كاتب يشتم سارتر وكتاب يقرأ لمرة واحدة فقط

أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي تقنية جديدة لتقليب النصوص معروفة بـ”التصفح”، وهي القراءة السريعة المرتبطة بشد الانتباه وآنية لحظة التلقي القائمة على المصادفة، هذه الآلية أبرزت نوعا جديدا من النصوص، يمكن وصفها بـ”الصناعية”، إذ تحمل في داخلها مميزات فضاء النشر، لكي تنال قيمة التداول والانتشار الجماهيري، هذه القيمة ليست بالضرورة جماليّة، فهذه نصوص وليدة تقنيات المشاركة لا الاشتغال الشعري، هي جواب سؤال الـ”فيسبوك” الموجّه لصاحب الحساب “بماذا تفكّر الآن؟”.
الخميس 2017/02/02
كاتب يعيش الواقع والأحلام (لوحة للفنانة بشرى خدوج)

يدوّن الكاتب السوري محمد سعيد في عمله الأخير “عاريا في حوض السمك”، هواجسه، حيث يلتقط يوميّات الوحدة والحرب، متلمسا عشيقات حضرن جسدا أحيانا، وأطيافا أحيانا أخرى، ليراوح بين الغزل والسباب، التقبيل وقطع الأوصال، سعيد يكره الجميع، الأدب وأعلامه، مثقفيه وكتّابه، شاتما سارتر وداعيا بوكفسكي لكأس من الجعة، لا علامة تجنيس لـ”عاريا في حوض السمك”، فنظريا نحن أمام نصوص تتجاوز التجنيس، وتتراوح في الطول القيمة، هي ليست ضد النوع الأدبي، ولا يدعي صاحبها أنه شاعر أو كاتب، هو كما يقول في عنوان قصيدته “كحمار مفخخ خارج النص”.

سؤال الهامش

التعامل مع نصوص سعيد يستعدي التوقف عند شكلها أولا، غياب علامة التجنيس يجعل النصوص منفتحة على العديد من الاحتمالات، لكن أولا يجب الأخذ بعين الاعتبار أنها نشرت بداية على صفحته الشخصية على فيسبوك، بالتالي هي كتبت بهدف النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ما يجعل تلقيها مرتبطا بالآنية، وحين جمعت في كتاب برز غياب الموضوعة التي تجمعها، فهي شذرات أحيانا، وأقرب لتدوينات يوميّة، تمس سعيد شخصيا وجسديا.

وهذا ما ينعكس على مضمونها، فالتجربة الجسدية لسعيد هي العنصر الأبرز فيها، غضبه وحنقه على المؤسسات والتاريخ وكل ما هو رسميّ، مع ذلك، نتحسس أنها نتيجة الانغماس في الشاشة والنظر عنها بعيدا في بعض الأحيان لتأمل نهايات المجزرة، هي وليدة تناقل الانطباعات عن المفاهيم والمنتجات الفنية والأدبية والأعراض الناتجة عنها، لا الانغماس بها، أقرب للمعرفة الشفهية، وليدة لحظة السرد لا التجربة.

النصوص مكتوبة بلغة تواصليّة، مألوفة لمن يتابع الموقع الأزرق بكثافة، لتحضر فيها أطياف من نصوص آخرين وأهوائهم، وخصوصا أنها مرتبطة بظاهرة الهامش الذي وجد في وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة للتعبير عن نفسه، هي اندفاع ساخر مرتبط بوضعية الهامش و”ًصعاليكه” الرافضين لما هو مكرّس، لكن هذا الموقف الرافض نراه لا يتجاوز السطحي والتأملات غير الناضجة، التي تُستثنى عادة حين الكتابة، بوصفها خاطرة عابرة لابد من الاشتغال أكثر على تكوينها لتكتسب بعدا شعريا أو دلاليا، لتبدو بعض المقاربات كسذاجات طفوليّة، كأن نقرأ سعيد محدثا أنثى ما قائلا “ليس مطرا/ ما ترينه الآن/ إنّها الغيوم/ تبول على العالم”.

