كاتب عربي يكمل طريق إمبرتو إيكو

الأربعاء 2013/09/04
كتابة روائية تستعيد صور الإنسان المتمرد على المعبد

رواية "كاهن الخطيئة"، سبق وأن صدرت باللغة الإنكليزية عن دار ترافورد بنيويورك عام 2011، وفيها يقدم الكاتب والإعلامي السوري محمد برهان مستويين من الزمن، يتمثل الأول في انتقال الروائي من بلده الأصلي (سورية) إلى مقر عمله وإقامته في دبي، قارئا خلال أربع ساعات من الطيران مخطوطة قدمتْها والدتُه له، والزمن الثاني وهو متن الرواية ويجري في معابد منطقة قديمة في الشرق ما بين مصر وبلاد كنعان.

تتضمن رواية "كاهن الخطيئة" خمس شهادات حول شخصية "البطل/ تور"، تبدأ بشهادة الحكيم هرمس الأولى، وهو خادم رع الأمين، وتنتهي بشهادته الثانية، وما بينهما شهادات كل من "باتريسا مغنية المعبد"، و"صانع القوارب المينيثي"، و"حلقيا آمور الكنيس"، منطوية على محاكمة للمعبد والكهنة والصراعات داخل المعابد، وبين الكهنة والملك.

ويعود بنا في النهاية، إلى الطائرة حيث انتهى من قراءة المخطوطة، واتصل بوالدته ليخبرها أنه قرأها وضيّعها.

الشخصية التي يقوم عليها بناء رواية "كاهن الخطيئة"، شخصية الإنسان المتمرد على المعبد، ممثلة في "تورو" المصري الأصل، الذي عاش قبل ما يزيد على 2500 سنة خادما في أحد المعابد، وبدأت مظاهر تمرده في الأسئلة والتأملات التي كان يطرحها على الحكيم هرمس، المعلّم القريب منه والرافض لتعاليم الكهنة، تمرد يهدف إلى الخروج على مواضعات المعابد وقواعد السلوك التي يقرّرها الكهنةُ، ليُحكِموا هيمنتهم على الرعية.

ومن هنا سؤال الحكيم حول طبيعة هذا الكائن "هل كان تور حقا خادم معبد وحسب، أم أنّه نبيٌّ عدَل الربُّ عن تبليغه الرسالة في آخر لحظة، بعد أن منحه كل صفات النبوة: العقل، والرؤيا، واللعنة؟" سؤال يجعلنا نعيد النظر في رسالة الكاتب، وجوهر القضية التي شاء معالجتها، عبر هذه الشخصية خصوصا، وعبر السياقات الفكرية التي اشتغل عليها. إذ تحمل الرواية في نهاياتها توصيفا للخداع الذي يمارسه اليهود تجاه هذا الشخص المتمرد، فبعد أن احتضنوه وحوّلوه إلى ديانتهم أثناء هروبه، وقاموا بخَتْنه، أسلموه إلى كهنة بلاده لينفذوا فيه حكمهم. وكأننا أمام شخصية "المسيح" في جانب من جوانبها.

خلاصة ما توصل إليه تور في نهاية الرواية، كرؤية عميقة للعلاقة بين الدين والحكم- السياسة، ما يخاطب به معلمه الحكيم من أن سلوك الكهنة "هو طريق خطّه لنا الأغيار ولا يؤدي إلا إلى الزيف، من شذّ عنه تخلصوا منه ومن سار فيه سخّروه لوهمه وما ينفعهم.. لسنا غير أحجار صمّاء يبنون بنا هرم خلودهم في المتعة، سلطتهم وما يملكون هي الغاية ونحن الخدم البسطاء مسخّرون كي نكون أدواتهم.. اليوم أنا تور الذي أردت أن أكونه، متفهما لوجودي، عارفا سرَّ نمو الأشياء نحو منتهاها. واعلم يا معلم أنه منذ الآن وإلى الأبد سيولد في كل عصر، في كمت، في أرض الإغريق، وهناك عند اليهود بل في كل بقاع الأرض "تور" آخر يحمل هذه المرة لعنة كشفه معه لأني سأورثه إياها في قلبه..".

