كاتب الضمير

الجمعة 2015/06/19

دوستويفسكي هو الكاتب الوحيد الذي لا يتوقف عن إبهاري في كل مرة أعيد خلالها قراءة رواياته، وقد قرأت رواياته مرات عديدة، حتى أنه لا يمكنني أن أمر بجانب الرف في مكتبتي -الذي أسميه “بيت دوستويفسكي”- دون أن ألمس كتبه بحنان وامتنان. ولا يمكنني أن أنسى الصدمة الرائعة التي أحدثتها روايته -الجريمة والعقاب- في نفسي لما قرأتها لأول مرة وكنت لا أزال طالبة جامعية في سنتي الأولى في الطب البشري، صدمة أشبه بوشم لا يزول من الروح والعقل، أن يتمكن كاتب عبقري كدوستويفسكي من أن يبهرنا بمفهوم وعظمة الضمير الإنساني من خلال بطل روايته راسكولنيكوف الذي قتل المرابية العجوز عديمة الرحمة والإنسانية من أجل إنقاذ حبيبته الفقيرة من العمل في الدعارة لإعانة أسرتها على العيش، وأن يتمكن كاتب من كتابة رواية مذهلة تعالج موضوع الضمير كما لو أن تعريف الإنسان هو الكائن الذي يملك ضميرا “شيء خارق حقا”. فبطل الرواية الذي ارتكب جريمة كاملة دون أن يترك دليلا يدينه، والذي نتعاطف معه لأن دوافعه لارتكاب هذه الجريمة هي فعل الخير وإنقاذ حبيبته من العمل في الدعارة، ومساعدة الفقراء والمظلومين.

ورغم أن المحقق الذكي والذي حقق مع البطل لم يتوصل إلى دليل لإدانة قاتل المرابية العجوز الشريرة، وكان يمكن للرواية أن تنتهي ككثير من الروايات الأخرى بأن الحبيبن تزوجا ودفنت الجريمة الكاملة، لكن ثمة شيء يعذب، ثمة صوت أشبه بالطنين الدائم في الأذن، لا يمكن إسكاته ولا الهروب منه، إنه صوت الضمير. الضمير الذي إذا انعدم يتحول الإنسان إلى وحش. لم يتمكن بطل رواية الجريمة والعقاب من الهروب من صوت ضميره، يظل يحوم حول جريمته حتى يعترف. منذ ذلك الوقت أطلقت على دوستويفسكي كاتب الضمير، وحين قرأت كل أعماله كنت أعيش حالة من الانبهار وأنا أحس أنني قارئة من مستويين، المستوى الأول انبهاري بروعة التحليل النفسي العميق للشخصيات، وأظن دوستويفسكي تفوق على فرويد في التحليل النفسي.

والمستوى الثاني هو الرسالة الخفية التي أراد دوستويفسكي أن يوصلها إلى قرائه وهي أزمة الوجود الإنساني، أزمة هذا الكائن المجهول الغامض والرائع والمخيف الذي هو الإنسان، معالجة كل أزمات وجوده وتعقيدات روحه والصراع بين الأنا العليا والغرائز، لكن في كل رواية من رواياته ومهما احتدم الصراع بين الإنسان وذاته، أو بين الإنسان وما يتوق إليه وبين القيم الاجتماعية والأخلاقية الخاصة بزمنه، ثمة فضاء للحرية، ثمة انقشاع مفاجئ للغيوم الداكنة التي تعتم الروح وتعيق شفافيتها، لأن الإنسان كما يراه دوستويفسكي كائن مؤمن، حتى لو اعتقد بأنه ملحد، الإنسان بحاجة إلى يقين ما، إلى إيمان، إلى شيء يتشبث به ليقاوم عبثية الوجود.

من وقت لآخر أعيد قراءة روائع دوستويفسكي بالانبهار ذاته، رغم مرور السنين، هذا هو الأدب الخالد والذي يصلح لكل زمان ومكان، الأدب الذي يغوص في أعماق النفس البشرية، ويكشف خباياها وصراعاتها، ويعالجها برحمة ومحبة، دون إدانة أو إطلاق أحكام، إني أعتبر دوستويفسكي معلمي الأول في الأدب وفي الحياة، وفي كل نص أكتبه أجدني أتساءل عن سؤال غريب: ترى كيف سيكون رأي دوستويفسكي في ما كتبت؟ إنه القيمة التي أؤمن بها، ورغم قراءاتي الكثيرة والمتنوعة وإعجابي بالكثير من الكتاب، لكن تبقى لدوستويفسكي مكانته الخاصة التي لا ينافسه فيها أحد. إنه كاتب الضمير الإنساني.

وهنا يحضرني سؤال يلح علي: أين الأدب الروسي المعاصر؟ لماذا توقفت قراءاتنا للأدب الروسي عند تولستوي ودوستويفسكي؟ لماذا ازدهرت ترجمة روايات أميركا اللاتينيه من غابرييل ماركيز إلى جورج أمادو إلى إيزابيل ألليندي وغيرهم؟ لماذا صار كل قارئ يتحدث بالواقعية السحرية لأدب أميركا اللاتينية ولا نعرف شيئا عن الأدب الروسي المعاصر؟ وحين كنت منذ سنوات قليلة ضيفة في برنامج بانوراما في موسكو، طرحت سؤالا: لماذا لا يوجد مركز ثقافي سوري في موسكو، تكون مهمته ترجمة الأدب العربي الحديث إلى اللغة الروسيه وبالعكس، وإقامة ندوات ونشاطات ثقافية للتقارب بين الشعوب؟ لأنني أؤمن أن الأدب هو الذي سينقذ الشعوب من دنس السياسة. الأدباء هم السفراء الحقيقيون لشعوبهم وليسوا السياسيين. من يعرف اسم الحاكم أيام دوستويفسكي؟ لقد مات ولا يعرفه أحد، لأن الخلود والبقاء للإبداع.

ولا أنسى يوم التقيت في مؤتمر الكتابة العالمي بكاتب أفريقي وخجلت أنني لم أعرف أين يقع وطنه، لكنه حين قال لي بأن مدينته هي كاب تاون وجدتني أصرخ بشكل انعكاسي: آه كويتزي! كويتزي الحاصل على نوبل، والذي قرأت كل أعماله المترجمة إلى العربية وبعضها قرأته بالفرنسية. كان كويتزي من قام بالتعارف بيني وبين الكاتب الأفريقي وهدم الجدار بيننا.

كم أتمنى أن تقوم الجهات المختصة بترجمة الأدب الروسي الحديث إلى العربية، والعكس أيضا، أي أن يتم اختيار روايات وأعمال قصصية وشعرية لترجمتها إلى الروسية، ويا ليت المال السياسي السخي يغير وجهته لدعم الثقافة، لأن لا إنقاذ للبشرية من جحيمها إلا بالثقافة الحقيقية الخالدة كأدب كاتب الضمير: دوستويفسكي.

كاتبة من سوريا

14