كاتب تونسي يشوه حكاية غاليفر

كاتب يشبه كل من عارض النهضة بأقزام خرافة سويفت، لا ينسى أن ينبه الحركة إلى أن الأقزام يمكن أن ينتصروا على غاليفر ويكبلوه.
الخميس 2019/05/16
حكاية شهيرة تستغل لأهداف سطحية

استوقفنا هذا الأسبوع مقال على أحد المواقع الإلكترونية عنوانه “جلفر النهضاوي في بلاد الأقزام”، كتبه الروائي وأستاذ علم الاجتماع التونسي نور الدين العلوي، وصف فيه حزب النهضة بجلفر، وما عداها من التنظيمات الحزبية والمدنية والشعبية والبلاد بأسرها أقزاما لا تقدر على الوقوف أمامها.

وبصرف النظر عن الخطأ في رسم اسم البطل ليمويل غاليفر، وفي نسبة مغامراته إلى كامل الكيلاني، والحال أن الكاتب المصري اقتبسها من رواية في أربعة أجزاء للكاتب الإنكليزي جوناثان سويفت (1667-1745)، فإن ما يثير حقّا هو تبنّيه مغالطات النهضة، كتنازلها عن السلطة عام 2013، فيما هي لجأت إليه تحت ضغط المعارضة والمجتمع المدني تجنبا للسيناريو المصري؛ وإيهامه بأن تردي الأوضاع واستشراء الفساد مردّه إلى الحكومات المتعاقبة، والجميع يعرف أن أهم الحقائب الوزارية بأيدي النهضة، فهي لم تغادر الحكم بعد التوافق مع الرئيس الباجي قائد السبسي وظلت ماسكة بزمام الحكم من خلف الستائر؛ وإشادته بحزب الإخوان بوصفه “الكيان الوحيد المتماسك تنظيميّا الذي بنى ماكينة انتخابية فعالة” على حدّ قوله، ونحن نعرف أولا أن تلك الماكينة بنيت بالمال العام الذي استولت عليه النهضة منذ 2011، إضافة إلى التمويلات الخارجية المشبوهة، في خرق واضح للقوانين.

ما يثير أيضا في المقالة امتعاض صاحبها من “حزب الإدارة الغامض الذي يستند إلى نقابة معادية لو قدرت أن تحجب المطر عن تونس لفعلت”، والتونسيون يعرفون أن الإدارة هي التي صانت الدولة من الانهيار، وأن اتحاد الشغل هو الجدار الواقي أمام تغوّل النزعة الليبرالية للإخوان. فهو لا يتألم لما آلت إليه البلاد، بل ينتشي بأن التشتت الحالي يخدم مصلحة النهضة.

 ونعرف ثانيا الوسائل التي استعملتها الحركة لاستقطاب أصوات الطبقات الفقيرة التي صدقت وعودها الانتخابية، كتوفير الشغل للمعطلين من أصحاب الشهائد الجامعية، وتحقيق التنمية في مناطق الظل وبناء المستشفيات، فانجابت عما نراه الآن من عسر في تأمين أبسط ضرورات المعيش اليومي. ونعرف ثالثا أن التماسك مشكوك فيه بعد استقالة عدد من قادتها.

والحق أن هذا ليس مستغربا من “مثقف” درج على كيل المديح تلو المديح للنهضة منذ وصولها إلى السلطة، ولم يأل جهدا في تضخيم شخصية مرشحها في الرئاسية السابقة، رغم الفشل الذريع الذي مني به كلاهما في تسيير شؤون البلاد. ولكن الأغرب أن يدافع الرجل عن تنظيم، بدا من تخريبه للنسيج الاجتماعي والاقتصادي والتجاري والفلاحي ما لم يعد خافيا حتى على رجل الشارع، من منطلق جهوي، وهو الذي عاب في مقالات سابقة على بورقيبة تأسيسه قاعدة جهوية لحكمه.

وهو إذ يشبه كل من عارض النهضة بأقزام خرافة سويفت، لا ينسى أن ينبه الحركة إلى أن الأقزام يمكن أن ينتصروا على غاليفر ويكبلوه، ويحذرها من الاستهانة بهم على صغر حجمهم “فالنهضة بوضعها الحاليّ في المشهد التونسي تذكر بجلفر في بلاد الأقزام، خاصة لجهة المصير الغريب الذي يلقاه العملاق الوحيد في غابة الأقزام التي تأسره وتقيّده فلا يفلح في الاستفادة من قوّته”.