الرواية الصادرة مؤخرا عن دار فضاءات للنشر والتوزيع/ عمّان، وتقع في 212 صفحة من القطع المتوسط ، تقدم مقاربة سردية تاريخية تشبه ما ذهب إليه أمبرتو إيكو في صنيعه الروائي الشهير "اسم الوردة"، إذ يأخذنا الروائي السوري في رحلة نطوف خلالها بين مصر وبلاد كنعان، وذلك عبر مخطوطة كان يحتفظ بها جده والد أمه، وهي عبارة عن كتاب نقرأ على غلافه ما يفيد أنه يعود إلى فترة 400- 500 عام قبل المسيح، وتاريخ الترجمة عام 1774، من قبل الأب أنطون أبو مرقص.

وبصرف النظر عن "حقيقية" المخطوطة أو اختلاقها، تبدأ الرواية من "باحة المنزل العربي العتيق، بجانب البحرة المستديرة وعلى صوت نافورتها الرقراقة" حيث كانت الأم تجلس مع ابنها من الصباح وحتى الظهيرة تروي له آخر الأخبار عن الأقارب والأصدقاء..، ثم تسلمه المخطوطة العائدة إلى الجد الذي كان يعمل في سكة حديد حيفا.

تجري تفاصيل القصة في قرية ساخيبو، في شهر هاتور، حيث "تور" يشتم الإله "تحوت سيّد الكتابة العظيم والرب الذي علمنا الحكمة"، فيما هو يجمع "سيقان البابيروس لصنع أوراق البردي التي يسجل الكهنة فيها حسابات المحاصيل والمخازن، ويخط عليها كهنة المعبد تعاليمهم"، ثم تنتقل القصة إلى باتريسا ولعنة ساخيبو، وعلاقتها مع تور، وتدنيسهما معبد الإله رع، وهروب تور إلى بلاد كنعان، وعيشه مع اليهود، قبل أن يسلمه هؤلاء إلى كهنة بلاده ضمن صفقة تجارية دنيئة.

حتى أن الملك يحضر محاكمة تور، لا لأهمية القضية في ذاتها، بل لأسباب تتعلق بواقع مملكته إذ "أراد الملك لجريمة الخادم البسيط أن تشغل كمت كلها، وأن تمنحه سبباً للزيارة المرسومة. كان برعو الملك متذمرا من النمو المطّرد لسلطة الكهنة في معبد آمون، خصوصا بعدما كسب رئيس أنبيائهم لقب وزير العبادات ليتولى سلطان الإدارة المركزية على كل المعابد ويتحكم في مقدّراتها".

أما صورة اليهود وزعمهم الاضطهاد والخوف من العالم، فقد صوّرها الكاتب في فقرات شديدة التعبير، ومنها "مُحدِق الخطرُ الذي يحيق بيهودا مملكة الرب المدللة، الخطر من الشمال يأتينا ومن الجنوب يأتينا الخطر.. جيوش الفرس وجيوش السامرة كلها تنتظر على تخوم المملكة، تتنظر الجيوش اللحظة المناسبة لتنقضّ علينا، وحثالة الكنعانيين القوم الجبابرة لا تكف عن الإغارة على بيوتنا ومخازن طعامنا".

الجنس يحضر من خلال شخصية باتريسا الباهرة الجمال، وعلاقتها مع تور، وممارسة الحب في بيت الإله. لكن الصورة الأبشع للجنس تبدو في سلوكيات بعض الكهنة، وخصوصا في الشذوذ الذي تمارسه زوجة الكاهن مع باتريسا وشقيقتها الصغرى، وما تعرضت له الشقيقة من عمل همجي تمثل في فتح رأسها "لاستخراج الشياطين"، لأنها تمنعت على الكاهن.

وفضلا عن العوالم الجديدة الغريبة التي يأخذنا الروائيّ إليها، من تفاصيل الحياة التاريخية على غير صعيد، ومن قدرة على بناء الشخصيات (تور وباتريسا وغيرهما)، على نحو شبه أسطوري، فالمؤلف يستقدم لغة الكتاب المقدس بنسختيه القديم والجديد، ويستحضر روح ذلك العصر ولغته التي جرى تجديدها لتلائم قارئ الزمن الراهن، لكنها لغة مضبوطة الإيقاع والدلالات، وإن كان ثمة مبالغة، في نهايات الرواية، في الاستعارات والتقديم والتأخير، أكثر مما تتطلبه الصنعة الروائية، إذ تجنح اللغة وتجمح في اتجاه اللغة الشعرية وتراكيبها الوصفية أكثر منها تصويرية.

14