كاتب ياسين: المستحيل لا بد أن يقهر

الاثنين 2014/01/06
الكاتب الذي كان ينام في المقاهي الشعبية وفي الحدائق العمومية

مطلع العام 2014، تنتظم في مدينة قالمة الجزائرية ندوة مهمة عن كاتب ياسين (1929-1989) ومسيرته الإبداعية الحافلة بأعمال بديعة لعل أروعها روايته الأولى “نجمة” التي سمحت له بشهرة عالمية واسعة. ومنذ وفاته بمرض السرطان في عام 1989، وكاتب ياسين دائم الحضور في الندوات وفي الاحتفالات الأدبيّة الكبيرة سواء في بلاده، أو في فرنسا أو في بلدان أخرى ناطقة بلغة موليير. وحضوره هذا يعود إلى الدور الهائل الذي لعبه في تحديث الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية، وإلى مواقفه الشجاعة والجريئة ضدّ التحجر الفكري، وضدّ التطرف الإسلامي الذي اجتاح بلاده سنوات قليلة قبل رحيله.

كان كاتب ياسين قد اكتوى مبكرا بنار الجزائر الرازحة تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي منذ عام 1830. فقد كان في السادسة عشرة من عمره لمّا اندلعت انتفاضة مدينة سطيف وذلك عام 1945 احتجاجا على تراجع السلطات الاستعماريّة عن الوعود التي قطعتها على نفسها خلال الحرب الكونيّة الثانية والمتمثلّة في الاعتراف بالحقوق الوطنيّة للشعب الجزائري.


تجربة السجن


في ذلك الوقت كان لا يزال تلميذا في المعهد الثانوي، ولحظة انفجار الانتفاضة، وجد نفسه في قلب الجموع الغفيرة الغاضبة، المطالبة باستقلال البلاد. وقد ردّت السلطات الاستعمارية على المتظاهرين ضدّها بإطلاق الرصاص عليهم ليسقط آلاف القتلى والجرحى، وليساق مئات آخرون إلى السجون. وكان الفتى كاتب ياسين واحدا من هؤلاء. وبسبب خوفها عليه، كادت والدته المسكينة أن تصاب بالجنون.

في السجن، تعرف كاتب ياسين على أوضاع شعبه، ولامس الجراح النازفة في بلاده. لذلك ستكون تجربة السجن فاعلة بشكل مثير في حياته وفي مسيرته الإبداعيّة. وبعد طرده من المدرسة، أخذ يتردّد على المقاهي الشعبيّة، مختلطا ببسطاء الناس وبالمهمشين الذين بالكاد يقدرون على كسب قوت يومهم.

في الآن نفسه كان يلتهم الكتب، ويكتب نصوصا وقصائد يعبّر فيها عن غضبه، وعن الخواطر التي تعتمل في أعماق ذاته المعذّبة والمتمرّدة. بل أنه كتب المشاهد الأولى من مسرحيّته الشهيرة”الجثّة المطوّقة”.

لم يلبث الفتى المتوهج بالشعر وبعشق الحياة أن أحبّ امرأة فائقة الجمال سوف تدفعه في ما بعد إلى كتابة رائعته “نجمة”. وكان لا يزال يحترق بحبه الفاشل لتلك المرأة لمّا التقى في السادسة صباحا في مقهى بمدينة عنابة فرنسيّا مغرما بالشعر. وذلك الفرنسي سوف يقوم بنشر نصوصه الأولى. غير أن تلك النصوص استقبلت بلامبالاة من قبل القراء. وبسبب سوء أوضاعه الماديّة، كان كاتب ياسين ينام أحيانا في المقاهي الشعبيّة، وفي الحدائق العموميّة، مع ذلك ظلّ شغوفا بالقراءة والكتابة.


سنوات التشرد


أثناء سنوات تشرّده المريرة، التقى “عطّارا” يدعى سي عبد المجيد. وكان ذلك الرجل الطيّب يعطي دروسا مجانيّة للأميّين، ويقدّم طعاما إلى الفقراء لاستدراجهم لتعلم القراءة والكتابة. وقد تعلم كاتب ياسين من سي عبد المجيد الكثير خصوصا أن ما يسمى بـ”المستحيل” لا بدّ أن يقهر.

