كاتب شاب جعلته مأساة قديمة نجم الموسم الأدبي في فرنسا

الثلاثاء 2015/01/06
"كونستيلاسيون" رواية تسبُر المصائر المنسية على جبل رودوندو

“مجموعة نجوم” هي ترجمة للكلمة الفرنسية كونستيلاسيون (Constellation) التي اختارها الصحفي الشاب (28 سنة) أدريان بوسك كعنوان لروايته الأولى عن قصد، لازدواج دلالتها لدى القارئ الفرنكوفوني، فالكلمة هي أيضا اسم طائرة الخطوط الفرنسية، التي على متنها لقي الملاكم مارسيل سيردان حتفه (Marcel Cerdan) وعازفة الكمان جينيت نوفو (Ginette Neveu)، حين كانت تحلق فوق جزر الآسور، في 28 أكتوبر 1949.

ستة وأربعون راكبا آخر كانوا على متن نفس الطائرة: رسام شعبي، مُصَنِّع كوبي، محام إسرائيلي، مستورد تركي، مُصدر أميركي، ولكن أيضا رعاة من منطقة الباسك الأسبانية، أمضوا عقود شغل كعمال مَزارع (ranchmen) بأميركا، وعاملة بمصنع حياكة من مدينة مولوز الفرنسية تمت دعوتها إلى ديترويت بالولايات المتحدة من قبل عرابة (شبينة) ثرية عينتها كوريثة لها.

موثقة بدقة وتورع ومبنية بمهارة وبراعة، تعرض الرواية بالتناوب الفصول المخصصة لسرد حيثيات الرحلة، والفصول التي تسترجع السير الذاتية لكل فرد.

من مواليد 1986 بمدينة أفينيون الفرنسية، مؤسس منشورات “سوسول” (بمعنى تحت أرض) التي أصدر من خلالها مجلتي “فويتون” و”ديسبور”، كان أدريان بوسك قد حصل من قبل على جائزة “لافوكاسيون” (بمعنى الميول) في سبتمبر الماضي، كما كان على قائمة المرشحين لنيل جائزة غونكور، وكذلك قائمة المرشحين لجوائز “رونودو”، “أنتيراليي” و”ديسمبر”.


ضربة الألف


عن هذا الإبداع الأدبي الذي يصدر بمنشورات “سطوك” (Stock)، علق بدعابة الكاتب الشهير جون كريستوف روفان قائلا: «إنها جائزة كبرى لكتاب كبير، سوف يحشد عددا كبيرا من القراء. تتكلم الرواية عن طائرة، لكنّها هنا سوف تصير صاروخا». في نفس السياق كتبت صحيفة لوفيغارو: «إنه بدون منازع أحد اكتشافات الموسم الأدبي، لأنه تجدر الإشارة إلى أنه من النادر جدا أن تحظى أول رواية لكاتب ما بالتتويج من لدن الأكاديمية الفرنسية. لقد شكلت “كونستيلاسيون” للكاتب أدريان بوسك ضربة الألف».

كل فرد كان بالإمكان أن يكون موضوع رواية بحدّ ذاتها؛ تتناوب الفصول المخصصة لضحية أو أخرى مع صفحات حول الظروف الحرجة للرحلة

لقد كان في 4 سبتمبر الماضي، ضمن تصنيف العشرة كتاب ذوي الرواية الأولى الذين تختارهم صحيفة لوفيغارو الأدبية كل سنة، حيث كتب برونو كورتي في تعليقه عن تلك الرواية التي تعيد تفاصيل حادث مأساوي لطائرة “كونستيلاسيون” التي كانت تنقل على متنها مارسيل سيردان الذي كان متوجها إلى ماناتان لمقابلة عشيقته معبودة الجماهير إيديث بياف: «كأني به لم يرد الإساءة لذكرى الراحلين، يقود بوسك تحقيقه بكل رقة ومهارة.

إنه يعيد اقتفاء عهد كانت فرنسا إبانه مغايرة تماما، لا تزال محطمة من جراء الحرب لكنها تحمل كل الآمال في المستقبل. رقعة شطرنج كبيرة لجاك شانسيل، أغاني من إمضاء غينسبورغ أو باشونغ، قصائد شعرية لسوندرار: بوسك يجد علامات ومراسلات تربط وتعيد إضاءة تلك الثماني والأربعين نجمة التي انطفأت في نفس ذلك اليوم من أكتوبر 1949». وتحت عنوان “تحطم طائرة كونستيلاسيون للخطوط الجوية الفرنسية يجلب الحظ لأدريان بوسك”، كتبت صحيفة ليبيراسيون أنه بين عمل وثائقي، طريقة اشتغال محافظ الأرشيف، وتحليقات شخصية أو أسطر شاردة، إنه كتاب بذكاء جدّ حداثي، رغم (أو بفضل) موضوعه التاريخي، يتمّ تتويجه اليوم.

