كاثرين آشتون.. زعيمة مجلس اللوردات دخلت تحت قبته بلا انتخابات

السبت 2013/11/23
سليلة عمال الفحم تحمست لربيع العرب

لندن- كاثرين آشتون، ذات الملامح الحادّة التي يمكن أن يقرأ فيها الناظر تاريخا مضى على أوروبا العتيقة، ويمكن لبعض الخيال أن يعيد رسم ملامحها في القرون الماضية وهي تعمل في مهنة أجدادها عمّال مناجم الفحم الإنكليز، رأس الحربة في السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي المتقدّم كقوى موازية، متوارية حيناً، تابعةً حيناً، ومخترقة في أحيان أخرى، أمام الهيمنة الأميركية التاريخية على ربع القرن الماضي، الوحيدة بين النساء والرجال من السياسيين التي دخلت مجالات لم تكن تعرف عنها شيئاً، ولم تكذب في إعلانها جهلها بالاقتصاد والسياسة، ولكنها مع ذلك حازت ثقة البرلمان الأوروبي عدة مرات، وتحوّلت إلى واجهة قوية لمؤسسات الاتحاد.

وقد ولدت كاثرين مارغريت آشتون في مانشستر البريطانية في آذار- مارس من العام 1956، بعد11 عاماً من توقف المدافع ما بين الأوروبيين أنفسهم في الحرب العالمية الثانية.

ورأت أمام ناظريها صعود نجم المرأة الحديدية ثاتشر، وخروجها في آخر المطاف تاركة الساحة للشباب، ورأت كيف تبدّلت أمواج السياسة الدولية في البحار المحيطة بأوروبا. ففي طفولتها اشتدّت حرارة الحرب الباردة ما بين قطبي العالم موسكو وواشنطن، ثم وهي على أعتاب الحياة العملية انهار الاتحاد السوفيتي، وتوسّعت أوروبا.

وأعلنت الوحدة النقدية، وفتحت الحدود، وتراجعت بريطانيا التي لم تكن تغيب عنها الشمس إلى جزيرتها الصغيرة، بينما تقدّم الأميركيون ليحلّوا محل الكولونيالية الإنكليزية في مناطق حساسة من العالم، وعلى رأسها الشرق الأوسط، حيث خرائط الإرث البريطاني الفرنسي، وخطط أوروبا العتيقة التي لم تقطف ثمارها بعد.

تم تصنيف آشتون في العام 2013 على أنها واحدة من 100 امرأة الأكثر نفوذا في بريطانيا


بارونة من العالم القديم


وحين قال الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش إن أوروبا هي العالم القديم، فقد كان يعني ما يقول، وهو أكثر الرؤساء الأميركيين تسرّعا في التصريحات، مما كان يسهّل قراءة عقله وما يخفيه من خلال مؤتمراته الصحفية وخطاباته، كانت أوروبا في تلك اللحظة قد أصبحت في الغابرين، عجوزا لا يكاد يعطيها السيّد الأميركي فتاتا مما يحصده من نصف الكرة الجنوبي.

وفي الوقت ذاته كان على موظفي الاتحاد الأوروبي الكبار العمل من أجل توطيد الكيان وترسيخ الوحدة على أكثر من صعيد، بينما كانت كاثرين المتعلّمة الوحيدة من أسرتها وأول امرأة فيها تدخل الجامعة، تلك العائلة التي تفاخر بكونها عائلة من عمّال المناجم، أقسى الأعمال في الغرب وأكثرها قربا من عوالم الصناعة التي خلفت نهضة أوروبا، من هذا المناخ بدأت كاثرين شقّ طريقها وسط الممرات السياسية الصعبة، فدرست السوسيولوجيا في لندن، وتعمّقت في تحليل مشكلات المجتمعات، وحصلت في العام 1977 على البكالوريوس في العلوم الاجتماعية، بعد أن درست في كلية التعدين والتقنية في ويجان، واختارت منذ بداية حياتها المهنية العمل في الملفات الصعبة والخطرة، فكانت عضوا في حملة منع انتشار السلاح النووي، في بداية الثمانينات، ثم أمينا للصندوق الوطني، ثم تقدّم حزبها، حزب العمّال البريطاني، بطلب ترشيحها لعضوية مجلس اللوردات، فحصلت على لقب "البارونة آشتون أوف أفولاند"، وصارت عضوا في المجلس دون أن تخوض أية انتخابات، حتى وصلت إلى الخارجية البريطانية كوكيل لوزارة الخارجية من باب المسؤوليات والمهام التعليمية، في العام 2001، وتولت آشتون لست سنوات رئاسة مؤسسة "بيزنس إن ذا كميونيتي"، التي أنشأها ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز للتشجيع على الأعمال الاجتماعية، بالتزامن مع توليها إدارة اللجنة الصحية في منطقة هرتفودر شاير بين عامي 1998 و2001.

