كاتب بحريني مسكون بشجون البسطاء والفقراء

في كل أعماله الإبداعية التي جاءت بين الصحافة والشعر والقصة اختار الكاتب البحريني جعفر الديري الوقوف على الهامش الذي يحرّضه على الكتابة والانتصار له في الزمن الرأسمالي المحتفي بالمتن وحده، حيث لا أحد يشير بإصبعه إلى الأقلية المستضعفة أو الأكثرية القليلة، “العرب” توقفت معه في حوار حول تجربته الأدبية وحول بعض القضايا الأخرى.
الثلاثاء 2017/08/08
الكتابة تحليق في عوالم خاصة

المنامة – في عام 2013 أصدر الكاتب البحريني جعفر الديري (مواليد 1973) مجموعته القصصية الأولى “النافذة كانت مشرعة”، حاملة نصوصها أكثر من دلالة ذات رمزيات صوفية وواقعية في محاولة للخلاص من الارتداد إلى الواقع عبر تشكيل حالات من العودة إلى الطفولة والحنين إلى زمنها الذي لا يعود.

واهتمت الرواية الصادرة عن شركة الوطن للطباعة والنشر والتوزيع في البحرين، بمنطقة الهامش والمهمشين من المقهورين والفقراء والمضطهدين لتوجه بصيرة القارئ إلى رؤية العالم ليس عبر نافذتهم المهمشة فحسب، بل أيضا عبر عيون المتن التي يضيء مناطقها وهو يرسم سيرة الأثرياء وموقفهم المتفاوت من الفقراء، فهو يستحضر حيوات الناس وآلامهم في الحرب والسلم، ويسبر ذاكرتهم التي لا يمكن أن تفارق أرواحهمم.

غربة في الوطن

نص الديري مسكون بشجون الطبقة الكادحة وأسئلة المهمشين، إنها الغربة في الوطن التي تتعدّى المعنى التقليدي لغربة المثقف لتتشكّل كحياة يومية تبتكر نصها الخاص.

وعن هذا الشأن يعلّق الديري “من قرأ مجموعتي الشعرية ‘يكاد يفرّ من عنقي’، من الأصدقاء والزملاء، أشار إلى غربة المثقف في وطنه، وبعضهم عاب عليّ إغراقي في الكتابة عن البسطاء والكادحين من الناس، وتساءلوا ملحّين لماذا أغلب قصصي تنتهي نهاية عادية؟ لكني أؤمن بأن النص الصادق هو ما يولّد نصا خاصا، وأحرص على أن يتوافر في قصصي ما تعلمته على أيدي كبار الكتاب مثل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، القصة القصيرة بالنسبة إلي قطعة صادقة من الحياة، ولا حاجة للكاتب إلى رفع الحدث بموقف يشعر معه القارئ بالتكلّف، ولكي تكون صادقا يلزمك أن تكتب عن أناس تعرفهم، وتشعر بما يشعرون به”.

وبين يدي الديري حاليا مجموعة شعرية جديدة يأمل أن ترى النور قريبا تحت عنوان “يكاد يفرّ من عنقي”، حيث سبق أن قدّمها لإحدى المؤسسات الثقافية في البحرين، لكنها لم تنشر، ثم أعاد ترتيبها، مضيفا إليها نصوصا جديدة.

ويقول الكاتب والشاعر البحريني عن مجموعته الجديدة المنتظرة “الحق أقول لك، لا أرغب في أن ترى النور، في كتاب ورقي، سأنشرها على الفيسبوك وأسعد بتعليقات الأصدقاء والمهتمين، ثم أعيد نشرها في كتاب إلكتروني، أرسله إلى من يرغب في اقتنائه. في الواقع، أظنّ أني خرجت من شرنقة البحث عن داعم أو مطبعة تطبع كتابي، ولم يعد يشغلني موضوع النشر، فبعد سنوات من صحبة الكتاب تحوّلت القراءة والكتابة عندي إلى حب صوفي، وما يشغلني حقيقة أن أضاعف لذة الوصل”.

وعن انتقاله من منصة القصة إلى الشعر يعلّق الديري “العكس هو الصحيح، كنت أكتب الشعر ثم أضفت القصة القصيرة إلى قائمة اهتماماتي، ربّما لإحساسي بصعوبة التميّز في كتابة الشعر، هذا اللون من الإبداع الذي أراه أسمى الفنون جميعا، لأنه يمثل جوهر الفن”.

