كاتب يمكث تحت شجرة التأمل من أجل كتابة رواية

الكاتب الجزائري عبدالرزاق بوكبة كان يسير في طريق البحث عن الذات، أما الآن فقد صار يمكث تحت شجرة التأمل أكثر من المرور عليها.
الخميس 2018/06/28
اهتمامي المستقبلي سيكون بالرواية

الكاتب يتغير في نصه بشكل دائم حيث لا يستكين إلى ما يكتب، أو يكون حينها مكررا مجترا، يتصف بنعوت بعيدة عن فعل الإبداع الخلاق والحي المتجدد، وكثيرا ما نسمع عن شاعر تحوّل إلى كتابة الرواية، أو عن روائي قرر التغيير في شكل أو مضمون ما يكتب بشكل جذري، فوعي الكاتب ليس معطى جاهزا بل هو يتشكل ويكبر ويتغير باستمرار. “العرب” التقت الكاتب الجزائري عبدالرزاق بوكبة الذي قرر أخيرا أن يترك الأجناس الأدبية المتنوعة التي يكتب فيها مخصصا مرحلته القادمة للرواية.

تتوزع كتب عبدالرزاق بوكبة، الذي ينتمي إلى جيل ما بعد العشرية السوداء في الأدب الجزائري، على أكثر من جنس أدبي، كالشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرحية والسيرة والرحلة، إضافةً إلى المقال الثقافي. وقد بلغ عدد مؤلفاته منذ 2004 حتى عام 2017 ثلاثة عشر كتابا.

وقامت دار “أفق” للنشر والترجمة الجزائرية مؤخرا بإعادة نشر 11 عنوانا منها تحت مسمى “الأعمال غير الكاملة”، وهي “من دس خف سيبويه في الرمل؟” (نصوص)، “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” (نصوص)، “فصول المعطف” (نصوص)، “جلدة الظل: من قال للشمعة أف؟” (رواية)، “ندبة الهلالي: من قال للشمعة أح؟” (رواية)، “يبلل ريق الماء” (زجل)، “الثلجنار” (زجل)، “وحم أعلى المجاز” (شعر)، “كفن للموت” (مجموعة قصصية)، “يدان لثلاث بنات، ويليه: بوصلة التيه” (سيرة ذاتية)، و”ماء سريع الالتهاب” (قصص قصيرة جدا لم تنشر في كتاب سابقا).

مرحلة جديدة

يقول بوكبة لـ”العرب” إنه كان في السابق يقتل التجربة الواحدة بنشرها في كتاب حتى يتمكن من خوض تجربة جديدة، وأما بإعادة نشر تجاربه دفعة واحدة فسيقتل المرحلة السابقة، ويدخل في مرحلة جديدة بلغة وأبنية وهواجس مختلفة. ويسوّغ هذه النية بأنه بات ينظر إلى ما كتبه، خلال ستة عشر عاما، على أنه مثل مرحلة من مساره كانت الكتابة فيها ترافق يومياته بوصفها عزاء عن واقع شخصي ووطني وعالمي مرير، وآن له، بعد اجتيازه ذلك المقام، أن يجتاز نفسه ونصه بخوض تجربة تنسجم مع واقعه الجديد.

ويضيف بوكبة “لطالما كانت اللغة وطريقة بناء النص الشعري والسردي محل تجريب حاد لدي، اعتقادا مني بأن اللغة هي بيت الكينونة، كما يذهب الفيلسوف هايدغر، وهي ما يصنع رؤيتنا للوجود والأشياء ولأنفسنا وللآخر الذي يشاركنا الفضاء والعطاء، ونحن إذا لم نعمل على تخريبها وإعادة بنائها من جديد وفق المقولات الإنسانية والجمالية، فسنبقى حبيسي تكلساتها المختلفة، حيث يصبح انتماء الكاتب للخطاب الحداثي والإنساني مجرد ادعاء”.