حينها تم تكليف آشتون بمنصب وزيرة دولة للتربية، ولم تترك موقعها في وزارة التربية كنائب للوزير إلا بعد أن تدخلت في الكثير من القضايا التي تهمّ الأسرة والطلاب البريطانيين، مثل سياسات المدارس وحظر ضرب الأطفال.

ندّد رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" بتصريحات آشتون بعد أن ذكرت أطفال غزّة وسوريا واتهمها بتجاهل الأطفال الإسرائيليين

وفي العام 2004 تولت حقيبة وزارة الشؤون الدستورية فانتقلت إلى حقوق الإنسان والمساواة والعدل، ثم اقتربت أكثر من الدائرة القوية في البلاد فأصبحت عضوا في مجلس الملكة الخاص"PC" في أيار/ مايو من العام 2006، وبفضل تواجدها النشيط في الحياة العامة البريطانية ولمعان نجمها، فقد رشحها رئيس الوزراء البريطاني في العام 2007 لتكون رئيسة للوردات، ثم قفزت سريعاً إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي المظلة الأوسع من السياسة المحلية الإنكليزية، لتصبح المفوضة التجارية للاتحاد في العام 2008، فقطعت عملها وطلبت إجازة مفتوحة من مجلس اللوردات، الذي طرحت فيه أخطر سؤال يكسر العقل البريطاني المحافظ، وهو سؤال المساواة بين المواطنين، لتتمكن من الالتحاق بعملها الجديد في بروكسل.

وقد انتبه جمهور المحافظين البريطانيين إلى صعود كاثرين آشتون في الساحة السياسية، ولذلك فقد عارضوا تعيينها في منصب المفوض التجاري، وقالوا إنها لا تملك الخبرات الكافية، وقد اعترفت هي بذلك، ولكن تم اعتمادها من قبل لجنة التجارة في البرلمان الأوروبي لتولي الحقيبة الحساسة، وبعد سنة واحدة فقط وفي العام 2009 رُشّحت لتكون الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، وبموجب معاهدة لشبونة، فإن حامل هذا المنصب يجمع بينه وبين منصب نائب رئيس المفوضية الأوروبية، وكانت أول امرأة تتقلّد هذا المنصب.

ومع ذلك فقد واصلت الإيكونوميست وصفها بأنها قليلة الخبرات، وانتقدت الصحافة البريطانية غموض صعودها، خصوصا وأنها كانت من فريق توني بلير المثير للجدل، ولكن وجدت آشتون من يدافع عنها في كلّ مرة من كبار السياسيين البريطانيين والأوروبيين، وانتشرت عبارات تقول:"يقلّل الناس من أهميّة كاثرين ولكنها تملك سرا خاصا في القدرة على الإقناع، وهي مخاتلة وماكرة" وكتبت عنها صحيفة الغارديان "Cathy just got luck" بينما ذكّرتها هيئة الإذاعة البريطانية مرارا بأنها تحاول نسيان جذورها والظهور بمظهر الشخص الناجح، ولكنها لم تأبه بذلك كلّه، وبدأت بتمثيل حكومات الاتحاد الأوروبي في المحافل الدولية، والطيران من عاصمة إلى أخرى في الخارطة الكونية، لتثبت حضور الاتحاد.
شنت آشتون حملة واسعة لتطبيق العقوبات الاقتصادية الأوروبية ومواصلة حصار نظام بشار الأسد، ورثت الناشطين والصحفيين الذين يقتلون تحت قصف قواته


كاثرين آشتون وربيع العرب


تحمّست آشتون لفيضان الجماهير في الشوارع العربية، وانطلقت منذ بداية العام 2011، لتساعد على ترتيب الضفة الشمالية للبحر المتوسط، لتكون متواءمة مع الظروف المتغيرة في ضفته الجنوبية حيث شمال أفريقيا والثورات، فصرّحت من تونس قائلة "أتطلع إلى التعاون مع شعب تونس على مدى السنوات المقبلة.. شكرا جزيلا"، ودافعت عن موقف الحكومة التونسية الجديدة، ورفضت تصريحات وزير الخارجية الإيطالية رومانو برودي الذي عرض إرسال شرطة إيطالية إلى تونس لمنع تدفق اللاجئين، واعتربت أن تصريحات كهذه لا تصنع علاقات استراتيجية، ثم أعلنت آشتون عن دعمها للتحولات الديمقراطية في ليبيا، وسارعت لافتتاح مكتب للاتحاد الأوروبي في بنغازي، قبل سقوط القذافي، وقدّمت الدعم للمجلس الوطني الانتقالي الليبي بقيادة مصطفى عبدالجليل، وكانت أكثر الأطراف تشدّدا من أجل الحصول على إجماع سياسي من كافة دول الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على نظام بشار الأسد بعد تعمّده استخدام العنف والرصاص الحيّ مع بداية الثورة السورية، بل إنها حرصت على الحضور في كل تفصيل صغير من يوميات الناشطين السوريين.

