كاتب الناس

الصادق النيهوم بذل جهداً كبيراً في صياغة مقالاته لتوافق مساحة كبيرة من أمزجة المتلقين الذين خبرهم وعاش بينهم وتشربهم عن كثب.
الأحد 2019/11/10
الصادق النيهوم مفكر قرأ الماضي وتنبأ بحريق المستقبل

بدأ الصادق النيهوم (1937 ـ 1994) رحلته في الكتابة ككاتب تنويري وجد نفسه في مجتمع شبه أمي خارج من أتون الحروب والأمراض والمجاعات.. وحتى الناس الذين تحصّلوا على تعليم بسيط في الكتاتيب أو المدارس العربية والإيطالية وتمكنوا من القراءة والكتابة وشغل بعض الوظائف الإدارية والخدميّة يعتبرون في المفهوم العام شبه أميين، فليس محو الأمية أن تتحول إلى إنسان يفكّ الحرف ويقرأه فقط، فالخروج من الأمية هو الخروج إلى الفضاء الشاسع من الثقافة.

من هنا ركز النيهوم على كتابة المقالة الأدبية الرؤيوية التي استخدم في صياغتها الكثير من الصيغ البلاغية ووظف فيها الكثير من مشكلات المجتمع متخذاً من شخصيات شعبية موجودة في الشارع قناعاً لقول ما يريد عبرها، وذلك عبر تحريكها درامياً داخل النص لتعبر قصصياً أو حوارياً أو حتى تشكيلياً بواسطة رسم ملامحها وما يحيطها من واجهة بيئية تضعها في السياق وفي قلب الحدث سابرة العديد من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تمس الإنسان في ليبيا والعالم مباشرة مثل شخصية الحاج الزروق الواردة في نصوصه.

الناس تقرأ للنيهوم لأنها تجد أنفسها داخل نصوصه. تشعر بأنها هي من كتبت المقالة وليس الصادق. تشعر بأن النيهوم قال ما أرادت أن تقوله لكن يعوزها الأسلوب واللغة والمنبر الصحافي والشجاعة.

لقد بذل النيهوم جهداً كبيراً في صياغة مقالاته لتوافق مساحة كبيرة من أمزجة المتلقين الذين خبرهم وعاش بينهم وتشربهم عن كثب. كان يكتب المقالة الواحدة عشرات المرات حتى يرضى عنها قليلاً وهو بالطبع كأي مبدع كبير لا يمنح نصه الرضا الكلي أبداً، لأن نصوصه متولدة ومتفجرة وكلما قرأ النص مجدداً تفتحت أمامه مسارب جديدة يمكن التعاطي معها إبداعياً، وكتابة المقالة عشرات المرّات من كاتب مبدع بحجم النيهوم ليس لديه مشكلات في النشر ومشهور ومقروء جداً سأعتبرها احتراماً للنفس وتقديساً للكلمة ولفن الكتابة وتمجيداً للقارئ المتلهف لعناق هذه الكلمات.

 سأعتبر تكرار إعادة المقالات من أجل تجويدها وصقلها أكثر -من كاتب ولو حتى نطح برأسه المغموس في الحبر الورق لتمت قراءته- جهداً جباراً ذهنياً وبدنياً وزمنياً سيشكره دائما عشاق الأدب عليه.

النيهوم كاتب تنويري من جماعة الفن من أجل الحياة، وإن كان لديه فن من أجل الفن فسنجده متركزاً فقط في حياته الشخصية وفي طريقة لبسه وأسلوب معيشته. وهو رسول سلام وحب وتسامح. ولقد وجدت ذلك في الكثير من نصوصه الداعية إلى التفكير والتأمل خاصة في نصه القصصي بعنوان “حكاية” المنشور في العدد 59 من مجلة المؤتمر.  في هذا النص استدعى مناضل اللاعنف المهاتما غاندي ووضعه صحبة مغزله الإنتاجي في قلب رقعة الشطرنج أثناء وطيس مباراة نهائية في كأس عالم هذه اللعبة.

