالاقتصاد والسياسية، وكما أن “النثر اليساري التقليدي في الكتاب كان مريعا” ويضيف أنه لا يندم على تأليف الكتاب، لكنه حقيقة “كتاب ممل جدا”.

ملاحظات لاحقة

لا يمكن للقارئ أن يتجاهل تصريحات غاليانو، وبالرغم من الغنى التاريخي للكتاب وأسلوبه الذي يمزج التاريخ بالأدب والحكاية الشعبيّة، يشير البعض إلى أن القيمة التاريخيّة للكتاب الآن تكمن في”شخصيته الأدبيّة” بوصفه أثراً يُمسك بروح أميركا اللاتينية ويستعيد حكاياتها ومروياتها. بعيداً عن السياسة والدقة التاريخيّة، لا يُنكر مجهود غاليانو، فـ”أنجيل اليسار اللاتيني” حتى لو أنكره صاحبه يبقى حاضراً كعمل يأخذ بتلابيب القارئ.

نقد للأرض الجديدة الموسومة بمنطق الغنيمة

الكتاب يحوي ملاحظات المؤلف بعد سبع سنوات من صدوره والتي كتبها عام 1978 من منفاه في برشلونة، وفيها يتحدث عن الصدى الذي ناله الكتاب، وعن أسلوبه ذاته -الذي انتقده لاحقاً- بوصفه يمزج الأدب بالرواية باللغة الشعرية في سبيل سرد التاريخ، ليعود مؤكداً على أن التاريخ نفسه هو المعلم، وأن اليمين الذي يكرّس الأصنام والنماذج الثابتة ما زال حاضراً حتى تلك اللحظة.

ويشير غاليانو في كتابه إلى أن الدكتاتورية والقمع حاضران في أميركا اللاتينية، وكأنه يعيد تكرار السؤال الذي طرحه في أوّل الكتاب، هل تلك البلاد محكوم عليها بالخسارة؟، فـ”الأرض الجديدة” موسومة بمنطق الغنيمة، هي كنز لا بد من استغلاله والصراع حوله، الموت والفقر والجوع تحيط بها دائماً، وهذا ما يشير له في التعليقات لاحقاً بأنه كتب بلغة أشبه بتلك التي يكتب بها قرصان أو أمير رومانسي يبحث في خبايا كنزه الضائع.

تاريخ النهب

منذ بداية الكتاب حتى النهاية يبحث غاليانو في النهب، كيف تتحول رقعة جغرافية إلى أرض يسيل لها اللعاب طمعا “بذهبها”، فمنذ كريستوف كولومبوس و”خطأه” باكتشاف العالم الجديد حتى صندوق النقد الدولي بوصفه المتحكم بـ”الثروات” هذه البلاد هي هوس ذوي السلطة، غاليانو يبحث في الوثائق الرسمية والأرقام، في سبيل فهم ما حصل، كيف تحولت هذه الأرض من اكتشاف أوروبي إلى مزرعة خلفية لأميركا تصدّر لها أزماتها وتصرف من نقودها حفاظا على خزائنها، إلى جانب ظهور الدكتاتوريات التي ساهمت في تكريس الجنوب اللاتيني كمستعمرة بالرغم من رحيل الأوروبيين عنه، فشكل المهزوم بقي ملتصقا بها، لتغرق في الديون وتجارة الممنوعات، غاليانو يشرّح التاريخ محاولا تفسير الموت السريري الذي تمرّ به بلاده، هذه الأنفاس التي بدأت بالتناقص منذ وسمت بلاده “بالأرض الجديدة”، لكن، هل نتجاهل التصريحات السابقة لغاليانو، هل فعلا “الشرايين” مملّة؟

هي جرأة من غاليانو أن يصف كتابه الأهم بالممل، أن ينزع القدسية عن مُؤلفه تاركاً الحرية القصوى للقارئ بأن يَحكُم على الكتاب، فالمؤلف هنا لم يمت، بل قتل عمله، مع ذلك، فـ”الشرايين المفتوحة” لم يعد ملكاً لغاليانو، هو للجميع، للقارئ الذي وبرغم كل شيء هو الأحق في ملكية الكتاب، فهو لنا، وحتى لو صرح صاحبه بسوئه، الكاتب يموت لحظة النشر، ليُبعث القارئ بعدها من المجهول.

14