كاترين بانكول روائية تصنف بين أكثر الكتاب شعبية في فرنسا

السبت 2016/10/01
كاترين بانكول مغربية ذات عالم بسيط ترجمت أعمالها إلى ثلاثين لغة

باريس- تلعب السياسة في أوروبا، كما في كل العالم، دورها الانتفاعي مع كل حدث. تُثير مرة حكاية الحجاب وأخرى أزمة الضربات الإرهابية. لا أحد يمكنه إنكار الحدثين وغيرهما من مسائل عامة. لكن للسياسة طريقتها في إثارة المواقف حول أيّ خبر كبيرا كان أم صغيرا. وربما تستدعي آلة السياسة بعض المسائل النائمة أو المهملة لتصنع منها قضية المرحلة. فبعد “البوركيني” في فرنسا خرجت إلى الواجهة السياسية مسألة الاندماج الاجتماعي للأجانب. حكاية متجددة فهي مع موجة اللجوء كانت حاضرة، مع الإرهاب، في كل محفل اجتماعي لها حصة. طُرحت المسائل والأسئلة، كيف يمكن قبول التجمعات الأجنبية وسط المجتمع الفرنسي؟ كيف لنا أن نتعامل مع هذه الظاهرة؟ أين الخلل؟ هل المسألة ثقافية؟ اقتصادية؟ سياسية؟ دينية؟ تدور الحكاية على وسائل الإعلام ويتم الحديث عن مشاريع للاندماج سيتم العمل عليها.

مع هذه الموجة المتكررة، يبحث الساسة عن منافعهم أين تكمن. إن كان في الطروحات السلبية تحدثوا عن أحياء المهاجرين وتجمعاتهم ونسب الجريمة فيها. فتحوا أبواب السجون التي تعج بالأجانب. أما إن كانت للساسة رغبة في جانب مضيء، أخرجوا إلى النور كل المبدعين الفرنسيين من أصول غير فرنسية وما أكثرهم أيضا. الخيار الأخير في الغالب مستبعد، فكيف للسياسي أن يبرر حاجة المجتمع له؟ يُظهر المشكلة ليقول إنه يملك الحل السحري لها.

نخلة مغربية

بعيداً عن ألعاب السياسة والساسة تكتب عن نفسها “ولدت في المغرب، في الدار البيضاء، كبرت تحت أشجار النخيل. بعمر خمس سنوات وصلت فرنسا. درست وأصبحت أستاذة اللاتينية-الفرنسية في جامعة لوزان. سافرت وعملت بالعديد من الأعمال الصغيرة. توفرت الفرصة في أحد الأيام لأصبح صحافية. أتذكر أولى كلماتي المطبوعة بالحبر الأسود في إحدى الصحف. بدأت أرقص بأنحاء حانوت الجرائد. أفتح الصحيفة وأغلقها، ثم أفتحها مرة أخرى وأنا سعيدة. لم أستطع أن أصدّق، لقد طُبع اسمي في نهاية المقال”.

هذه المرأة الفرحة باسمها المدوّن أسفل المقال، تُعتبر اليوم من أكثر الكتّاب الفرنسيين مبيعاً. بالطبع من أكثر كتاب الرواية الفرنسية مبيعاً. احتلت الترتيب الثالث في فرنسا عام 2009، عن روايتيها “عيون التماسيح الصفراء” و”رقصة الفالس البطيئة للسلاحف” التي بيعت منها 871 ألف نسخة. هي المغربية-الفرنسية كاترين بانكول، والتي كغيرها من الكتاب الشعبيين الفرنسيين لا تلقى رواجاً بين أقلام الصحف الفرنسية الثقافية. يصنّفونها مع فئة الكتّاب السهلين والذين يكتبون بأسلوب يناسب قراء وسائل النقل العامة. لكنهم، أي هذه الفئة الشعبية، الأكثر مبيعاً وانتشاراً في فرنسا، خلافاً لغالبية المصنفين ضمن الفئات الثقافية المتقدمة.

“يوما ما طلب منّي محرر إحدى دور النشر أن أكتب رواية. رواية!” تقول بانكول مستغربة. كانت ترى الأمر مستحيلاً. لكنها في العام 1979 كتبت أول رواياتها باسم “أنا أولاً” التي طبعت منها ثلاثمئة ألف نسخة. لترحل بعدها إلى نيويورك حيث حصلت على دراسات في كتابة الرواية والمقال والسيناريو.

