كاتب عاش أقدار المهمشين وصنع من الكرنك أسطورته

الجمعة 2014/04/18
أغلب أعمال يحيى الطاهر عبدالله تحولت إلى السينما المصرية

يعد يحيى الطاهر عبدالله، الذي ولد يوم 30 أبريل 1938 وتوفي يوم 9 أبريل 1981، ابن قرية الكرنك في جنوب مصر، واحدا من علامات القصّة القصيرة في الوطن العربي، وصوتا سرديا لافتا، استطاع على مدار عمره القصير، أن يحفر لنفسه اسما مميَّزا بين كتّاب القصّة، فلُقب بـ”شاعر القصة القصيرة”، وهذا التفرّد مرجعه إلى عاملين؛ أولهما، انحيازه التام للكتابة وثانيهما من خلال إنجازه الإبداعي الذي أَخْلَصَ فيه لقريته “الكرنك” التي جعلها منبعا لإلهامه.

راح يحيى الطاهر عبدالله يردّد صدى “الكرنك” “دوما ومرارا وتكرارا بالترميز والتصريح، والاستدعاء لكل عالمها ومفرداتها، لكأنَّه يَصْنَعُ منها أسطورتها الخاصة” كما يقول ياسين النصير. فهو مع هجرته إلى المدينة مُبكِّرا إلا أنه يرى عالم القرية كابن له ويحسّ تناقضاته ويعيها ويركز عليها في قصصه، على حدّ تعبير الدكتور سيد البحراوي.


الموروث الشفوي

مَارَسَ يحيى الطاهر عبدالله عبر كتاباته القصصيَّة والروائيَّة أشكالا مِن التّجريب، رسّخت لمكانته بين كُتَّاب جيله، وإن كان مَالَ مع عبدالحكيم قاسم إلى الاستفادة من أشكال التعبير اللّصيقة بالواقع الاجتماعي، وتحويلها إلى تقنيات جديدة، كما احتفظ لنفسه كنوع من الفَرادة بالاتكاء على الموروث الشّفاهي، وتمثُّل حكاياته وقصصه، ومواويله وأغانيه ومراثيه، وأيضا أسلوبه، وإن كان بإعادة صياغة حكايات شفاهية ينتصرُ فيها لنسق القيم مظهرا فداحة الواقع، وفي ذات الوقت محتفظا بالطابع الحكائي للقصّة، وتارة أخرى بمضاهاة أساليب كتابية مُستقاة من التراث كما هو الحال في “حكايات للأمير حتى ينام”، ومع غلبة المضامين الكلاسيكة داخل قصصه إلا أنه كان يُقَدِّمها في إطار تجريبي وحداثي، بما يقوم به من إحداث تغييرات في إطار السَّرد، وبالحضور الطاغي للمروي له داخل قصصه، بكافة أشكاله.

الطاهر عبدالله له أسلوبه فريد في كتابة رواياته

وبممارسته التجريب بعراكه مع لغته، وسعيه إلى خلق تقاليد قصصية جديدة، أو تطويعها لتكون وعاء حاويا لأوجاع شخصياته. ومن ثمّ فقد أضحى يحيى الطاهر عبدالله نموذجا فريدا في كتابة القصّة، بأسلوبه المميّز ونماذجه الفريدة التي جاءت كتمثيلٍ تام لعالم الميثولوجيا القديمة التي نشأ فيه، فهو بحق نموذج وفيّ للعالم الذي نَشَأ وشبَّ فيه، حتى أنه لم يقدِّم قصصه بالنموذج المألوف الكتابي، فهو يحفظ ما يكتبه في رأسه، ويلقيه على مسامع متلقيه.


سيطرة الخرافة

يقدِّمُ يحيى الطاهر عبدالله نصوصًا تتمثَّل للواقع القاسي تمثُّلاً واضحًا، كما يحرص في مجمل أعماله -خاصة القصصية- كل الحرص ألاّ يفصلَ شكل عمله عن واقع هؤلاء الذين يكتب عنهم، سواء عاشوا في الصعيد، أو رحلوا عنه (كما في قصص المدينة). فهو أولا يكتبُ عن فئة من الناس، أبسط ما يمكن أن توصف به، أنها تعيش على هامش الحياة، بالمعني الدقيق الذي يحويه لفظ الهامش، كما أن التعبير عن وطأة الواقع الرازخ على كواهل أفرادها، بما فيه من قَهْرٍ وشهوات مصادرة، وخرافة فاعلة في حيوات هؤلاء ومصائرهم، كما تبدّى في النهاية المأساوية التي انتهت إليها شخصياته والنموذج الواضح أبطال روايته الطوق والأسورة.