«إنه أجمل أيام حياتي» صرح أدريان بوسك لوكالة الأنباء الفرنسية، وهو يبدو متأثرا جدّا، قبل أن يضيف: «كونستيلاسيون كتاب بالغ الأهمية بالنسبة إليّ، إنه يسبر القدر، هي المصادفات التي جعلت المأساة تخص تلك الطائرة دون غيرها. لقد كتبت تلك الرواية تحت جناح “بليز سوندرار”»، تكريما لذكرى الكاتب الفرنسي ذي الأصول السويسرية (1887-1961) والذي كان مصدر إلهام بالنسبة إليه.

أما وزيرة الثقافة السيدة فلور بيلران فقد أشارت إلى أنه بهذا الشكل، فإن الأكاديمية الفرنسية «تكرم موهبة أديب شاب يجسد حيوية ونشاط الإبداعات الشابة بفرنسا». لقد نفدت الـ50 ألف نسخة الأولى من رواية كونستيلاسيون، وتمّت إعادة طبع 35 ألف نسخة أخرى، حسبما صرّحت به المديرة التجارية لمنشورات “سطوك” السيدة “شارلوت بروسيي” حيث قالت: «نراهن على 80 ألف إلى 100 ألف من المبيعات بعد هذا التتويج الأول للموسم».

لدى حصوله على الجائزة صرح الأديب الشاب أنه يهديها لضحايا الحادث الذي وقع منذ 65 سنة يوما بيوم، وكذلك لعائلته خاصة ابنه الأصغر ذا الست سنوات. أما عن رواية كونستيلاسيون فقد علق قائلا: «إن هذه الرواية تُسائل المصادفات، تَزامن التواريخ والأرقام، هذا هَوسي. لقد ربطت تلك المصائر كما تتجمع النجوم في مجموعات».

رواية استهوت الجميع


صنعة السرد

استهوت الجميع هذه الرواية التي تشدّ الاهتمام، وهي تستكشف أدق المسببات التي عجلت بسقوط طائرة الخطوط الفرنسية فوق جبل رودوندو، بجزر الآسور، في الليلة الفاصلة بين 27 و28 أكتوبر 1949. لا حديث للصحافة آنذاك إلا عن النجمين العالميين. الملاكم الأسطوري مارسيل سيردان المغربي، الملقب في الأوساط الفرنسية بـ”المدفعي المغربي”، والذي نادته عشيقته الشهيرة على عجل قبل مقابلة “ردّ الاعتبار” التي كانت ستضعه من جديد في مواجهة جاك لاموطا.

هذه القصة كانت معروفة لدى العامة بفضل الأفلام والكتب التي صدرت عن قصة الحب المبهرة والمشؤومة للملاكم وحبيبته الملقبة بـ”الصبية”. واسعو الاطلاع يعرفون أيضا القدر المحزن لعازفة الكمان الموهوبة التي هلكت بمعية أخيها في الحادث. لكن كمفتش سري، يمزج بين الوقائع وإرهاصات شاعرية، الحياد والتعاطف، ينبش أدريان بوسك مصائر أخرى دفنت وبقيت طي النسيان، ليكشف لكل فرد على حدة، مجمل المصادفات أو الأقدار التي جعلته يُقدم على تلك الرحلة. هناك أيضا عروسان أميركيان شابان نجَوَا من الحادث، لأنهما تخليا عن مقــعديهما للملاكم سيردان نظير مكافأة مالية.

كل فرد كان بالإمكان أن يكون موضوع رواية بحدّ ذاتها؛ تتناوب الفصول المخصصة لضحية أو أخرى مع صفحات حول الظروف الحرجة للرحلة، التحقيق حول الحادث، والبحث عن آلة الكمان من النوع النادر “ستراديفاريوس”، والتي كانت بحوزة جينيت نوفو. يستمر التشويق بفضل حذق صنعة السرد، على الرغم من كون القارئ، كما كان الشأن لقصة “تايتانيك”، يعرف النهاية.

أسباب ذلك الحادث، شأنها شأن حوادث مماثلة، كاختفاء الطائرة الماليزية مؤخرا في عرض المحيط، إذ لا تزال غامضة إلى يومنا هذا، ترجع بكل تأكيد إلى حتمية القدر، لكن وبغرابة، إلى هفوة لا تُصدق، خطأ في التواصل، تداخل بين برجي مراقبة جعل الطيار يسيء تقدير أحوال الطقس فوق منطقة الآسور المعروفة باضطراباتها الجوية المترددة.

بالنسبة لصحيفة “20 دقيقة” التي عنونت مقالها “ضربة معلم لنجم صاعد”، فقد أشارت إلى أن الجائزة عرفت منافسة شديدة بين الفائز والوصيف ماتياس مينيغوز صاحب رواية “كارباثيا”، حسب تصريح إحدى أعضاء اللجنة دومينيك بونا التي أفصحت: «إن النزال كان محتدّا جدّا». فالجائزة التي تبلغ قيمتها 7500 أورو نالتها رواية كونستيلاسيون بعد الدور الثالث بعشر أصوات مقابل سبعة.

15