كانت بالنسبة إليها تجربة فريدة ولغة جديدة وحياة جديدة. هناك كتبت “البربري” عام 1981. تتابعت روايات بانكول بمعدل رواية كل عام تقريباً. المفارقة أنها لم تلفت نظر النقاد إلا في جانب أنها تكتب بطريقة بسيطة وسهلة تتناسب وما يريده بسطاء الناس. لم تكن وحيدة في هذا النقد، تقريبا غالبية الروائيين الأكثر مبيعاً في فرنسا نالهم ما نالها.

لمن يكتب الأدب

الحال يقول إن هناك أدبا للعامة وأدباً للخاصة. واحد للناس العاديين البسطاء وآخر للمثقفين والنخبة؟ الأول بسيط وسهل يناسب الذوق العام. الثاني معقد وصعب ويستخدم لغة تتناسب والذوق المثقف. لكن السؤال كيف لرواية ما أن تطال الجميع؟ هنا يستحيل السؤال عالمياً لا خاصاً بالوضع الفرنسي بالذات. كيف لرواية أن تكون رواية إنسانية بأبعادها ومعطياتها؟ “البؤساء” ربما تكون مثالاً على هذا النوع من الروايات. تُرجمت إلى معظم لغات العالم الحية.

بالطبع روايات بانكول ترجمت إلى عدة لغات. منها ما ترجم إلى ثلاثين لغة. فهل الترجمة مقياس؟ إذا ما اتفقنا بأن حالة الاستسهال الأدبي اليوم هي من ميزات الأدب بالعالم أجمع، كيف لرواية بوليسية أن تصنف بين، وربما، الأكثر مبيعاً في حين أن الروايات العميقة والتي تعالج البعد الإنساني لا تلقى إلا القليل من الاهتمام. هذا الحال يواجه أيضا المُنتج الإعلامي المرئي والمسموع في العقود الأخيرة، ربما هي حالة قديمة، لكنها تروّج لنفسها اليوم بشدة.

الطروحات التي تقول إن الأدب يجب أن يراعي الذوق العام، تزداد قوة وشراسة خلال الألفية الجديدة. جميع ما يصبّ في سياق الجوائز وما يتعلق بتلك الجوائز من عمليات ترويج تشبه إلى حد كبير التجارة، تأتي في ذات السياق. بات الأدب نوعا من التجارة الرابحة، روايات تحقق مبيعات بالملايين من النسخ وبالطبع هي صفقة رابحة لدار النشر بغض النظر عن جنسية هذه الدار.

عولمة أدبية

بعيدا عن الأدب ومصابه تبقى حالة الكتّاب من أصول أجنبية ضمن البيئة الفرنسية حالة مميزة. لا يمكن إهمال أو نسيان أمين معلوف أو الطاهر بن جلون أو ياسمينة خضراء. كلهم جاؤوا من بلاد “كولونيالية” مستعمرات سابقة لفرنسا. تركوا بصمتهم البارزة على سياق الأدب الفرنسي الحديث. منهم من بات معروفاً أكثر من الكتّاب الفرنسيين بالنسبة إلى الفرنسيين أنفسهم. منهم من انساق إلى الرواية الرخيصة والسهلة والأكثر مبيعاً كحال بانكول بحسب نقد النقاد لها ومن معها من فئة روائية.

لكنهم، أي الكتّاب المهاجرون، سجلوا فارقاً. وحالة الانسياق خلف أشكال الأدب وأنواعه ومستوياتها تحتمل الجانب الآخر للمسألة. العالم اليوم يدور في فلك واحد. العالم أجمع يستهلك ذات النتائج الفلسفية والفكرية والثقافية الحديثة، بحسب بانكول، يستهلك آخر منتجات العولمة ويمارسها متناسياً هويته وبعده الأصيل. العالم يذوب على المستوى الثقافي في بوتقة واحدة.

الرواية الرخيصة حالة انتشرت في العالم العربي والفرنسي والإنكليزي وعوالم أخرى من الثقافات والآداب. إنها الموجة الأميركية التي أحالت الحياة بكل جوانبها إلى استهلاك كبير. بالطبع الكل توافق على المؤامرة وأرادها. ربما تعبت البشرية من الصعوبات وهي تصبو اليوم إلى أن تجلس أمام شاشة تلفاز كبيرة، تشاهد فيلماً أميركياً طويلاً عن بطل أسطوري ينال كل ما يريد ويفوز بمن يحب وينقذ العالم.

