كاتب روايات بوليسية يفوز بجائزة غونكور

الأربعاء 2013/11/06
لوميتر: الرواية الجيدة تعرف خاتمتها

باريس – الفرنسي بيير لوميتر كاتب عصامي، عُرف برواياته البوليسية الناجحة وبإسهاماته في كتابة السيناريو للسينما والتلفزيون، ولم يعرف عنه ميل للروايات الأدبية، ولكنه فاجأ الجميع برواية مذهلة عنوانها "نلتقي في الأعالي" صدرت الصيف الماضي عن دار ألبان ميشال وأثارت اهتمام النقاد والقراء على حدّ سواء، ومثلما كان متوقعا، توجت بجائزة غونكور لهذا العام، بعد أن وقع انتخابها ضمن القوائم الصغرى لأهم الجوائز الفرنسية كرونودو وفيمينا وأنترالييه وجان جيونو والأكاديمية الفرنسية وغونكور طبعا، مثلما تصدرت قائمة المبيعات في كبرى مكتبات فرنسا.

يتساءل القارئ، وهو يقبل على هذا العمل الضخم (570 ص)، الذي نوّه الناشر بكونه يعرض لبعض أحداث الحرب العالمية الأولى وما تلاها، ماذا يمكن أن يضيف مؤلفه إلى الأعمال الجليلة التي تناولت مجزرة 1914 – 1918، مثل روايات هنري بربوس ورولان دورجولاس وموريس جونيفوا وجان ميكيرت، وفصلت القول تفصيلا في أسباب اندلاعها وآثارها المدمرة وحياة المرابطين في الخنادق ومعاناة الأهالي الذين فقدوا بفقدان العائل كل حيلة.

ثم يفاجأ بأن لوميتر يتناولها من زاوية أخرى، بأسلوب يأخذ من الرواية الشعبية بعض سماتها كروح المغامرة والتشويق وتعاقب المحن والابتلاء بشكل يكون فيه الأفق مجللا بالموت، مستفيدا من روايات البطولة التي نهل منها صغيرا، وعادة ما تحفل أحداثها وتطوراتها بأبطال متمردين ثائرين على الظلم والجور لا يعدمون كاريزما مثل باردايّون وروكامبول وأرسين لوبين.. ويأخذ أيضا من أعلام الأدب الواقعي قدرتهم على السرد المتماسك والوصف الدقيق والقدرة على سبر النفس في لحظات انتصارها وانكسارها، مثلما يستفيد من تجربته الواسعة في الرواية البوليسية، من حيث رسم ملامح الشخصيات وإحكام الحبكة وتشييد المعمار الفني، ففي تصوره أن "الكتاب الأمثل هو حكاية لألكسندر دوما يكتبها تولستوي".


شخصيات جيدة


تبدأ الرواية في خنادق الجبهة يوم 2 نوفمبر / تشرين الأول 1918، أي قبل تسعة أيام من إعلان الهدنة بين المتحاربين، حين يقرر الملازم أول براديل شن هجوم لا غاية من ورائه سوى تلميع صورته والحصول على تكريم بأي ثمن، فألقى بجنوده إلى التهلكة، مضحيا بفرقة لم ينج منها غير ألبير وصديقه إدوار الذي تشوه وجهه بشظية. ولما وضعت الحرب أوزارها، اتجه اهتمام الدولة إلى تكريم أرواح من ماتوا في سبيل الوطن، وتناست الناجين، لأنها كانت تعدم المال والإرادة للتكفل بشؤون الأحياء، بعد أن انكبت على إعادة الإعمار للخروج من تلك السنوات المظلمة التي أفسدت الحرث والنسل.

وبذلك لم يعد لموظف البنك السابق ألبير مكان، ولا للفنان المتواضع إدوار "الوجه المكسور" كما يوصف كل ما عاد من ساحة الحرب بشوهة، فيما كان براديل وغيره من القادة الجبناء يغنمون الأوسمة والمكافآت. ومن ثمّ نتأت في خاطرهما فكرة الانتقام، من الجشِع براديل الذي رسم خطة جهنمية للإثراء، ومن الدولة التي أهملتهما وأهملت آلافا مثلهما، ولا ذنب لهم إلا أنهم عادوا من الحرب أحياء.

وإذا كان المال عصب الحرب، فإن التجارة تنالها من الحرب فوائد، زمن وقوعها، وحتى بعده. لذلك اختار براديل مزاولة تجارة المقابر، والاحتيال على الأسر التي لم تجد قبورا تواري فيها موتاها لزيارتهم والترحم عليهم. أما ألبير وإدوار فقد ذهبا أبعد من ذلك، وقاما بعملية تحيل ضخمة راح ضحيتها مليون شخص ممن انخدعوا بتجارة الأنصاب التذكارية، وكان من نتائجها فضيحة مدوية أزعجت المؤسسات الرسمية وأساءت إلى قيم الجمهورية، وتستر عليها القادة العسكريون ما استطاعوا بدعوى الحفاظ على سمعة الجنود المنتصرين، ورأى فيها بعضهم عملا لا أخلاقيا، ولكن أية أخلاق، يقول الكاتب على لسان أحد أبطاله، في بلد ضحّى بجيل كامل من أجل مطامح اقتصادية، ثم احتفى بالموتى وكرّم المفقودين، وأدار الظهر للناجين الذين خسروا بدفاعهم عن الوطن كل شيء!


رواية إنسانية


تلك هي التيمة المحورية في هذه الرواية التي يأتلف فيها حدثان، أحدهما متخيل، والثاني حقيقي علق عليه أناتول فرانس عام 1922 في استنكار: "كنا نظن أننا نموت من أجل الوطن، فإذا نحن نموت من أجل أرباب المصانع".

رواية تصور ما عاناه العائدون من الجبهة، بعد مآسي الخنادق، بحثا عن موطن قدم في بلد يكاد ينكر وجودهم، في مشاهد لا تخلو من عنف، ومواقف لا تعدم عمقا أو دلالة، وإدانة لا تخفى لانتهازية الوصوليين والدجالين ورؤوس الأموال، فهم وحدهم من يحققون مكاسب أثناء الحرب وبعدها، ولو على جثث الموتى، وأنقاض المدن. جاء ذلك في أسلوب مشوّق يشدّ القارئ حتى آخر صفحة. وهو ما يميز كتابة لوميتر الذي يلخص طريقته في مقاربة العمل الفني في قوله: "لبداية كتاب ما، ينبغي إعداد وضعية انطلاق، وحبكة وخاتمة، فالرواية الجيدة تعرف خاتمتها". مع الإلحاح على بناء الشخصيات، لأن الشخصيات الجيدة في رأيه تصنع الحكايات الجيدة، ولا يصح العكس إلا في ما ندر.

"نلتقي في الأعالي" رواية إنسانية عميقة، تضع الإصبع على فظاعة الحرب ومكابدات المجندين في الجبهة وخارجها والرذائل التي ترتكب على هامشها، وتشيد بعزة النفس لدى كثير ممن انتزعت الحرب أحبابهم ونفائسهم، برغم الفوضى العارمة ونكران الجميل.

15