كاتب يتمرد على الواقع ويكتب سيرة مصرية خفيفة الظل

الجمعة 2016/10/21
لغة الرواية جاءت خفيفة الظل وكاشفة لوقائع هامة في حياة المصريين

القاهرة – تعبّر رواية “شيطان صغير عابر” للكاتب المصري محسن عبدالعزيز، من خلال ذاكرة البطل، عن واقع أبناء قرية في محافظة المنيا، وأحلامهم التي تلاشت على صخرة الواقع الأليم، بعضهم اضطرته ظروفه للهجرة في نهاية السبعينات من القرن الماضي، حيث فورة النفط في الخليج وشظف العيش بالوطن، فترك الأهل والأرض وراح يفتش عن جني المال لتأمين حياته، والبعض الآخر ضاع عمره هباء فلم يتحقق له شيء لا بالداخل أو الخارج.

والرواية الصادرة عن دار “المحروسة” بالقاهرة والواقعة في 134 صفحة من القطع المتوسط، تنقسم إلى ستة فصول وتحفل بشخصيات واقعية مثل الكاتب الراحل عبدالوهاب مطاوع، وشخصيات أخرى اتخذ لها الكاتب أسماء مستعارة، مثل رافع بك، الشخصية النافذة في عالم الصحافة والمعروفة بفسادها.

ومن جهة أخرى كانت الرغبة في التحقق التي قادت بطل الرواية هي ما جعلته يسافر إلى القاهرة ليلتحق بالعمل الصحافي الذي وجد في نفسه ما يؤهله إليه، وقد قاسى ما قاساه كل القادمين من الريف أو الصعيد، حالة غربة تامة، ومع ذلك استطاع بمثابرته أن يشق لنفسه طريقا في عالم الصحافة المضني، وشاهد تفشي الفساد بألوانه في أكبر مؤسسات مصر وارتباط ذلك بالسلطة الحاكمة، وهو ما كان مؤشرا لثورة المصريين في العالم 2011.

وقد اشتبك الكاتب بحكم كونه صحافيا مع هموم المصريين من اضطرار للهجرة وصعود للمنتفعين المحسوبين على الدين حتى أن الشيخ مختار، الذي دعا للحزب الوطني على المنبر، هو نفسه من عمل كمقاول أنفار لنصرة المجاهدين برابعة، ومن ثم سافر هربا إلى نيجيريا بعد سقوط النظام.

وتحمل السيرة ذكريات مؤلمة، فما أقسى ألا تتذكر مثلا وجه أمك! تفاصيله وملامحه بالرغم من أن موتها كان يشكل للراوي نهرا من الأحزان لا ينقطع. وقد عانى البطل جلال أمين نفسه من ذلك واكتشف أنه لا يدرك تفاصيل وجه أمه جيدا وهو يكتب سيرته “مكتوب على الجبين”، وهو بالمناسبة لا يعتبرها أيضا رواية فهي فصول متقاطعة من الذاكرة اتخذت شكلا قصصيا.

“شيطان صغير عابر” هو خدعة جديدة من الكاتب، ولا يعني التمرد على الواقع، وليس عابرا كما نظن ولكنه مقيم بداخل روحه. وقد سعى الكاتب إلى التجريب باللغة والشكل وكانت سيرته متوازية مع أحلام وطنه.

الغريبة أن المرأة لعبت أدوار الأم أو مصدر الغواية في السيرة، والكثير من المحطات لم نجد الكاتب قد توقف عندها، مثل مرحلة تحققه الفعلي بالصحافة في القاهرة، وهو ما يجعل القارئ يشعر بعفوية الكاتب سواء في السرد حين يقول مثلا “لماذا اقتحم شقيق المشير عامر الرواية .. المهم” وهو يقطع لعبة السرد، أو في اصطياد تلك اللحظات والوجوه المؤثرة والأكثر إلحاحا في حياته، وربما روى تتمتها لقارئ شغوف.

وجاءت لغة الرواية خفيفة الظل وكاشفة لوقائع هامة في حياة المصريين، ممتزجة بالعامية المصرية، التي لها تاريخ كبير في الروايات المصرية منذ نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وهي لغة لها جذورها الثرية، كما لاح السرد مشوقا دالا ومكثفا ومناسبا للقارئ العصري.

14