كاتب مصري يرسم ذاته ويتوقع مصيره بعد معركة مع المتطرفين

"الضيف" فيلم جريء أفلت من مقصلة الرقابة بمصر، ويوغل بعمق في قراءة صورة الكاتب لدى العقل الديني المتطرف.
الخميس 2019/01/10
عريس غريب الأطوار

يقول كافكا “نحن نكتب لننأى بأنفسنا عن مُعسكر القتلة”، لكن الوضع في بلداننا معكوس، لأن مَن يكتب يقترب أكثر وأكثر من القتلة، الكتابة في العالم العربي فعل خطر، رحلة عذاب، أشبه بالركض فوق شظايا الزجاج المنكسر.. الكتابة الحرة في مُجتمعاتنا تضع صاحبها في مرمى رصاص أعداء الحياة والإنسان، وترمي به في ساحات المحاكم، وتدفع جهلاء يعتلون المنابر إلى التقرّب إلى الله بلعنه والدعاء عليه.

القاهرة – بدأ مساء الأربعاء في القاهرة عرض الفيلم المصري “الضيف”، وذلك بعد شدّ وجذب مع الرقابة تخوفا من ردود أفعال إسلاميين أو مؤسسات دينية قد تُسيء تفسيره، لأنه يوغل بعمق في قراءة صورة الكاتب لدى العقل الديني المتطرف، سواء كان إرهابيا مباشرا أم إرهابيا مستترا، يكتفي باللعن والدعاء والتحريض.

الفيلم الذي حضرته “العرب” في عرضه الخاص، مساء الثلاثاء، وكتبه للسينما الروائي والإعلامي إبراهيم عيسى، وأخرجه هادي الباجوري، نموذج لعمل فني عميق الدلالة والتأثير بإمكانيات مادية بسيطة قد لا تتجاوز نصف ميزانية أي من الأفلام الكوميدية سطحية التناول، والتي صارت ثيمة شائعة في السينما المصرية مؤخرا.

إبراهيم عيسى قدّم للسينما سنة 2017 فيلم “مولانا”، من إخراج مجدي أحمد علي، وبطولة عمرو سعد ودرة، لرصد ظاهرة صعود دعاة الدين وسيطرة الأجهزة الأمنية عليهم وتوظيفهم سياسيا لصالح الأنظمة الحاكمة.

وبعيدا عن السينما، فالرجل يملك مشروعا فكريا على مدى 30 عاما في مواجهة الإرهاب الديني والتطرف، يقوم على الانتصار للعقل والتعامل مع رجال الدين باعتبارهم بشرا غير مقدسين، وضرورة فصل الدين عن السياسة.

تجسيد حقيقي

في “الضيف” لا يتجاوز عدد الممثلين جميعا العشرة، بعضهم لا يظهر إلاّ في مشهد واحد، بينما يدور الفيلم كله في مكان واحد هو بيت الكاتب يحيى التيجاني، الذي يُجسده خالد الصاوي.

في "الضيف" لا يتجاوز عدد الممثلين جميعا العشرة، بينما يدور الفيلم كله في مكان واحد هو بيت الكاتب يحيى التيجاني
في "الضيف" لا يتجاوز عدد الممثلين جميعا العشرة، بينما يدور الفيلم كله في مكان واحد هو بيت الكاتب يحيى التيجاني

ويبدو التيجاني في الفيلم قريب الشبه في الحياة العملية من إبراهيم عيسى نفسه، وهو يشبهه في مشاوير الحياة، فهو كاتب علماني مُستنير يفضح التطرف ويهاجم تُجار الدين ويعتبرهم أصل البلاء، هو ضيف دائم على ساحات القضاء بتهمة ازدراء الأديان، ومُخصّص له حراسة شرطية نظرا إلى كونه مُستهدف من الجماعات الإرهابية، ويحاول الفنان خالد الصاوي تأكيد ذلك الشبه بتقديم أداء جسدي مقارب لأداء إبراهيم عيسى نفسه، وطريقة حديث مُشابهة.

