كاتب واجه الموت بكتابة الخواطر الأدبية

الموت يحضر بقوة ليكون ثيمة أساسية في رواية الكاتب الألماني إلياس كانيتي  الشهيرة "الاحتفال بحكم الموت"، كما يحضر في خواطره الفلسفية، وفي مؤلفه الفكري"الجماهير والقوة".
السبت 2018/06/09
العلم صنم يعبد بطريقة مهينة ومقرفة

منذ الأربعينات من القرن الماضي، وحتى الأسابيع القليلة التي سبقت رحيله، دأب كانيتي على تدوين ملاحظاته وأفكاره حول مفهوم الموت في جميع الثقافات والحضارات التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل، من دون أن يغفل عن ذكر فلاسفة ومفكرين وشعراء قدامى ومحدثين اهتموا هم أيضا بهذا المفهوم، أي مفهوم الموت أمثال الفرنسي مونتين، والألماني غوته، والأيرلندي جيمس جويس.

وقد ظلت هذه التدوينات مبعثرة إلى أن قامت وريثته يوهانا كانيتي بجمعها وإصدارها في مجلد ضخم صدر في ترجمة فرنسية في مطلع العام الحالي عن دار “غاليمار” بعنوان “الكتاب ضد الموت”.

الانشغال بالموت

في مطلع كتابه، يشير إلياس كانيتي إلى أنه لم يكن هناك موضوع ظل يسكنه منذ سنوات الطفولة، واهتم به وفكر فيه طويلا مثل موضوع الموت. وفي فترة ما من حياته اعتزم كتابة رواية ضخمة عن الموت يمكن أن يكون عنوانها “عدو الموت”. لكن المجازر الرهيبة التي حدثت خلال الحرب الكونية الثانية جعلته يتخلى عن المشروع خشية أن تتخذ الرواية منحى أيديولجيا. لذلك فضل الاقتصار على تدوين ملاحظات وخواطر كانت تفاجئه وهو مقيم أو مرتحل.

 عند بلوغه سن الأربعين، يدون كانيتي الملاحظة التالية “ليس لي من العمر سوى أربعين سنة، إلا أنه لا يكاد يمر يوم واحد من دون أن يموت شخص من معارفي. ومع مرور السنوات، يزداد عدد الأموات ارتفاعا. وسوف ينتهي الموت بأن يتسلل إلى الساعات وهي تتلاحق. كيف لنا في ظروف كهذه أن نهرب منه”.

الكاتب يرى في إحدى خواطره أنه في الحروب، يتصرف الناس كما لو أن كل واحد منهم سينتقم لموت كل أجداده

وفي الذكرى الخامسة لوفاة والدته، وتحديدا في 12 يونيو 1942، يكتب إلياس كانيتي قائلا “الآن مرت خمس سنوات على وفاة أمي. ومنذ ذلك الوقت، انقلبت الأرض ليكون داخلها في الخارج، وخارجها في الداخل. فهل عشت حقا خمس سنوات من دون أن تعرف هي ما فعلت أنا، وما أنا أفعل؟ أرغب في أن أجتثها من تابوتها حتى لو أنني أجبرت على اقتلاع كل مسمار بأسناني. نعم أعلم أنها عظام رميم. لكني لا أستطيع أن أتقبل ذلك”.

ومتوجعا يضيف كانيتي قائلا “لكن أين يمكنني أن أعثر على آثار لها؟  أنا وإخوتي نحتفظ بالبعض منها. إلا أن هذا ليس كافيا. أريد أن أعثر على أي شخص عرفها. أريد أن أستحضر كل الكلمات التي تفوهت بها. وعليّ أن أذهب إلى الأماكن التي عاشت فيها لكي أتشمم عطر أزهارها. وأريد أن أحطم المرايا التي عكست صورتها. أريد أن أعرف في كل لغة كل حرف نطقت به. أين ظلاها؟ أين غضبها؟ سأمنحها نَفَسي.

