كاتوتسيلا: مع العربية تكتمل إنسانية الرواية"

الأحد 2016/05/22
روايته ترجمت إلى 40 لغة ويتم إعدادها فيلما سينمائيا

احتفاء بصدور الترجمة العربية لروايته “لا تقولي إنك خائفة” الحائزة على جائزتي “كارلو ليفي” و”لوستريغا” والتي ترجمت إلى أكثر من 40 لغة عالمية ويتم إعدادها الآن فيلما سينمائيا، كان حضور الكاتب والصحفي الإيطالي جوزِبِّه كاتوتسيلا لمعرض أبوظبي للكتاب في دورته الـ26 حيث التقيناه بصحبة ناشره صاحب منشورات المتوسط خالد سليمان الذي قام بدور المترجم.

الرواية التي ترجمها معاوية العبدالمجيد تتناول قصة حياة سامية بطلة الجري في الصومال، التي حصلت على العديد من الألقاب والجوائز على المستوى المحلي والوطني قبل أن تكمل ربيعها الخامس عشر، وماتت غرقا أثناء محاولتها الوصل إلى لندن عبر إيطاليا للمشاركة في أولمبياد لندن.

الروائي جوزِبِّه كاتوتسيلا ارتبط بعالم الكلمة عندما كان عمره 11 سنة “كنت أقرأ في كتاب وبطريقة غريبة لم أكن أفهمها وقتئذ عرفت أن حياتي سيكون لها علاقة بالكلمة، فبدأت الكتابة من عمر 12 سنة وكان الاستمرار إلى أن احترفت الكتابة”.

الواقع والخيال

يقول كاتوتسيلا “كل أعمالي الروائية لها علاقة بالواقع والأحداث الحقيقية، وهذا الارتباط بالواقع له علاقة أيضا بالأماكن الأصلية محور أحداث الكتاب، الرواية الأولى جاءتني فكرتها بينما كنت أتعامل مع مختص إيطالي يجمع وينقل كل الآلات الموسيقية الكلاسيكية الكنسية من خارج إيطاليا إلى داخلها، وكنت قريبا منه لأكتشف معنى أن تكون إنسانيا في هذا الزمن، حيث كان يسعى هذا المختص إلى جمع ونقل الآلات الموسيقية التراثية وإعادتها إلى إيطاليا، وهذه الآلة التي يعمل على نقلها تحمل روحا وتاريخا وذاكرة، والمشكلة هنا أنك تنقل بشرا لكن أين روح وتاريخ وذاكرة هؤلاء البشر، وهكذا كانت الرواية الأولى ما بين ثلاث دول من ثلاث قارات أستراليا والهند وإيطاليا، لأتابع رحلة آلة موسيقية كنسية هي أورجون هندي قديم، وصار اهتمامي الأدبي أن أسرد قصة الأطراف المستترة وراء جمع هذه الآلات القديمة، حيث ألقي الضوء على أحد هؤلاء الإيطاليين الأثرياء الذين يبحثون عن القطع النادرة ويدفع ثمن الأورجون، ومن ثم تبدأ رحلة جلبه من الهند إلى أستراليا ومنها إلى إيطاليا. ومن خلال رحلة هذا الأورجون أتتبع قضية المهاجرين الذين تستجلبهم الشركات أيضا لحساب الأثرياء”.

أشياء حقيقية

كاتوتسيلا يشير إلى أن منطقه في الكتابة الذي يعتمد عليه في كل رواياته واحد، وهو البحث عن أشياء حقيقية وتحويلها من أمر محلي صغير وقضية صغيرة إلى أمر إنساني عالمي، وكيفية تطوير الحقيقة الصغيرة إلى حالة إنسانية كبيرة، وذلك بالبحث والتحري في الوثائق والمعلومات والذاكرة. وفي الرواية الثانية تناولت قضية لها علاقة بمافيا شمال إيطاليا، حيث أن المتعارف عليه أن المافيا موجودة في جنوب إيطاليا، لكن مافيا الشمال كما تكشّف لي كانت أقوى ومع ذلك لم يتعرض لها أحد في عمل أدبي أو فني، لذا هنا أحكي عن قوّتها ونفوذها، وكيف انتقلت مافيا الشمال من الاقتصاد المحلي بميلانو إلى اقتصاد المقاطعة في لومبارديا إلى اقتصاد إيطاليا ليصلوا إلى كلابريا حيث أقوى مافيا موجودة في إيطاليا”.

أنني أعيد صياغة وترتيب الحقائق من خلال التفاصيل، والذي صار معي كأنه معجزة لأنني أعرف تماما أن الكثير من قصص المهاجرين تمت معالجتها في العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية، لذا فإن النجاح الذي حققته الرواية كان مفاجأة بالنسبة إلي

ويقول “في الرواية الثالثة كنت أسعى لفهم ما يحدث في العالم، حيث لاحظت شيئا لم يحدث في تاريخ العالم من قبل أن هناك حركة هجرة بين دول العالم تزيد عن 60 مليون إنسان في توقيت واحد، لذا عكفت على درس حركة الهجرة من أجل فهمها وفهم ما حرّك هذه الملايين للهجرة، ولأول مرة في حياتي أذهب إلى الصومال حيث التقيت بشاب، وهو بطل روايتي الرابعة ‘المستقبل العظيم’ أو ‘الضوء القادم’ التي صدرت منذ أيام بالإيطالية وتتم ترجمتها وإصدارها بالعربية عن منشورات المتوسط، حكى لي قصته وهي قصة مليئة بالأحداث والتفاصيل والمآسي، وقد رأيت فيها كشفا وفضحا للحروب الدامية خاصة تلك التي وقعت في الصومال ودفعت الشعب إلى الهجرة، فإنسانيا الحرب في الصومال هي مقياس لما يحدث من حروب في مختلف أرجاء العالم، وخلال صحبتي لهذا الشاب عرفت قصة ‘سامية’ بطلة رواية ‘لا تقولي إنك خائفة’ وهي الرواية الثالثة التي نحتفي بترجمتها العربية الآن والتي صدرت عن دار منشورات المتوسط، فعندما عرفت قصة سامية، ألهمتني بعمل روائي حولها، شعرت أن القصة فيها من القوة التي تساعد الأدب نفسه على فهم إشكاليات ومآسي الهجرة، ذهبت مباشرة للقاء عائلتها للتعرف على تفاصيل تاريخها، وبدأت أكتب على لسانها الرواية”.