وليس هناك وسيلة لقهره غير العزيمة والثبات. وفي عام 1956، وبينما كانت الحرب التحريرية على أشدها، أصدر كاتب ياسين روايته الأولى “نجمة” فاستقبلها النقاد والقراء في فرنسا بترحاب وتقدير كبير. وسرعان ما ترجمت الى العديد من اللغات العالميّة.

وقد دلّت تلك الرواية على الموهبة العالية التي يتميّز بها كاتب ياسين، وعلى معرفته الدقيقة بفن الرواية وبتقنياتها الحديثة، وببراعة تصويره لواقع بلاده من دون السقوط في السطحية والابتذال.


بنزرت التونسية


وخلال سنوات الحرب التحريرية تجوّل كاتب ياسين في العديد من البلدان، وكتب لمجلة "الأكسبريس" الفرنسية تحقيقا مثيرا عن موسم الحج. كما أمضى بضع سنوات في تونس حيث نشر العديد من المقالات في مجلة “جون أفريك”.

وعندما اندلعت حرب بنزرت في عام 1961، تعاطف كاتب ياسين مع الشعب التونسي، وكتب في المجلة المذكورة ضمن عددها الصادر يوم 26 أغسطس 1961 مقالا جاء فيه ما يلي: “في منتصف النهار، كان هناك في الهواء شيء هائل ينبسط متوترا داخل صمت منذر بعاصفة هوجاء. في بنزرت، الناس لا يتحدثون إلاّ عنها. بنزرت تغلي وتستعدّ للمعركة. بنزرت عنقود الغضب الذي يحتوي لوحده على المستقبل (…) برلين لا شيء مقارنة ببنزرت. هنا المواجهة مع الجنون بكلّ بساطة. والناس يتحركون عراة الصدور، ويقطعون الأسلاك الشائكة، وخطوة بعد أخرى ينجزون عملا أساسيّا وضروريا، عمل الحرية حتى ولو سالت الدماء بغزارة”.
في السجن، تعرف على أوضاع شعبه، ولامس الجراح النازفة في بلاده. لذلك ستكون تجربة السجن فاعلة بشكل مثير في حياته وفي مسيرته الإبداعية


سقوط الأقنعة


بعد حصول الجزائر على استقلالها مطلع الستينات من القرن الماضي، عاد كاتب ياسين إلى بلاده ليعاين منذ وصوله تساقط الأقنعة، وتحوّل الأحلام الجميلة إلى هشيم. وبسبب الخيانات المتعاقبة لمبادئ الثورة، أصيب المثقفون الجزائريون بالإحباط، و بخيبات مرّة جعلتهم يركنون إلى الصمت، أو يفرّون إلى المنافي الباردة.

وهذا ما فعله الكثيرون منهم. وعلى مدى سنوات طويلة، ظلّ كاتب ياسين صامتا حتى ظنّ عشّاق أدبه أنه قد يكون انقطع نهائيّا عن الكتابة. وفي مطلع السبعينات، ترك صاحب “نجمة” العاصمة ليستقرّ في مدينة "سيدي بالــعباس".

وهناك انشغل بكتابة مسرحيات باللهجة الدارجة وبتنشيط فرقة مسرحية سمّاها “النشاط الثقافي للعمال”. ومن خلال ذلك أعاد للمسرح الشعبي والملتزم بريقه وإشعاعه، وجعله مواكبا للحياة اليوميّة للناس العاديين.

في الآن نفسه انشغل بكتابة مقالات ناريّة منتقدا البيروقراطيّة والفساد والعماء الأيديولوجي والتطرف الديني محذّرا من “الفوضى المدمّرة”، ومن “الطوفان الذي سيجرف الجميع، الجلادين والضحايا على حدّ السّواء”؛ وكان على حقّ.

ففي خريف عام 1988، أي قبل رحيله عن العالم بسنة واحدة، اندلعت "ثورة الخبز". وكانت تلك الانتفاضة الشرارة الأولى التي مهّدت لتلك المجازر الرهيبة التي أغرقت الجزائر في الدم والجريمة على مدى سنوات طويلة.
14