كاتب سوري يوجّه رسالة إلى الرئيس الأميركي

الاثنين 2014/09/15
العايد: الأنظمة الاستبدادية هي أكثر أسباب تخلّف العرب

اسطنبول - رسالة هي أشبه بلوحة منحوتة في عمق الذات العربية، تلك التي بعث بها الكاتب السوري عبدالناصر العايد إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما يحدثه فيها عن تطلعات العرب وأحلامهم وصراعاتهم مع تجربتهم التاريخية، بلغة سردية لم تخل من تحذير من مغبة انتهاج نفس السياسة الإقصائية المغلفة بالعنف في التعاطي مع مشكلات العرب وآلامهم.

تطرقت الرسالة إلى تناول تفاعلات تعتمل بوضوح في نفس مواطن سوري قبل ان يكون كاتبا، انعكست الأحداث الأليمة التي يمرّ بها بلده خلال الأعوام الثلاثة الماضية على انسياب أفكاره بقلم يئن ألما على الفظائع الإنسانية التي صاحبت الحرب، وتململا من النظرة الدولية لها بعدما أدرك أن الأميركيين في طريقهم للسقوط في نفس البئر مجددا.


ذكرى ومواساة


يستهل العايد كتابه بمواساة للرئيس الأميركي في ذكرى اعتداءات 11 سبتمبر قائلا “سيادة الرئيس: أكتب إليك، لأن شخصا ما من الشرق الأوسط، يجب أن يقول شيئا لرئيس الولايات المتحدة الأميركية، في ذكرى الاعتداء الإرهابي الذي طال بلادكم في الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وبمناسبة تأهبكم لشن حرب جديدة في منطقتنا”.

ويضيف: “سيادة الرئيس: منذ أن سقط الاتحاد السوفييتي، توالت التحذيرات من العالم الإسلامي، وتلاحقت الدعوات لضرب خطره القادم في مهده، وإعلان الحرب عليه تحت ذريعة الإرهاب. ومنذ ذلك الحين يتصاعد العنف، والعنف المضاد، في منطقتنا على نحو كارثي، يبدو بلا نهاية. فهل نستطيع التوقف قليلا ومناقشة سياستكم بخصوص مكافحة التطرف؟ هل نستطيع التفكير برحابة صدر في أمر نحو مليار مسلم في هذا العالم تطالهم هذه السياسات؟ هل مازلنا قادرين على التغيير؟.

ويتابع قوله: “بلادنا هي أرض الأنبياء، ومازالت أطيافهم تهيم في سمائها، ولطالما كانت منطلقا لمشاريع وأفكار كبرى، غيّرت العالم. وشعوبها اليوم تشعر بالغضب لتخلفها المهول عن ركب الحضارة العالمية، وتصب جام غضبها على العناصر المختلفة، الذاتية والموضوعية، التي تعتقد أنها سبب تأخرها وضعفها”.

ستعزز الحرب النخبوية بطبيعتها فرصة الأفراد الأكثر عنفا، ليعيدوا إنتاج أنماط الاستبداد السابقة

وتطرق العايد بعد ذلك إلى الصراع بين العرب وذاتهم وكفاحهم من أجل الانتقال من بؤرة هذا الصراع إلى خارج الإطار الحديدي الذي يطوقها، وأكد مخاطبا الرئيس الأميركي “قد يكون مفاجئا لكم أن تعرفوا أن أول ما استهدفوه ووجدوا فيه سببا لتخلفهم كان الإسلام بالذات، وعندما اكتشفوا أن ذلك لم يغير الواقع، هاجموا مختلف مكونات التراث المشرقي، وحين لم يحقق تمردهم على ماضيهم النهضة المأمولة، تلمسوا أسبابا أخرى، منها اللعبة الاستعمارية التي قسمت بلادهم وجعلتها مناطق نفوذ لها، ومنها المؤامرة الكونية المتمثلة في إقامة دولة إسرائيل، التي استنزفت ثروات الشعوب العربية في الحرب معها، ومنها الأنظمة المستبدة، المدعومة من الغرب، التي قهرت الشعوب وأبقت عليها قاصرة وعاجزة، ليسهل حكمها والسيطرة عليها.