إذن العالم اليوم كله يندمج بحال أو بآخر بطريقة حياة مشتركة. وأوروبا لا تملك الجواب على سؤال الاندماج للأجانب؟ بالذات فرنسا وبلجيكا اللتان تعانيان من أزمة “المغاربة”. غالبيتهم من أبناء الجيل الثالث أو الجيل الرابع ولا يملكون إلى اليوم هوية ثقافة واضحة، على عكس بانكول.

تتلاقفهم الأمواج مرة هم مغاربة، وهم مسلمون مرة ثانية. يرحلون إلى بلادهم الأمّ يلقون معاملة المغتربين. يعودون إلى بلادهم بالجنسية والأوراق يلقون معاملة الأجانب. يقعون بين هويتين والثالثة كارثية. هذه الثالثة أنتجت رفضاً اجتماعياً منهم للعالم أجمع وربما أنتجت رفضاً من المجتمع الفرنسي لهم. الحل يكون بفهم البعد الاجتماعي والاقتصادي لهذه المسألة. لماذا وصل الوجود المغاربي إلى هذا الحد في فرنسا؟ لماذا أنتجت هذه التجربة تلك التجمعات المغلقة؟ من الواضح أن الصعوبة الثقافية ثانوية. الدليل على ذلك وجود العديد من الكتاب والممثلين والسياسيين في فرنسا من أصول مغاربية. إذن المسألة تحتمل الوجهين الاقتصادي أولاً والاجتماعي ثانياً.

ربما تحتمل التجربة الأدبية والثقافية العالمية لبانكول اليوم أن تكون جسراً لربط الجميع بمصاب الجميع. فبدلاً من اللجوء إلى أدب بسيط يراعي الذوق العام لا بد من العمل على أدب يراعي العامة والخاصة معا. أدب يعالج الأبعاد الإنسانية التي تعتصر أبناء هذا العصر. وتحاول أن تقدم ما يمكن تسميته بأدب المرحلة.

كل المراحل السابقة كان لها أدبها الخاص وبعدها الثقافي الخاص ولذا لا بد اليوم أن يكون هناك أدب لهذه المرحلة. أدب عالمي يعالج كل الأبعاد التي تمر بها هذه الأرض بمن عليها وما عليها من مصاب وفرح ونجاحات وفشل. النهوض اليوم عالمي. ولا يمكن القول إننا قادرون على الفوز منفردين في هذه القارة العجوز أو في بلاد العم سام.

عالمي الخاص

الفقر دفع الأفارقة التعساء لغزو أوروبا. لم يمنعهم البحر ولن يفعل ذلك أبدا. وهم مستمرون بالبحث عن حياة تقيهم خطر الموت جوعا وقتلا وتهجيرا. التجربة السورية اليوم لا تعتبر تجربة خاصة. هي مسرحية من الجحيم مفتوحة أمام كل المشاهدين ليعتبروا منها. العالم اليوم متصل أكثر من ذي قبل ولذا علينا أن نستفيد من هذا الاتصال ونستخدمه جسرا لوضع الحلول لا لفرض ثقافات مريضة وأدب تافه رخيص وطريق حياة استهلاكية تعاني الملايين من الأمراض.

بانكول، ليست استثناء لا كمغربية فرنسية مندمجة بالمجتمع لأبعد حد. ولا ككاتبة بدأت حياتها كصحافية واليوم في عقدها السادس تكمل مسيرتها ككاتبة فرنسية تصنّف الثالثة من حيث الشعبية. تقضي أيامها كما تكتب “بكل اعتيادية. الاستيقاظ. الشاي الإنكليزي. قراءة الصحف وأعمال المنزل. المشي مع الكلب وأشياء أخرى. أخيراً مواجهة شاشة الكتابة، حيث اكتشفت عالمي الخاص. بلدي: عالم وهمي من الكلمات والشخصيات. أفكار تطير في الهواء، ربما أمسكها. بعض الأيام أكون مشغولة، مكتئبة، لكنها الرغبة الدائمة بالعمل والتعلم”.

13