وتؤكد كلمات التيجاني نفسه المعنى عندما يتحدث باعتباره كاتبا يراه البعض عميلا للدولة ضد أهل الدين، بينما يراه آخرون معول هدم للدولة لصالح جهات بعيدة، بالإضافة إلى ترديده للكثير من أفكار عيسى، مثل رأيه في أحاديث البخاري بأنها تضم الكثير من الأحاديث الكاذبة، واحتفائه بالحضارة الغربية ونوابغها، وتكراره بأن الصحابة غير مقدسين، والعقل الحكم الأول في فهم نصوص الدين.

يعيش يحيى التيجاني في أسرة بسيطة سعيدة تضم زوجته الخمسينية ميمي، والتي تقدم دورها الممثلة شيرين رضا، وابنته فريدة التي تؤدي دورها الفنانة جميلة عوض، ويوحي ديكور البيت بحُبّ الثقافة والفكر وغلبة روح التسامح في التصاوير والديكور ومدى اهتمام الأسرة بالفن والجمال.

تكشف محاورات الأسرة، سواء الكاتب وزوجته، أو الكاتب وابنته، عن مناخ حرية ولطف واحترام مُتبادل بين أفراد الأسرة، وحتى مع الخادمة أو الحارس، تبدو الألفة طاغية.

نقطة التحول تبدأ عندما تبلغ ميمي زوجها يحيى التيجاني بأن أحد زملاء ابنتهما في الجامعة الأميركية سيزورهم في المساء على العشاء، ويفهم يحيى من زوجته إعجاب الابنة، التي تمت تربيتها على الحرية الكاملة في القرار والاختيار، بالزائر، الذي يعمل معيدا في الجامعة، مُتخصصا في مادة التكنولوجيا الحديثة.

ورغم ولع يحيى التيجاني بمباريات كرة القدم، وترقبه لمباراة برشلونة وريال مدريد التي تقام في نفس ليلة الزيارة، إلاّ أنه يقبل تحت إلحاح ابنته فريدة، بالتفريط في المشاهدة لاستقبال الزائر، ويعتبره عريس المستقبل.

تأتي اللحظة المُنتظرة ويصل أسامة، الشاب الوسيم، الأنيق، صاحب الابتسامة الهادئة، ويقوم بدوره الفنان الشاب أحمد مالك، أول مفاجأة تتجلى في هدية الزائر للأسرة، والتي يفض يحيى غلافها ليجد لوحة كبيرة عليها الآية القرآنية “قُم فأنذر”.

على العشاء تبدأ المُناقشات حول الكثير من الأفكار التي يبثها في الكتب والصحف والبرامج، ليُفاجأ رب البيت بقول العريس المنتظر بأنه يُحب فريدة في الله.

يستغرب الكاتب العبارة ويسأله عن المعنى، ليجد الشاب الأنيق، الذي تعلم في أميركا، وينتمي إلى عائلة برجوازية مثقفة، إنه تعلم أن يحب في الله ويكره في الله.

ويمتد الحوار ليكتشف الكاتب المستنير أن الزائر سلفي التوجهات، عندما يخبره بأن علماء المسلمين علموا العالم كله معارف الدنيا، فيُحاول استفزازه بالحديث عن ابن تيمية وتكفيره لجابر بن حيان وتحريمه لعلم الكيمياء، كما يعرج على ما قاله ابن قيم الجوزية عن ابن سينا بأنه إمام الملحدين.

بعد العشاء يتحدث الزائر مع فريدة، حديثا جانبيا يعكس إعجابها الشديد به، وسيطرته الكاملة على رأسها، عندما يقول لها إنه سيخبر أهلها باتفاقهما على تحجبها.تبدأ الصدمات تنفجر في وجه الأبوين، فور سماعهما قول العريس العصري بأنه اتفق مع فريدة أن ترتدي الحجاب، ليتكرر الحوار بين الكاتب الذي قضى عمره في تفكيك مقولة المتطرفين بأن “الحجاب فريضة إسلامية” وبين الفتى هادئ الملامح، مُدعي التبسم، الذي يُصر أنه ركن من أركان الدين.