ومؤخرا صرنا أمام مستوى جديد من الصراع، يتمثل في الدفاع عن الهوية والخصوصية، التي يريد الغرب انتهاكها وفرض نمطه الحضاري عبر العولمة، التي تتساقط ثمراتها العلمية والتقنية في شتى بقاع العالم، فيما لا يصيبنا منها سوى قنابلها الذكية”.

ينتقل الكاتب بعد ذلك إلى حقبة الثورات العربية فيما يعرف بـ”الربيع العربي” وتأثير ذلك الصراع على نفوس الثوار تارة ونظرة تجاه العالم الغربي انعكاسا على طريقة تعاطي هذا العالم مع ثوراتهم تارة أخرى قائلا “سيادة الرئيس: منذ أربع سنوات يشهد العالم العربي ثورات، أشبه بتمرّد جماعي للجيل الشاب في المنطقة، على أحد أكثر أسباب تأخرها، وهي الأنظمة الاستبدادية. وقد نجح الثوار بإسقاط بعض تلك النظم، لكن تواضع إمكانياتهم منعهم من إتمام العملية، وحين لم يدعمهم العالم الحر، سقطوا في منتصف الطريق”.

ويضيف قائلا: “وقعنا مجددا في الإخفاق والمهانة، لترتد موجة التحرر، إلى الذات تمزيقا وتدميرا، ونقمة وكراهية مضاعفة للعالم، الذي رأت أنه خدعها وتآمر عليها لإجهاض حلمها، خاصة حين دعم، أو صمت عن واحد من أعتى تلك الأنظمة وأكثرها إجراما عبر التاريخ، وهو النظام السوري، الذي لم يتوان عن خنق الأطفال بالأسلحة الكيميائية، وكان لموقفكم أنتم بالذات”.

بلادنا أرض الأنبياء، ومازالت أطيافهم تهيم في سمائها، وكانت منطلقا لمشاريع وأفكار

وكان عدد من المثقفين والكتاب السوريين والعرب قد ناشدوا الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، للتدخل من أجل وضع حدّ للصيغة العنيفة التي اصطبغت بها الثورة السورية، منذ أن بدأ النظام في استهداف المظاهرات والاحتجاجات السلمية بالصواريخ والأسلحة الثقيلة، لكن لم تجد نداءاتهم آذانا صاغية.


تقاعس غربي


انتقد العايد في رسالته هذا التقاعس الغربي لأكثر من ثلاثة أعوام، والهبة المصاحبة لتوسع تنظيم داعش في العراق وتصاعد حدّة هذه الهبة بعد ذبح الصحفيين الأميركيين جيمس فولي وستيفين سوتلوف، وقال: “وها أنتم اليوم تقرعون طبول حرب جديدة على الإرهاب في منطقتنا، بأهداف أمنية وعسكرية، أعتقد جازما، من معرفتي بجذور وامتدادات أزمتنا، أنها لن تحقق هدفها، بل أنها ستسكب الزيت على النار، وتعبد الطريق لموجة أعلى من التطرف”.

ويضيف: “سيادة الرئيس: الحرب سلاح ناري، لا يمكنك التنبؤ بمن سيرديه حين تطلقه، ولا تتوقعوا أن هجوما فائق التقنية سيقضي على الأشرار وحدهم، إن خطأ بسيطا سيودى بأرواح كثيرة بريئة، وسيخرج من بين الضحايا من يقول: ولماذا عليّ أن أتسامح مع من لم يتسامح معي، ودمّر حياتي بقسوة، فقط لقرابتي أو قربي لشخص من جنسي، ربما دفعتموه عنوة ليصبح ذباحا؟!”

ويحذر الكاتب في رسالته من النتائج التي يستشرفها مستقبلا لاستراتيجية الحرب التي أعلن عنها أوباما من أجل تقويض أنشطة داعش: “ستعزز الحرب النخبوية بطبيعتها فرصة الأفراد الأكثر عنفا، ليعيدوا إنتاج أنماط الاستبداد السابقة، وتقصي الشعوب عن الفعل والقرار مرة أخرى، وتزجّ بها مجددا في سجون الديكتاتوريات، التي لن تختلف عن سابقتها سوى بوجوه الجلادين، لنواجه من جديد الإشكالية القديمة: أنظمة مرتبطة بالدعم الغربي، تتزايد فيها حدّة التطرف طردا، مع استبدادها وفسادها.

14