الجانب الآخر المرتبط بهذه النصوص على صعيد المضمون، يبرز في “مركزيّة التجربة الذاتيّة”، وهي التي تكسب الموضوعات حيويتها أحيانا، بسبب الظروف الاستثنائية التي يعيشها الكاتب، جثث وأشلاء، حبيبات غائبة وتغن بتفاصيل الأنثى/الحُلم.

وتحضر في أغلب النصوص، موضوعات الموت والجسد المهدد بالرحيل، بوصفها هواجس سعيد إثر الحصار، لكن، هذه النصوص وليدة كتابة أوقات الفراغ، نتاج الخيبة واللافعل، هي أعراض الانتظار أمام شاشة الكمبيوتر، لتبدو الكتابة بوصفها سلاحا ضد الملل، اختبارا لاحتمالات الضجر، ما يستهلك المخيّلة إثر مرجعية “التصفح” المرتبطة بالموقع الأزرق، كمن يتنقّل بين اقتباسات بلا سياق، أما وضعية “النافل” التي يختارها سعيد لنفسه، قد تكون نتاج التهديد بالرحيل، فكل شيء قد يتلاشى، طلقة واحدة تكفي، قذيفة واحدة قد تحوله وكل ذكرياته ونصوصه إلى غبار.

كتاب يوميات أدبية

التلقي الآني

كتاب محمد سعيد، الصادر عن دار “نوفل-هاشيت أنطوان”، في بيروت، كأي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، يقرأ مرة واحدة، ولا دافع إلى العودة إليه، هو لا أرشيفي، ضد التصنيف، الذاكرة المرتبطة به آنيّة، كالأفلام الإباحيّة التي يذكرها سعيد نفسه، ينتهي تأثيرها لحظة الارتعاش، كهزة الجماع، تومض، ثم تختفي.

كما تشابه نصوص الكتاب التسطيح الذي تمارسه وسائل الإعلام، مرجعياتها وتقنيات تكوينها تنتمي إلى الجماهيري والمتبادل، هي تدّعي الهامشية عبر رفضها لما هو جماهيري، لكنها لا تقدم جماليات بديلة أو جمالياتها الخاصة، هي مجرد رفض سطحي يرسخ ما يدّعي رفضه، خالية من محاولات الهامش للتأسيس لحضوره، أقرب لصراخ أمام شاشة التلفاز، تهكم مما نسميه شعرا بصورة لا شعريّة، كما تغيب فرادة واستقلالية الكثير من النصوص.

هي محاكاة رومانسيّة دون موقف نقدي أو مقاربة شعريّة، كقوله “تماماً كفوريست غامب أنا ساذج وأبله أيها العالم ليس لدي ما أفعله ألتهم الكثير من الشوكولا وأحلم بحذاء رياضي جديد وامرأة جميلة تصرخ خلفي: “أركض محمّد أركض!”، فالسابق أقرب للتعليقات والانطباعات الذاتيّة، التي لا تحاور المرجعيات التي نعرفها ولا تتحداها، كأحلام طفل بأن يكون بطلا خارقا، أو كحلم سعيد الذي يدونه بوصفه فاز بجائزة نوبل للآداب، وكأن التدوين فقط هو ما يكسب الفكرة قيمتها، حتى لو كانت مألوفة لكل من شاهد الفيلم أو تهكم من عدم فوز أدونيس بجائزة نوبل.

تحضر في الكتاب بعض النصوص القصيرة جدا، التي يمكن اعتبارها جملا شعرية، لكنها لا تتعدى التلاعب بالكلام، كقوله “الرصاصة بلغت سنّ الرشد ولم تعد طائشة”، هي وليدة حذلقات لغوية وانزياحات دلالية أقرب للعب البدائيّ منها للمقاربة الشعريّة، هي الاحتمالات الأولى دوما لأي محاولة للتعبير، مع ذلك لا يخلو كتاب سعيد من محاولات ونصوص متفردة، يطغى فيها الشعريّ على المبتذل والمكرر، بوصفها وليدة الاشتغال الشعري لا الضجر والملل.

14