كاتب فرنسي يحاول تسجيل التاريخ المستحيل للصمت

المؤرخ الفرنسي آلان كوربين ينصح القارئ بأن يطلق العنان لمشاعره، ويتحسس الأثر الذي تركه الصمت في نفس كلّ كاتب يقتبس منه.
السبت 2018/04/14
آلان كوربين: البحث في فراغات الكلام

عُرف المؤرخ الفرنسي آلان كوربين في بداية الثمانينات من القرن الماضي بأنه واحدٌ من مؤسسي تاريخ الحساسيات أو التاريخ العاطفي، وهو أسلوب لقراءة التاريخ يعتمد على رصد العواطف والمشاعر، بعيداً عن سلطة العقل والمنطق والنصوص الرسميّة، وتعتبر موسوعة “تاريخ العواطف” التي ألفها مع جورج فيغاريلو وجان جاك كورتان من أشهر المصنفات التي اعتمدت هذا المنهج.

الكتابة عن الصمت

صدرت هذا العام لكوربين عن دار فلاماريون الفرنسيّة الطبعة الثانية من كتابه “تاريخ الصمت”، الذي يحاول فيه أن يتتبع الصمت كموتيف ضمن أشكال الخطاب الثقافيّ، وذلك عبر تقصيّ أوصافه وخصائصه وأشكاله في مختلف الأعمال الفنيّة والأدبية والدينيّة منذ القرن السادس عشر حتى بدايات القرن العشرين.

يحاول كوربين في الكتاب تفادي عمليّة جمع الاقتباسات وترتيبها، وينصح القارئ بأن يطلق العنان لمشاعره، ويتحسس الأثر الذي تركه الصمت في نفس كلّ كاتب يقتبس منه، فالكتاب ليس بحثاً تاريخياً وصفياً، بل محاولة لتلمس جماليات الشعور والحساسية البشريّة التي يمتلكها كل فرد ويحاول التعبير عنها بكلماته، فكوربين يقارب الصمت بوصفه نسيجاً ممتداً لا ندرك إلا أثره، كونه ذا صيرورة ما زالت مستمرة حتى الآن، وتتغير في كل لحظة، وتكتسب شكلاً جديداً بمجرد الكتابة عنها.

 

تحاول الكثير من الكتب والنصوص تفسير الصمت ورصد أماكن حضوره وغيابه، لكن يبقى السؤال حقيقة، هل يمكن الكتابة عن الصمت، أليس فعل الكتابة في حد ذاته نقيضا لجوهر الصمت ونفيا له؟ فالكتابة تفترض معادلات صوتيّة عن الوجود، أما الصمت فأشبه بمساحات من الموت، تُبث فيها الحياة بمجرد لفظها، ما يغير جوهرها

يحضر الصمت في الكتاب على شكل موضوعات، إذ نقرأ مجموعة من الاقتباسات والأفكار التي تصف في كل مرة شكلاً محدداً له في العالم، يجمعها شرط الحضور البشري أو غيابه، ففي الفصل الأول نقرأ عن الصمت في الأماكن، كأنه هيولى تتكاثف بين الجدران والأثاث، أو كضجيج لا يُسمع سواه كما وصفه الشاعر الفرنسي بول فاليري، كما نقرأ عن كافكا وحلمه بغرفة في فندق لا شيء فيها إلا الصمت، إذ نتحسس نزعة لدى البشر نحو أماكن اصطناعيّة تحاول احتواء الصمت وتوليده أحياناً، وكأن هناك اتفاقاً ضمنياً لخلق مساحات من اللاضجيج يحضر فيها المرء لينصت فقط.

يبحث كوربين بعدها عن الصمت في الطبيعة، بوصفه أحد عناصرها الأساسيّة، والمقصود هنا الجغرافيات التي يغيب عنها البشريّ، وتتجلى فيها روح الإنسان بوصفها امتداداً للصمت الطبيعيّ، أما الجسد فهو ضجيج العالم وفوضاه، إذ يحدثنا عن هجرات نحو الصمت، تتجلى في رحلات الحجاج نحو الشرق وصحرائه، فالمسافر هناك يطفو في جغرافيات لامتناهية، نتلمس فيها الصمت بأشد أشكاله سطوةً، وكأن الحضارة الغربيّة تميل لخلق أصوات تثبت حضورها، ليأتي طريق الحج بوصفه ابتعاداً عن ضوضاء الأنظمة البشريّة نحو جوهر الكون الصامت، حيث لا تقسيمات للعمل ولا صراعات طبقيّة، بل حضور صرف للطبيعة، والعابر فيها هارب من النظم السياسية نحو مساحات أمان بعيدةٍ عن قلق العلاقات البشريّة.

الصمت المقدس

يتناول الكتاب الصمت في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وموقعه ضمن الخطاب الديني، فهو أحد معالم الفضاء المقدّس، وعامل جوهريّ في بناء العلاقة مع الرب، وكأن الأخير قال “كلمته” ودخل في صمت أبدي، وليس الوجود إلا تجلّ لأعراض هذا الصمت القديم، وهنا يستحضر الكاتب الممارسات الدينيّة التي تقوم على أساس اللاكلام، والتي تتجلى في شخص يوحنا المعمدان، الذي قرر الصمت بعد أن وصلته بشارة الملاك، وكأن الصمت خضوع كليّ لإرادة المقدس.

 الصمت ظاهرة معقدة غزت الفنون والآداب
 الصمت ظاهرة معقدة غزت الفنون والآداب

نقرأ أيضاً عن الجهود الممارسة من قبل البشر لتقنين الصمت ومنهجة أوقات حضوره، كأجراس المدارس والكنائس، أو كدقيقة الصمت التي تمارس في القوى العسكريّة في محاولة لـ”مخاطبة” أولئك الذين صمتوا للأبد، وكأن الصمت وسيلة لمحاكاة حالة أولئك الذين رحلوا.

هذه المقاربة تنسحب على القوانين والأعراف التي تجعل الصمت إجبارياً، وتحضر في الفضاء العام والخاص على حد سواء، كقوانين آداب الحديث واللياقة، التي تتطلب من المرء أحياناً أن يكبح الأصوات الناتجة عن التبدّلات والعمليات البيولوجية التي تدور داخل جسده، وكأن الفضاء البشريّ يفترض عمارةً صوتيةً دقيقة البناء، لا تُترك للصمت ضمنها حرية اكتساح الموجودات وابتلاعها في عوالمه.

نقرأ في الكتاب عن الصمت كموضوعة لغويّة والأساليب التي يمارسها الكتّاب لتدوينه وتفاديه في بعض الأحيان، كونه يحضر بين فراغات الكلام، إذ لا يمكن القضاء عليه كلياً، بل التحكم في تدفقه، إذ يتنقل الكاتب بين آراء ميرلوبونتي وأرتو وغيرهما من الذين حضر الصمت في نصوصهم سواء بصيغة مباشرة أو غير مباشرة، كما نقرأ عن الصمت أيضاً في خطاب الحبّ والكراهية، بوصفه انعكاساً للمشاعر التي لا يمكن للأصوات التقاطها.

  وما يجعل الكتاب مميزاً أنه لا يحلل الصمت كتقنية جماليّة، أو أسلوب في بناء عمل فنيّ، بل يستعيد النصوص التي تتناوله وتحولاته، فالكتاب لا ينطلق من تعريف ثابت للصمت، بل يتتبع حركته الحرة في النصوص والأعمال الأدبيّة والفنيّة وكأن وضع تعريف للصمت يعني القضاء عليه.

14