ويتابع بوكبة أنه “كان يسير في طريق البحث عن الذات، وعن مفاهيم جديدة للموت والحياة، لذا كان يلجأ إلى التقاطات تستوعبها الومضة الشعرية، أو القصة القصيرة جدا، أو نص الرحلة، أما الآن فقد صار يمكث تحت شجرة التأمل أكثر من المرور عليها، وهو المقام الذي تستوعبه الرواية أكثر من غيرها. ويؤكد أن اهتمامه سينصب على هذا النوع الأدبي مستقبلا، بما يحقق له تراكما فيها فاته بفعل تخبطاته الواعية وغير الواعية”.

عوالم أدبية

في نصوص “من دس خف سيبويه في الرمل” القصيرة، المكتوبة بنفس شعري وآخر سردي، يحاول بوكبة تأسيس تجربة مغايرة، وينتهج تمثلا مختلفا للأنا الشخصي تضفي عليها الكتابة شكلا من التجاوز والخصوصية، ورغبة محمومة في تكسير الذائقة الأدبية لقارئ استكان للجاهز المكرر من الثيمات والصور والأشكال، ويسعى إلى الانطلاق من حوافز “الموت الرمزي، الرغبة، الاستكمالات الجديدة، الانفتاح على تجارب وذوات الآخرين” كتجربة حياتية ووجودية مختلفة ضمن فضاء وجودي وحضاري جديد أشمل له أسلوبه وأزمنته وطقوسه وسيروراته.

الكاتب لم يتدخل في تحديد مصائر الشخصيات
الكاتب لم يتدخل في تحديد مصائر الشخصيات

ويضم الفصل الأول من كتاب “عطش الساقية” مجموعة من التجارب المستوحاة من إحدى عشرة رحلة، كان قد زار بوكبة خلالها العديد من المدن الجزائرية، في إطار السياحة أو النشاطات الثقافية، على غرار تمنراست، بجاية، تلمسان، وغيرها. أما الفصل الثاني فيحتوي على جملة من القصص القصيرة جدا، أراد الكاتب من خلالها رصد جمالية تحولات الأشياء. وضمت الفصول الأخرى نصين مسرحيين “حجر نجمة” و”عودة العباد”، وبضعة حوارات أجري معظمها مع الكاتب، وأجرى هو واحدا منها مع الكاتب الفلسطيني محمد هديب.

ويتعامل بوكبة في روايته “ندبة الهلالي: من قال للشمعة أح؟” بحذق مع شخصياته، التي لم يتدخل في تحديد مصائرها، بل تركها، على كثرتها وتشابكها، تكتب الرواية بضوء أرواحها في مجابهة واقعها، وليس قدرها، وفي مقاومة الراوي الذي خلقها، وإن كان قد انتزعها من الحياة، فمنها أصدقاؤه ومنها أعداؤه، إلا أنها لا تنكر عليه حقه في رعايتها طوال الزمن الروائي، فيتخيل حركتها وهو يدفعها إلى معترك الحياة تمارس على القارئ عدوانها وعدوانيتها، كما تمدّ يديها إليه طلبا للصداقة، ولقبوله بـ”وعيها” بوصفه “الصح” و”الأغنى”.

كما تدعوه بعض الشخصيات إلى عبادة وعيها الديني المتطرف، الذي يشرعن الذبح بالسكين للأطفال والنساء والشيوخ في مدن الجزائر وقراها.

وتشترك مجموعته القصصية “كفن للموت” مع نصوص “أجنحة لمزاج الذئب الأبيض” في كون البطل الرئيسي فيها هو نفسه، ففي الثانية نجد الولهي بن الجازية صاحب الريشة، بينما نجد في “كفن للموت” الزبير بن نجمة، وتختلف عنها في أن هذه الأخيرة اشتغلت على موضوع واحد هو الموت، لكنه موت يُهزم في النهاية على يدي الزبير وسارة، لترفع الحياة رأسها مرة أخرى، وهو الوضع الذي أتعبهما، فقررت سارة مراسلة الكاتب عبدالرزاق بوكبة لتطلعه على مخطوطة، كتبتها مع صديقها الزبير، عن تجربتهما مع الموت، لعله يساعدهما في نشرها، لكنهما يتفاجآن بأن بوكبة نشرها باسمه تحت عنوان “كفن للموت”، وهي لعبة سردية معروفة في العديد من التجارب الروائية العالمية والعربية.

15