وفي كلِّ هذا هو حَريصٌ على البحث عن شكل يلائمه، ويحتويه ويجسده، فكانت الطوق والأسورة بمثابة تجسيد لمأساة هؤلاء الهامشيين المقموعين أولا من واقعهم المُفْرِط في القسوة، ثمَّ من الآخرين الذين أسهموا بشكل فاعل في الإمعان في قهرهم. وثانيًا من تأثير الخرافة وتصلب بنية الوعي اللتين قادتهم لاستكمال المأساة. وهو المسار الذي بدأه مع «ثلاث شجيرات تثمر برتقالا» و«الدف والصندوق» وإن كان استثمره بشكل جيد في الطوق والأسورة.

لم يفصل يحيى الطاهر شكل نصوصه عن مآسي هؤلاء الأشخاص، بل شكَّل نصوصًا متوائمة مع أيديولوجيا هذه الجماعة، وأثرها في تشكيل وعيها، لذا نراه يقترب اقترابًا وثيق الصِّلة من تراث -هذه الجماعة- الحافل بالمراثي والبكائيات / العدّيد، والمواويل، وهو ما ظهر في نص الطوق والأسورة الذي يكاد يكون استلهامًا كاملاً لموال “شفيقة ومتولي” في التراث الشَّعبي الشِّفَاهي، الذي يُتغنّى به انتصارًا لقيم أيديولوجيا الشَّرف، والعزة والكرامة ونخوة الرجال، مع توزيع شفيقة على فهيمة ونبوية، ومتولي على مصطفى والسّعدي، ولكن بصياغة جديدة تتحكَّم فيها سطوة الخرافة والقهر.

تبدأ المأساة التي يجسدها داخل عوالم الرواية في صرامة الحياة التي يعيشها المهمشون


الفرد المهمش

شخصيات عوالمه الروائية والقصصية في أغلبها جماعات مهمّشة، تعيش على هامش الحياة يصطرعون الحياة والقدر، كما يكتسون ملامح هذا الواقع الجهم الذي انعكس على وجوههم، فأَبْدَلَها سِحنًا صارمة حادَّة متجهمة. كما أن وعي الفرد داخل هذه البيئة / المُنتج في سياقها النص، مُحَاطٌ بوعي الجماعة التي ينتمي إليها، وهذه الجماعة تعتنق أفكارًا وأيديولوجيات مغايرة -لحدّ ما- لثقافة الفرد في أي بيئة أخرى، حيث تسيطر -هنا- روح الخرافة. وسيطرة الخرافة نابعة من حاجة المجتمع المقهور والمغلق والمتخلف “إلى وسائط تتوّسط بينه وبين القوى الغيبية القادرة على مجاوزة الواقع الأرضي، ومنطقة الصَّارِم”. والسعي خلف هذا المنطق العقيم وطَرْق أبوابه من قبيل التحايل على العجز والحاجة.

ومن ثمَّ تتبدّى المأساة التي يُجَسِّدُها داخل عوالم الرواية في صرامة الحياة التي يعيشونها، في ظل واقع تهيمن عليه مواضعات وأعراف أخلاقيّة، متجذرة في وعي الجماعة التي ينتمون إليها، والغريب أن هذه الأعراف تبدو بالغة القسوة، وقسوتها لا تتجسَّد فقط في الالتزام بها أو الاحتكام لقوانينها، بل إن القسوة تكون بالغة عند محاولة اختراق نسق هذه الأعراف، أو حتى محاولة التمرّد عليها.

مات يحيى الطاهر، وبقيت أعماله شاهدة على عبقرية كاتب قلّما تتكرّر، وكذلك بقيت مرثية أمل دنقل عند وفاته كأيقونة يقاوم بها موت صديقه «ليت “أسماء” تعرف أن أباها صعد/ لم يمت/ هل يموت الذي كان يحيا/ وكأن البنات الجميلات يمشين فوق الزبد/ ينحني القلب يبحث عما فقد/ وهو يفتش عما يقيم الأود».

14