الناس تقرأ للنيهوم لأنها تجد أنفسها داخل نصوصه. تشعر بأنها هي من كتبت المقالة وليس الصادق. تشعر بأن النيهوم قال ما أرادت أن تقوله لكن يعوزها الأسلوب واللغة والمنبر الصحافي والشجاعة

ولعل الإسقاط هنا يأتي بنا إلى حلبة الحياة والصراع الجاري فيها بين النقيضين، الخير والشر، النور والظلام، الموت والحياة.. لقد صوّر على هذه الحلبة الواقع الآن وفي معظم فترات القرن العشرين.. قرن الحرب الباردة والساخنة. قرن الحروب العالمية والاحتلالات الغادرة والمجاعات. قرن الدم من دون منازع.. قرن الحروب العالمية والإقليمية، الصراع بين السوفييت والأميركان على ثروات العالم.

 لقد وجد غاندي نفسه في قلب حلبة الصراع بمغزله الذي سيضمد بقطنه وصوفه جراح الإنسان والذي سوف يصنع له من خلال خيوطه ثوباً من الحنان والسلام والدفء. لكن وجود غاندي في قلب رقعة الألم بمغزله لم يقنع القوى الغاشمة ومجانين الدماء والنار فتم دهسه وسحقه والمرور على جثته النحيلة وحرقه وترميده. فصار رفيسة للفرس ومداساً للفيل ومسخرة للبيادق العرجاء والكسيحة.. وحتى القلاع والوزراء والملوك اقتربوا من غاندي السلام ووبخوه وبصقوا عليه وأصدروا أوامرهم الصارمة بتصفيته فوراً وبحرق مغزله حتى لا يتحول إلى شهادة على قبره. والطريف أن هذه اللعبة تقتل غاندي ثم تعيد بعثه من جديد وإخراجه من صندوق القطع الميتة وتثبيته في قلب الرقعة والعبث به وقتله. فالمباراة العالمية مازالت جارية ولم تحسم ولم تنتهِ ولن تنتهي أبدا، مباراة افتتحها الإنسان بجريمة قتل هابيلية أو قابيلية لست متأكداً من قتل الآخر الآن.

 غاندي الذي وضعه النيهوم في قلب معركة “الشطرنج” يمثل الإنسان البسيط المسالم الراغب في العيش بسلام، والراغب في التحرك داخل رقعة الحياة بحرية من دون أن يحركه أحد سوى ضميره الحليبي الشفاف. لقد قـتل غاندي أكثر من مرة، وكلما حاول أن يتفاهم مع الظالمين بالتي هي أحسن قوبل بالتي هي أقبح.. قوبل بالقوة الغاشمة.

القوة التي نسميها شعبياً “رومني أو أكسر قرنك” وكيف سيروم ويوافق غاندي على الجرائم والقتل والتدمير.. ومن هنا التقط لنا النيهوم شخصية غاندي ووضعها في رقعة شطرنج مباراتها مشتعلة مصوراً لنا أن الحياة رقعة شطرنج تلعب عليها مباراة شرسة يحرك أدوارها أرباب السلطة في هذا العالم على مرأى من الله الذي نقول عنه دائماً إنه يمهل ولا يهمل. لقد تم سحق غاندي وحرق مغزله وذبح عنزته التي ينتج من خلالها شرابه الدافئ بعرق جبينه حيث يقايضها العشب الأخضر وحبيبات الأرز والماء الذي يجمعه لها يومياً بيديه من دون الاستعانة بأي خدم أو منبوذين.

قسم النيهوم العالم إلى لونين ومنح كليهما قطع لعب متساوية وتركهما يلعبان ويتقاتلان أمامه ورمى داخل هذا الجحيم نرده الرابح وهو غاندي المنتج شاهد العصر وزارع العصر بورود السلام والمحبة.

قرأت للنيهوم ووجدتني أمام كاتب ليبي كبير لا يسعك إلا أن تفخر بمنجزه الفكري والإبداعي. لقد بذل هذا الكاتب كل دقيقة في حياته من أجل الإبداع،  وكان ذكياً جدا فقد خرج من العمل بالسياسة التي ستحرق إبداعه أو على الأقل ستحوله إلى صحافي نمطي مملّ مبكرا، على الرغم من ترحيب السياسة به وحاجتها إلى مثل هذه العقول النظيفة للسير بها قدماً والرقي بمستوياتها.

 لقد فضل الابتعاد عن السياسة كزميله الروائي الكبير إبراهيم الكوني، ووضع كل جهده في تأسيس وإرساء لغة الحوار والنقاش والديمقراطية المباشرة بعيداً عن أجواء البروباغندا والثرثرة والغوغائية في كل قرائه ومجتمعه، محفزا العقل الجماعي والفردي لكل طالب معرفة. كان لا يمل من النقاش ولا يسخر من عقلية القارئ أو المحاور وسذاجته. فالسذاجة أحياناً تكون أرقى درجات الصدق وأشف حالات الفطرة.