 وعليها أن تسير بقدميّ”. وفي تدوينة أخرى، يروي كانيتي أن الفرنسي موليير كان مريضا إلا أنه لم يرغب في ترك الركح وهو غير عالم بأن الموت سيقبض روحه في ذلك اليوم. فقد كان بحاجة إلى تصفيق الجمهور، وإلى كلمات الإعجاب والتقدير التي تعوّد على سماعها. وقد حاول البعض من أصدقائه ثنيه عن الصعود إلى الركح بعد أن عاينوا تدهور صحته، إلّا أنه لم يحفل بنصائحهم. وكان على الركح لما انهار ميّتا من دون أن يعلم أن الجمهور الذي كان ينتظر تصفيقه هجم على بيته راغبا في استرجاع التذاكر بسبب انقطاع العرض.

وبعد وفاة الكاتب السويسري الكبير ماكس فريش في الرابع من شهر أبريل 1991، نعاه كانيتي بكلمات باردة ومقتضبة مكتفيا بالقول إن فنه كان “فن الشك”. وبما أنه متعلق بشخصه تحديدا، فإن هذا الشك ظل يواكب كل أعماله. ويعترف كانيتي بأنه اقتصر على هذا النعي المختصر لأن ماكس فريش لم يخف عدم رضاه عن نيله جائزة نوبل للآداب، معتقدا أنه الأجدر بها. وربما لهذا السبب ظل على مدى سنوات طويلة يتجنب لقاءه.

إلياس كانيتي يتحدى الموت والعلم
إلياس كانيتي يتحدى الموت والعلم  

وفي يوم صيفي بديع من أيام صيف 1992، ذهب كانيتي إلى مقبرة “فلوتارن” بزيوريخ لزيارة القبر الذي أعده لنفسه، مختارا أن يكون إلى جانب قبر جيمس جويس. عند وصوله إلى هناك تساءل متحيرا إن كان اختياره المذكور سيروق لصاحب “أوليسيس″، أو لعله ينزعج هو أيضا من ذلك. وهو يضيف قائلا إنه سيختار أن يكون قبره بسيطا للغاية عليه اسمه واسم زوجته فيزا واسم صديقته هيرا. ويضيف كانيتي قائلا “إنها لسعادة بالنسبة إليّ. فالذي لم يكن يرغب مطلقا في أن يموت، سيشعر بالسعادة أن يربط الصلة بين الأسماء الثلاثة”.

آراء الكاتب

في خواطره لم يكن كانيتي رحيما بالعلم الحديث. وهو يعتقد أن هذا العلم تحوّل إلى “ديانة للجريمة”. محاولا أن يقنع البشرية جمعاء بأنه تمكن من أن يعوّض الديانات القديمة ليحقق التقدم المنشود. ويضيف كانيتي قائلا “يفاخر العلم بأنه أصبح دينا جديدا، وهو يتعجل لتصفية الناس وقتلهم قبل أن يتسلح هؤلاء بالشجاعة لكي يطيحوا به. إن العلم على هذه الصورة تحوّل إلى سلطة باتت سلطة مجنونة، وصنما يُعبَد بطريقة مهينة ومقرفة”.

ومعلقا على الحروب، يكتب كانيتي قائلا “في الحروب، يتصرف الناس كما لو أن كل واحد منهم سينتقم لموت كل أجداده، ، وكما لو أن أيّ واحد من هؤلاء الأجداد لم يحظ بموت طبيعي”.

ويقيم إلياس كانيتي مقارنة بين الفرنسي مارسيل بروست صاحب “بحثا عن الزمن المفقود”، والنمساوي روبرت موزيل، صاحب “رجل بلا مواصفات”، ويكتب قائلا “الشيء الوحيد الذي يشترك فيه كل من بروست وموزيل هو أنهما شاعرا المطلق بامتياز. وكل واحد منهما يزن نفسه بتاريخه الشخصي، وليس بالتاريخ.

 وكل واحد منهما لا يقارن بآخرين. ويجدر التعامل مع كل واحد منهما كما لو أنه فريد من نوعه”. وربما ليوضح المعنى الجوهري لكتابه ، دوّن كانيتي هذه الخاطرة القصيرة التي يقول فيها “هناك شيء واضح: كتاب الموت لن يرى النور إلّا حين نصمت عن ذكر كلمة موت”.

14