يبدو الزائر سعيدا، وهو يؤكد للكاتب أن تسليمه بالحرية لابنته يعني أن من حقها أن ترتدي الحجاب والنقاب لو أرادت.

عائلة كانت سعيدة
عائلة كانت سعيدة

صدمة الكاتب تدفعه أن يترك الزائر ويذهب لمشاهدة المباراة، غير أنه لا يلبث أن يلحق به في غرفة المكتب ليناقشه بشكل أوسع في أمور الدين، ويسأله إن كان يشعر بتأنيب الضمير أم لا، لأنه حرض على الداعية حامد عبدالصمد الذي مات تحت تعذيب أجهزة الأمن له.

ورد يحيى بأنه واجهه بالكلمة، ورد على سبه للأقباط وتحريضه عليهم بالفكر، وأنه غير راض بتعذيب أي شخص لأي سبب، وموته تحت التعذيب جريمة مثلما هي جريمة لو مات يساري أو ليبرالي أو حتى لص تحت التعذيب.

محاورات الرجلين، تفيض بالجرأة والعمق، وتعكس ثقافة مُتأصلة وحججا قوية لكلا الجانبين، غير أن ارتكاز يحيى التيجاني على العقل والمنطق يثير غضب المهندس أسامة تدريجيا، ويصدم يحيى زائره عندما يُسمعه اسطوانة لصوت أم كلثوم وهي تُرتل القرآن، ثُم يُسمعه اسطوانة للمطربة فيروز، وهي تترنم بترانيم مسيحية.

ويسأل العريس غاضبا “كيف تسمعون ترانيم مسيحية في بيت أسرة مسلمة، ويفاجئ يحيى زائره بأن زوجته ميمي شيرين رضا مسيحية”.

يقول يحيى لزائره أنه يتوقع منه صرف نظره عن خطبة ابنته، لكن العريس يراوغ ويؤكد احترامه للأسرة ويعتذر عن أي سوء فهم.

يقطع المشهد قدوم هاني (ماجد الكدواني) شقيق الزوجة، ويحتضن فريدة بمودة وصداقة، ويفهم من الجلسة أن أسامة عريس، ويضحك معه، ثُم يأكل في نهم ويغادر، لكنه يختلي بيحيى ويقول له إن هذا العريس لا يحب فريدة، وجاء من أجلك أنت، لأن عينه لم تفارقك.

ذروة الحبكة الدرامية

مشروع إبراهيم عيسى يقوم على الانتصار للعقل والتعامل مع رجال الدين باعتبارهم بشرا غير مقدسين، وضرورة فصل الدين عن السياسة
مشروع إبراهيم عيسى يقوم على الانتصار للعقل والتعامل مع رجال الدين باعتبارهم بشرا غير مقدسين، وضرورة فصل الدين عن السياسة

تصل القصة إلى ذروتها عندما ينقلب الوجه الهادئ للفنان أحمد مالك إلى شعلة غضب ويُخرج من الهدية اللوحة مُسدسا مزوّدا بكاتم صوت، ويحتجز الأسرة كلها في غرفة المكتب صارخا بجنون أنه سيقتلهم جميعا إن لم يمتثلوا.

تبدأ محاكمة الكاتب أمام زوجته وابنته المذعورتين، ويطلب منه يحيى أن يهدأ، لكنه يرد بشرر من عينه، ويخبره أن موته نصر للإسلام وعبرة لكل مَن تسوّل له نفسه الطعن في السنة، ويفتح له كاميرا هاتفه ليتحدث عن رفضه ورجوعه عن كل ما كتب ونشر وأُذاع، ويمتثل الكاتب تحت التهديد بقتل ابنته.

