كاتب سوري: هل نتوقع أن يقرأ من فقد بيته أو ابنه أو يكويه البرد في المخيمات

الجمعة 2016/01/29
سليمان: لولا الفقر لما ظهرت البسطات

أكد الروائي والناشر السوري نبيل سلمان أن الكتاب السلفي لم يعد في عصره الذهبي كما كان في السنوات السابقة، لكنّه حذّر من استمرار تدفق الأموال والدعم والتسهيلات لناشريه. وأرجع أسباب تدني القراءة في دول الربيع العربي إلى معاناة ملايين النازحين في مخيمات اللجوء وهجر أو إحراق ونهب المكتبات الشخصية في سوريا على سبيل المثال.

وفي ما إن كان مستوى القراءة قد ازداد أو نقص في أعقاب الربيع العربي، قال نبيل سلمان لـ”العرب” “لا أملك أداة من أدوات السبر التي تقتضيها الإجابة العلمية الرصينة على هذا السؤال، لكنّي يمكنني القول إن مستوى القراءة قد تدنّى في أعقاب الربيع العربي، وهذا الأمر ينطبق على سوريا واليمن وليبيا والعراق بشكل واضح جدا، حيث هناك الملايين من النازحين من مدنهم وقراهم للعيش داخل بلدانهم أو خارجها. وعليه كيف نتوقع ممن فقد بيته أو ابنه أو عمله أن يقرأ؟ وماذا نتوقع ممن يكويه البرد في مخيمات الزعتري أو كلّس أو في المهاجر الأوروبية أن يقرأ؟ المكتبة الشخصية هُجِرتْ أو أُحرقت أو نُهبت، وكذلك المكتبات العامة، وإذا ما توفر الكتاب فثمنه فوق طاقة حتى أولئك الذين لم يجربوا النزوح.

وعن وضع النشر الأدبي في العالم العربي، من شعر ومسرح ورواية، قال “بالنسبة للشعر والمسرح والقصة القصيرة، مازالت هذه الأنواع الأدبية في أدنى مستويات التوزيع والنشر، أما بالنسبة للرواية فمقروئيتها أفضل، وتليها كتب الدراسة الأدبية، حيث تتقدم، بعد الرواية، على الدراسات الاجتماعية أو الفلسفية أو الفكرية عامة. وبالطبع، هناك دائماً استثناءات، حتى بالنسبة للشعر، فكتب أدونيس أو محمود درويش مثلاً لا أظن أنها في أسفل لائحة المبيعات”.

ونبّه سليمان، صاحب دار الحوار التي تأسست عام 1982 وتعنى بنشر الكتب التقدمية والتنويرية، من استمرار دعم الكتب السلفية، رغم تأكيده على أن عرش النشر لم يعد ملكها، وقال “ثمة من يضخون المال والدعاية للكتب السلفية، في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي أو اليوم، وهذا واضح جداً في بعض معارض الكتاب العربي، حيث تُقدّم التسهيلات لدور النشر السلفية أو التي ـ على الأقل ـ بين إصداراتها ما هو سلفي، وإذا لم تُقدّم تلك التسهيلات مباشرة، فإنها تُقدّم بصورة مواربة، ومنها أن تضع العراقيل أمام دور النشر غير السلفية، وأن ترفع الرقابة بطاقاتها الحمراء أمام الكتب غير السلفية”.

وتابع “ولكن، وعلى الرغم من ذلك، أظن أن هذه السنوات من الزلزال العربي ليست ذهبية للكتاب السلفي، كالسنوات السابقة، للأسباب التي ذكرتها، فضلاً عن أن القنوات الفضائية السلفية، وما أكثرها على مختلف المذاهب والأديان، حلّت، ولو جزئياً، محل الكتاب السلفي”.

وعن الشرائح الاقتصادية والعمرية التي تقرأ في العالم العربي، قال سليمان صاحب الخبرة بالنشر والتوزيع التي تعود لأكثر من 35 عاماً “من المؤكد أن تدني القدرة الشرائية يعوّق القراءة، ومنذ سنوات بعيدة نلمس هذا الأمر، سواء في المكتبات التي نتردد عليها في اللاذقية ودمشق وبيروت والقاهرة وتونس وغيرها كثير، أو في معارض الكتاب التي نشارك فيها أيضاً في غالبية العواصم العربية، وما يزيد الطين بلّة أن المكتبات العامة المجانية لا تعوّض القارئ عن ضيق ذات يده”.

ولكنه استطرد “لولا الفقر لما ظهرت “البسطات” التي تُذكّرنا بعربة البوعزيزي، والتي تثير سخط أو قرف بعض الكتاب، فأنا ممن يبتهجون بهذه الظاهرة، مهما يكن التفافها على الفقر محدوداً، وعلى كل حال، فالطامة الكبرى ليست هنا، بل في الجواب، حيث العزوف عن القراءة يشمل جميع الشرائح العمرية”.

وفي ما إن كانت الحكومات العربية قد انسحبت من المشهد الثقافي وقلصت دعم المشاريع الثقافية، قال الروائي سليمان صاحب “مدار العشق” و”أطياف العرش” و”مدائن الأرجوان” “لم يكن دعم الدول العربية لمشاريع النشر والكتاب والمثقفين، ذا شأن هام، وبالكاد كان يُلحظ هنا أو هناك، وفي السنوات الأخيرة، انتهى ذلك ولم نعد نره”، وتابع “عن أي دولة وأي دعم نتحدث في سوريا أو في اليمن أو في ليبيا أو في العراق؟ حتى في مصر أو في تونس، حوصر دور الدولة تحت وطأة الاضطرابات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى رأسها: الإرهاب ‘المجلبب’ بجلباب الإسلام، وهنا يأتي السؤال الأخطر: ما مدى فداحة الخسارة والعواصم الثقافية العربية الكبرى (القاهرة، دمشق، بغداد) على ما هي عليه؟”.

وفي ما يخص مدى تأثير الأوضاع الأمنية السيئة على مستوى الإبداع والكتابة والترجمة، كان سليمان الذي نشر روايته الأولى عام 1970 متفائلا عموما، وقال “لنبدأ بالترجمة: أراها نشطة في سوريا على الرغم من كل شيء، أما السبب فهو استقطاب المؤسسات المعنية ودور النشر لطاقات الترجمة الكثيرة والمتميزة، أما على مستوى الإبداع والكتابة، فقد تأثر هذا القطاع، حيث اضطر كتاب ومبدعون وكاتبات ومبدعات إلى الهجرة أو الصمت، ولكن المفارقة الكبرى أن الظروف الأمنية البالغة السوء، ومعها ظروف العيش، لم تمنع ظهور أعمال إبداعية مميزة، وخاصة في الرواية، وربما يكفي للتدليل على ذلك أن تنظر في قوائم الجوائز العربية المحترمة لترى الحضور العراقي أو السوري القوي”.

12