توثيق وكتابة

ويؤكد كاتوتسيلا أنه يعمل على رواياته كأنه يعمل على عملية وثائقية، “أدرس وأبحث وأجمع الوثائق والدراسات وأفرزها وأذهب إلى الأماكن التي شهدت الأحداث، حتى لأبدو أنني أعيد صياغة وترتيب الحقائق من خلال التفاصيل، والذي صار معي كأنه معجزة لأنني أعرف تماما أن الكثير من قصص المهاجرين تمت معالجتها في العديد من الأعمال الأدبية والسينمائية، لذا فإن النجاح الذي حققته الرواية كان مفاجأة بالنسبة إليّ، فقد صدرت هذه الرواية عام 2014 عن دار النشر الإيطالية فلترينيللي وهي أحدى أكبر دور النشر الإيطالية وأعرقها. وفي غضون شهور قليلة بيعت منها أكثر من مائة ألف نسخة في ظاهرة غريبة عن حركة بيع الكتاب في إيطاليا، ثم حازت الرواية على جوائز أدبية قيّمة من أهمها جائزة ‘كارلو ليفي’ الأدبية وجائزة ‘لوستريغا’، أهم وأعرق جائزة أدبية في إيطاليا، للأدباء الشباب. وسريعاً تُرجمت الرواية إلى كل اللغات الأوروبية ثم العالمية، وحصلت على ثناء ملحوظ في الأوساط الثقافية الأميركية. وحالياً جاري العمل لتحويلها إلى فيلم سينمائي”.

ويقول كاتوتسيلا “لم أخش أن يؤثر على رؤيتي كروائي طريقة عملي التوثيقية بشأن المادة الخام للرواية، إنني أنطلق من الواقع وعمليا أشتغل علي مرحلتين أساسيتين في عملي الروائي، الأولى عمليا مرحلة صحافي باحث عن الحقيقة، أبحث عن الوثائق والمعلومات، أجمعها وأعيد ترتيب الأحداث، وأكتبها كعمل صحافي مئة بالمئة، وبعدها تبدأ المرحلة الثانية الكتابة الأدبية حيث تتحول الوثائق والمعلومات والأحداث الحقيقية إلى قصة فنية متخيلة، فشغلي الأساسي هو تحويل الواقع إلى عمل روائي متخيل، فقدرة المتخيل الإنساني على ملامسة الإنسان أقدر من الواقع. ومن ثم لا خوف من الخلط أو الوقوع في ‘الصحفية’ إذا جاز التعبير”.

منح الصوت للمرأة

ملهمتي سامية

وحول قصة بطلته سامية يضيف “كنت ذاهبا إلى الصومال لالتقاء ذلك الشاب الصومالي لكي أكتب قصته، لكني أحسست أن قصته تحتاج إلى وقت وجهد وعمل، في الوقت الذي كانت فيه قصة سامية تلهمني طاقة روحية عالية وتدفعني دفعا للعمل عليها فورا، وعموما عدت لقصة الشاب وظللت أعمل عليها لمدة أربع سنوات وأخيرا كتبتها لتصدر رواية ‘المستقبل العظيم’ منذ أيام بالإيطالية”.

ويرى كاتوتسيلا أن اللعبة الأساسية في رواية “لا تقولي إنك خائفة” تتمثل في منح الصوت لامرأة، خاصة أنني التقيت بقصة سامية من خلال عائلتها وأصدقائها ومن كانوا معها في رحلتها سواء منهم من يعيش في إيطاليا أو من يعيش في مقديشو، وسامية هي عداءة صومالية معروفة ومشهورة في الصومال وصلت إلى مونديال بكين لكنها لم تحقق النجاح، لكن ظلّ حلم الركض حلما أساسيا في حياتها، بعد عودتها إلى مقديشو استولت حركة الشباب الصومالية على الحكم، فأرادت أن تشارك في أولمبياد لندن، وكان من الصعب أن تخرج مع حكم حركة الشباب التي أدخلت الصومال كلها في دوامة من الصراعات والحروب الدامية، فقررت أن تهاجر إلى إيطاليا ومنها إلى لندن للمشاركة بالأولمبياد، واختارت أن تقوم بالرحلة مشيا على الأقدام 800 كيلومتر وأثناء إبحارها في القارب تموت. لقد جمعت كل المعلومات والوثائق الخاصة بسامية إلى جانب شهادات عائلتها، وهؤلاء الذين رافقوها في رحلتها ووصلوا إلى إيطاليا، ولقد تتبعت خط سيرها دون أن أترك أيّ معلومة تخصها، ثم بدأت كتابة الرواية.

ويلفت جوزِبِّه كاتوتسيلا إلى أنه على الرغم من أن الرواية ترجمت إلى أربعين لغة إلا أن ترجمتها للغة العربية تشكل له سعادة أخرى، حيث أن بطلتها عربية ومن ثم اكتملت للرواية رسالتها الإنسانية بقراءتها بالعربية.

كاتب من مصر

14