يدق جرس المنزل فيزداد هياج الإرهابي المتخفي في هيئة عريس متديّن، ويطلب من يحيى أن يصرف الزائر المفاجئ وإلاّ قتل ابنته وزوجته، ويمتثل يحيى، ليجد ضابط الحراسات في المنطقة (محمد ممدوح) يستأذنه للسلام عليه.

يتحدث معه على الباب قليلا طالبا منه بدعوى محبته عدم الطعن في البخاري وأن يخفف من غلواء نقده وكلامه، لأن ما يقوله ضد الدين يمنح الإرهابيين حق التخريب، ثُم يقول له إنه يحبه، لكنه يراه متجاوزا بعض الشيء، ويعاتبه على تصوّره بمواجهة الإرهاب فكريا، ويقول له إنه يرى نسف الإرهابي أولا ثم محاورته بعد ذلك، ولا يرد التيجاني ويشكر الضابط ويعود للداخل.

هُنا يقرّر أحمد مالك التغيير في الخطة ويخرج سكينا يضعها على رقبة الابنة -الحبيبة السابقة- ويقول للكاتب إنه لو قتله سيجعله رمزا للحرية والوطنية، وإنه قرر أنّ الأفضل أن يجبره على الانتحار.

يعطيه المسدس طالبا منه إطلاق الرصاص على رأسه بينما يُهدد بسكينه رقبة الابنة فريدة النحيلة، ويبكي الكاتب خوفا على ابنته وزوجته ويسأل الإرهابي عن ضمان عدم قتل زوجته وابنته حال انتحاره، فيرد الإرهابي بأنه لا يوجد ضمان لشيء، وأن أعداء الدين يجب أن يذلوا.

بحركة مفاجئة يُطلق الكاتب رصاص المسدس على زائره قبل أن يتمكّن من سحب سكينته المرفوعة على رقبة فريدة، ويسقط الإرهابي لكنه يقوم طاعنا يحيى بسكينته، ليردّ يحيى بالرصاص ممزقا جسد غريمه.

الكاتب يُصاب في نهاية الفيلم ويخرج محتضنا زوجته وابنته، بينما تسقط مكتبة مليئة بالكتب فوق جسد الإرهابي القتيل، وكأن الكاتب يقول إن الفكر انتصر على الإرهاب، غير أنّ مشهد لجوء يحيى إلى السلاح لحسم المعركة يرمز كذلك إلى صحة مقولة ضابط الحراسات (محمد ممدوح) بأنه لا حوار مع الإرهابيين ويجب محوهم أولا.

تحدي الإخراج

دلال الأب يجابه بتعنت الإبنة
دلال الأب يجابه بتعنت الابنة

مُخرج الفيلم هادي الباجوري، كان أمام تحدّ كبير حول كيفية صناعة التشويق والانتقال مع الحوار من الكوميديا إلى المناقشات الفكرية الرصينة، ثم إلى الفزع والاضطراب.

كما أن حصر أماكن التصوير في فيلا يحيى التيجاني مثّل تحديا أكبر لكسر ملل المشاهد، ونجح الباجوري في تخطيه لدخوله تجارب سابقة من هذه الثيمة، خاصة في فيلم “وردة” المنتج سنة 2014، واعتمد فيه على إمكانات بسيطة جدا في التصوير والإنتاج.

بدورها عبرت الموسيقى التصويرية للفيلم التي أبدعها الموسيقار هشام نزيه بشكل مثالي عن تطور الأحداث من البداية الهادئة إلى المناقشات المتصاعدة رويدا حتى ذروة الأحداث وانقلاب الكوميديا إلى لحظات رعب، كذلك، فإن تصميم الملابس الذي أشرفت عليه ريم العدل جاء مُعبّرا بشكل عن أسرة فوق المتوسطة، منفتحة، لكنها مرتبطة بقيم أخلاقية نبيلة، أما ملابس الإرهابي فجاءت غاية في الأناقة للدلالة على خداع المظاهر.

بشكل عام يندهش المُشاهد كيف أمكن لهذا العمل الجريء الخروج من مقصلة الرقيب دون خسائر تؤثر على سياقه العام وحواره العميق.

16