كان يتهكم عبر الكلمات ليفضح مدلولاتها.. لقد كان مثل “غناوة علم أدبية” زاخرة بالعمق والتكثيف والخيال والخضرة والضوء الإبداعي المبهر المنبثق من شمس خير الكلام ما قلّ ودلّ. وكان النيهوم يحترم كل من يتحدث معه ويحترم المبدعين الذين جايلوه أو تعلم منهم.  يجلس معهم في مقاهي طرابلس ويستمع إليهم ويتحاور معهم.

بل أخبرني أحد الأصدقاء الكتّاب الذين عاشوا تجربة السجن أن النيهوم زارهم في السجن صحبة مسؤولين أمنيين وتحدث معهم محاولاً التوصل إلى تسوية إصلاحية تقرب وجهات النظر بين الطرفين وكان لزيارته الأثر الطيب في النفوس، فالرجل بذل جهده من أجل سلام هذا الوطن واستقراره.

كان الأدب الليبي وقت ظهور النيهوم في بداية تكونه. كان راكداً غارقاً في أصداء الكتابات الكلاسيكية والرومانسية وفي أصداء التراث والنمطيّة والتقليد الذي يتمّ بصورة بشعة لفرسان الكتابة في المشرق العربي من مصريين وشوام وبخاصة اللبنانيين والعراقيين وكتاب مهجر.

ظهر النيهوم ليرمي في بركة هذا الأدب حجره ليمنحه شيئاً من الخصوصية الليبية فوظف في إبداعاته الشارع والزنقة البنغازية والسوق والمقهى والميدان، ووظف التاريخ الليبي القديم الضارب في عصور ما قبل التاريخ فاستدعى نقوش أكاكوس والقبائل الليبية القديمة من ليبو ومشواش وأبرز دور الملك الليبي شيشنق الذي كوّن الأسرة الـ22 التي حكمت مصر الفرعونية عدة مئات من السنين ووصل نفوذها إلى القدس.. ووظف أيضاً في منجزه الإبداعي والفكري الفلسفة الحديث وعلم مقارنة الأديان ودعا كثيراً إلى الأفكار الداعية إلى الشك والريبة ليس من أجل الاستعراض أو الإلحاد إنما من أجل الإيمان بالشيء عن يقين ورؤية واضحة وقناعة راسخة.

 ترك النيهوم أثراً كبيراً في قراءه وفي مجايليه والجيل الذي أتى بعده من القراء وبعض الأسماء التي تكتب الآن.. فتجد صياغاته اللغوية وطرق تعبيره وعناوينه وتعجباته واستفهاماته وطريقة تفكيره منتشرة في نصوصهم حتى يخيل إليك أنك تقرأ نيهوماً جديداً.. ولكن للأسف أن هؤلاء الكتاب ينكرون ويتملصون من تأثرهم بالنيهوم ويعتقدون كثيرا بخصوصياتهم وباختلافهم عنه. وهذا بالطبع سأعتبره شيئاً طبيعياً لأن الكاتب لا يستطيع شمّ نفسه، ولا يرى أستاذه النيهوم عبر سطوره. لكن القراء والنقاد يرون ذلك جلياً ويشمون ذلك حتى العطس بشنة الحاج الزروق الحمراء.

لماذا يحب الصادق النيهوم الحوار والمناقشة والتفاهم بالعقل والموضوعية وعبر عرض المشكلة وتحليلها والبحث عن حل يقبله المنطق والعدل ويراعي مصالح الجموع؟ يقول في فقرة من فقرات قصته الحكاية “يا أبتاه دعنا أولا نعرف لماذا نتقاتل؟”. فكلمة “نعرف” تلخص وتختزل لنا تجربة النيهوم كلها. هذه التجربة الناهضة على محاولة المعرفة والتعرف على كل المحيط وكل ما يحتويه هذا المحيط من أسرار وأمور محيّرة ومستفزة للتفكير والتدبر. هو كاتب يريد من القارئ أن يعرف لماذا يفعل هذا ولا يفعل ذلك، وهذه المعرفة لا تتم إلا بتأمل الشيء وتحليله وتكبيره وتفكيكه إلى أجزاء وفهمه منفصلاً ومجتمعاً.

12