كاتب فرنسي: اهتمام العامة بالسياسة.. خطر

الخميس 2013/09/05
قبل الاطاحة بالأنظمة السابقة لم يكن يجرؤ أحد عن الحديث في السياسة

القاهرة – انتقلت الشعوب العربية، إثر أحداث ما يعرف بـ «الربيع العربي»، من حالة الصمت التام فيما يتعلّق بالحديث عن السياسة إلى حالة الثرثرة والحديث غير المنقطع في أمور السياسة.

قبل 14 يناير 2011، لم يكن أحد يجرؤ في تونس حتى على مجرّد التفكير بسوء في نظام بن علي. وبعد سقوط هذا النظام لا حديث للناس اليوم إلا عن الأحزاب والحكومة والدستور وغيرها من الملفات السياسية.

الحال نفسه في مصر وسوريا وليبيا، حيث حلّت السياسة محلّ الحديث عن الكرة والمسلسلات وأصبح الكلّ يدلو بدلوه في ظاهرة اعتبرها الكاتب الفرنسي جورج ديهاميل «من أشد الأمارات خطورة».

يكاد كتاب غير مشهور من تأليف جورج ديهاميل يفسر ظاهرة الانشغال الزائد بالسياسة في مصر والعالم العربي منذ انطلاق قطار الربيع العربي في بداية عام 2011 وهي ظاهرة يعتبرها الكتاب الذي نشر قبل 77 عاما «من أشد الأمارات خطورة».

يرى ديهاميل (1884-1966) في كتابه «دفاع عن الأدب»، الذي ألفه عام 1936 أن صيحة «السياسة أولا… ملأتنا ذعرا» معتبرا انشغال عامة المواطنين بأمور السياسة من اللذات المجانية لأنها «لا تكلف شيئا». في الكتاب لا يتصور ديهاميل وجود مكان مريح في العالم لو كان خاليا من الكتب ويقول «احذروا الراديو إذا أردتم أن تثقفوا أنفسكم» وكان ذلك قبل ظهور الوسائل الأكثر رفاهية ومنها التلفزيون.

ويحذر من «شهوة السياسة» في كتب يفسر رواجها بأنها «لذة الفقير… عندما نرى الحمى السياسية قد وصلت إلى أناس كان من الواجب أن يظلوا بعيدين عنها بحكم أذواقهم… يدل ذلك على اختلال عميق خطر في حياتنا الاجتماعية».

ويتزامن صدور الكتاب مع ظاهرة انقسام في الرأي العام بمصر وغيرها من الدول العربية في ظل تعثر مسيرة الثورات العربية التي نجحت في إسقاط أنظمة استبدادية وأخفقت إلى الآن في وضع أسس أنظمة ديمقراطية كان المتظاهرون يحلمون بها منذ بداية الربيع العربي قبل عامين ونصف العام.

وفي ما يشبه الرد على وضع القضايا السياسية في أغلب الحوارات حاليا يقترح ديهاميل أن يصبح العمل السياسي «حرفة… توضع في يد المحترفين… في هيئة محكمة البناء سديدة الإدارة. لا يجوز أن يخصص الرجل العادي من وقته للسياسة أكثر مما يخصص للبس ملابسه في الصباح».

ويضيف أن «الشعب الذي يضطر راضيا أو كارها إلى أن يخصص خير وقته وخير ما في نفسه لمسائل السياسة ليلوح لي في حالة انحلال» ويرى في انخراط عموم الناس في أمور السياسة داء مخيفا.

وكتاب «دفاع عن الأدب» يناقش قضايا متعددة أولها قلق ديهاميل على مستقبل الكلمة المكتوبة ورهانه على أن للأدب وللكلمة المطبوعة تأثيرا أعمق في النفوس حتى إنه ربط مصير الحضارة الإنسانية بمصير الكتاب المطبوع.

والمؤلف وهو روائي وناقد أدبي وطبيب عمل في مستشفيات ميدانية طوال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) يسجل أنه قابل أثناء الحرب طبيبا «في منتهى القسوة جافي القلب… وكان يلوح أن مناظر البؤس والآلام والجراح لم تعد تؤثر فيه وكان يحتفظ في أداء واجبه المخيف ببرود أرستقراطي تلونه السخرية في بعض الأحيان.

ولكن حدث يوما أن دخلت على هذا الرجل فدهشت، إذ وجدته وقد أغرقت الدموع وجهه وهو يقرأ كتابا عن الحرب.. كتابا يقص عليه نفس ما كان يرى كل يوم وكل دقيقة».

ويعلق ديهاميل قائلا «ولو أنني كنت أجهل قدرة الألفاظ لاستطعت أن أدركها في تلك الساعة».

7