جعفر الديري: القراءة والكتابة عندي حب صوفي، وما يشغلني هو مضاعفة لذة الوصل

ويضيف “ربّما لشعوري بأن الشعر همس داخلي، من حقّي أن أسعد بما يثيره في نفسي من أحاسيس ومشاعر، دون تدخّل من قارئ مفترض، ما زلت أكتب الشعر، إلى جانب القصة القصيرة، فهذه الأميرة رائعة الحسن، تستهويني وأقضي جزءاً مقسوما من يومي في مشاكستها، إنها قريبة من الناس، وقصصي التي نشرتها مؤخرا في صحيفة ‘الوسط’ قبل إغلاقها، تفاعل معها قراء عاديون أكثر من الزملاء الكتاب، ما يؤكد مكانة القصة القصيرة في قلوبهم”.

بين عالمين

عمل جعفر الديري في أكثر من مؤسسة إعلامية محررا وكاتبا وصحافيا ومراسلا، حيث خاض غمار العمل الصحافي منذ سنوات طويلة، الأمر الذي دفعني إلى التوقف معه حول أثر الصحافة على نصه وما أضافت إليه أو أضاف هو إليها ليجيب ضيف “العرب” بدوره متسائلا “وماذا يمكن أن تضيف الصحافة العربية لكاتب مثلي، سوى أنها مصدر دخل، ومجال لمتابعة المشهد الثقافي؟ لا شيء أكثر من ذلك، أمّا بالنسبة إلى النصّ فلا أخالني استفدت من العمل الصحافي شيئا! حتّى النصوص التي نشرتها في الملاحق الثقافية، لم يسعدني الحظ يوما بنقد يسلط عليها! فكيف والحال هذه يمكن الإفادة من العمل الصحافي؟”.

ويواصل “نعم، عندما تتحدث عن الصحافة خارج الوطن العربي يمكنك حينها أن تذكر أثرها في نصوص الكتاب، تتحدّث مثلا عن الكاتب الأميركي آرنست همنغواي، الذي تبنى نظرية ‘الجبل الجليدي’ في كتابة القصة القصيرة، بعد أن تعلم من عمله مراسلا للصحف التركيز على العناصر السطحية دون مناقشة الموضوعات الأساسية بشكل صريح”.

ولا يجد كاتبنا جديدا في المشهد السردي البحريني سوى “مشكلة السوشل ميديا” التي جرّأت الناس على اقتحام ميادين ما زال كثيرون من أبناء جيله من أبناء سبعينات القرن الماضي يخشون الدخول إليها.

ويقول “أكثر ما يزعجني في هذا الخصوص هو التجرؤ على كتابة الرواية! فما بين الفينة والأخرى تصدر روايات، حتّى القارئ العادي يكشف ضعفها وهناتها، فضلا عن القارئ اللمّاح، ولا أعلم لماذا يصرّون على كتابة الرواية مع أنّها من أصعب الفنون الأدبية؟ كيف للكاتب أن يتعلّم الأساليب الروائية إذا لم يجرب كتابة القصة القصيرة؟ إذا لم ينشر يوما نصا شعريا أو أدبيا؟”.

هذا الموقف من الديري جعلني أطرح عليه سؤال: لِمَ يذهب بعض النقاد إلى كون القصة القصيرة تدريبا على كتابة الرواية؟ وماذا يقول للرأي الآخر الذي يتبنى فكرة أن القصة القصيرة هي كيان هندسي مستقل له بنيته الخاصة ولا دخل له في الرواية؟

ويجيب الديري “في رأيي أنهما كيان واحد، يصدر عن مشكاة واحدة هي اللغة، فمتى كانت لغة الكاتب قويّة استطاع أن يصنع بها ما يشاء، الفرق الوحيد الذي أشعر به أنّ الرواية سياحة في الماضي والحاضر والمستقبل، بينما القصة القصيرة تركّز على زمن واحد، ثمّ كيف لروائي أن يكتب رواية من مئات الصفحات، دون أن يكون قادرا على كتابة قصة قصيرة معدودة الصفحات؟”.

ويختم جعفر الديري حواره مع “العرب” بقوله “أتصور أن توافر كم هائل من الروايات الإلكترونية، لكتاب من الشرق والغرب، وفّر مجالا رحبا للسرقة المقنّعة، أعني سرقة الأساليب ونسخها من رواية إلى أخرى، فقرة من هنا وفقرة من هناك وتصنع رواية! أمّا القصة القصيرة فمن الصعب سرقة أساليبها، فهي مركّزة في عدد من الصفحات، ويمكن اكتشاف هناتها بسهولة، لذلك لا يقبل عليها إلاّ أصحاب الموهبة”.

15