المثقف مثل أعلى لا ينفصل عن المبادئ التي يدعو إليها ولا يمكنه أن يكون بوق سلطة أعمى يروج لها على حساب شعبه

ولذلك ينصح بالتخلص منهم وإزالتهم من المشهد، خاتما مقالته بما يشبه النبوءة المبشرة بقيام دولة الخلافة على أجداث من يرفضون الانصياع إلى مشروعها الرجعي “في الحِكم القديمة أنّ أحد وجوه الموت هو البعث. كأني أرى جنازة قادمة وأرى بعثا بعيدا لكنه قائم على جثث الأقزام، لملك جديد يقتضي عبور نهر بصبر على ماء مرغوب”.

ومن عجب أن يكون رجل الشارع، حتى غير المتعلم، أعمق وعيا من هذا “المثقف”، الذي يبدو مثل راهب فقد إيمانه، فموالاته للنهضة رغم هذه الأعوام التي ذاق فيها التونسي ما لم يذقه من قبل في عهد الاستبداد، من إرهاب وفساد وانحطاط وفقر وجوع وفقدان أمن، ليس لها من دافع غير التلهّف على منصب، أيا ما يكن.

ونتساءل عن القيم التي يمكن أن ينشرها هذا “المثقف” في أوساط المتعلمين وعن جدوى الأدب الذي ينشره بين الناس، وعن المبادئ التي سوف ينشئ عليها من عُهد إليه بتعليمهم، وهو يمجّد حركة تحوم حولها شبهات الإرهاب والتجسس.

لقد ارتبط المثقف الحق في المخيال الجمعي بجملة من الخصال والقيم يُستدلّ بها إليه، فهو مثل أعلى لا ينفصل عن المبادئ التي يدعو إليها ويذود عنها، ولا يقيّد نفسه بتعريف اجتماعي أو هيكلي، حتى يجد الناس في أفكاره هداية إلى معالم الطريق. فهو الذي يدين تجاوزات السلط الرسمية وجورها وتعسفها في تطبيق القانون، وهو الذي يستنهض الهمم للضغط على الحاكم أو لفت انتباهها إلى مسائل حساسة بحاجة إلى قرارات حاسمة.

 كذلك كان سارتر وكامو ومالرو وسنغور وسيزار ومن قبلهم فولتير وزولا وفكتور هوغو، حيث دافعوا في نصوصهم وفي مواقفهم المعلنة عن قضايا واجهت مجتمعهم، وساهموا في الصراع ضد النزعة الاستعمارية والعبودية والعنصرية والاستبداد، مثلما ساهموا في نقد الأوضاع الاجتماعية والأيديولوجيات السياسية والاقتصادية السائدة، وكانوا كلهم إلى جانب الشعب لا القادة. لأن المثقف ينشأ من الالتزام الفعلي بقضية تتصل بالعقل والحقّ فيقبل بأن يكون الناطق المستنير باسمها. فعن أي قضية يدافع هذا الذي يعتبر تونس بلاد أقزام سوف تطحنها النهضة عمّا قريب؟

لن نتنبّأ مثله، ولكن سيجيء يوم يتمنى فيه هذا “المثقف” أن يترك رسالة فيها ندم وتبكيت، على غرار ألكسندر فادييف، أمين عام اتحاد الكتاب السوفييت، حين كتب يقول قبيل انتحاره عام 1956 “أغادر هذه الحياة بفرح عامر، كما يتخلص المرء من وجود وضيع مارس فيه الدناءة والكذب والثلب”. وليتذكر ما قاله سولجنتسين عام 1969 للكتاب المتخاذلين أمام اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي أمثال نيكولاي تيخونوف، وألكسندر بروكوفييف، وقسطنطين فيدين، وقبلوا التوقيع على قرار جدانوف التوجيهي الذي يحدد مهام الأدب والأدباء “قربت الساعة التي سوف يبحث فيها كل واحد منكم عن وسيلة لكشط توقيعه أسفل قرار هذا اليوم”.

15