فقالت في بيان رسمي تعليقا على مقتل أحد الصحفيين السوريين بقصف لقوات الأسد:"تلقيت بمزيد من الحزن نبأ مقتل أحمد شحادة، لقد قتل على إثر قصف صاروخي في مدينة داريا بريف دمشق حيث كان يعيش، لقي حتفه بينما كان يقدم مساعدة إنسانية لسكان داريا، لقد كان أحمد معروفا بشجاعته ونكرانه لذاته" وكان شحادة يعمل مديرا للتحرير في جريدة "عنب بلدي" المؤيدة للثورة السورية والتي يصدرها الناشطون في داريا بريف دمشق، وفي مصر كان لآشتون ملعبها الذي خوّلها من اختراق الحاجز العسكري وزيارة الرئيس المعزول محمد مرسي في محبسه، وخرجت من اللقاء لتضبط تصريحاتها قائلة:"إنه بخير..ولن أقول أكثر من هذا" قبل أن تثير ضجّة إعلامية بقطعها للمؤتمر الصحفي المشترك مع نائب الرئيس المستقيل محمد البرادعي بحجة تأخرها عن موعد طائرتها.

تتصرّف آشتون اليوم ببراعة نادرة، وتعلم أن خلفها التاج البريطاني في الثقافة السياسية السائدة، ضامّةً إليه كبريات الدول الأوروبية التي جعلتها مسؤولة السياسة الخارجية والأمن، وهما أكثر الملفات ضربا على الذهن الشعبي لدى الرأي العام الأوروبي اليوم إلى جانب الملف الاقتصادي، ولكن آشتون لم تتصرّف وفق المستجدات الراهنة فقط، بل ذهبت إلى تطوير علاقات الاتحاد الأوروبي مع من تسميهم الشركاء الاستراتيجيين كالولايات المتحدة وروسيا والصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا، كما دعمت عملية "أتلانتا" قبالة سواحل الصومال، العملية العسكرية الأوروبية التي هدفت إلى الحد من مخاطر القرصنة على طريق السفن التجارية الأوروبية، وخاضت عشر جولات من المفاوضات في 24 نيسان/ أبريل من العام الجاري 2013، بهدف تطبيع العلاقات بين صربيا وكوسوفو مع كلٍ من رئيس الوزراء الصربي إيفيكا داسيتش وهاشم تاتشي رئيس وزراء كوسوفو.

ذكرتها هيئة الإذاعة البريطانية مراراً بأنها تحاول نسيان جذورها والظهور بمظهر الشخص الناجح


فتح الملفات القديمة


وجّهت اتهامات لكاثرين آشتون بعد البحث في ماضيها تتعلق بدورها أثناء حملة نزع السلاح النووي، وتردّد أنها تلقت أموالا من الاتحاد السوفيتي وقتها، وتم تقديم طلبات رسمية إلى باروسو رئيس المفوضية الأوروبية للتحقيق في الأمر، وفي العام 2010 خذلت آشتون الأوروبيين الذين توقعوا أن تقوم بزيارة إلى هايتي إثر الزلزال الذي ضرب الجزر وقتها. وتتصرّف البارونة آشتون كموظفة صارمة في مهمّة محدّدة وتغلق هاتفها في تمام الساعة الثامنة من مساء كل يوم، ولا تتلقى أية اتصالات خارج أوقات العمل، وقد استمرّت في صعودها رغم تصنيفها في أدنى سلّم المسح الوظيفي لأداء المفوضين الأوروبيين في العام 2010، فتم منحها الدرجةE" "، أما الصحف المتعاطفة مع إسرائيل فقد شنّت حملةً شرسة على آشتون بعد تصريحها في مارس/ آذار من العام 2012 الذي قالت فيه:"عندما نفكر في ما حدث في تولوز اليوم، عندما نتذكر ما حدث في النرويج قبل عام، عندما نعرف ما يحدث في سوريا، عندما نرى ما يحدث في غزة وفي أجزاء مختلفة من العالم، فإننا نتذكر الشباب والأطفال الذين يفقدون حياتهم" وكانت تتحدّث إلى فتيان فلسطينيين في الأونروا، فنقلت الصحافة أنها لم تذكر "سديروت"الإسرائيلية بالمقارنة مع ما يحدث في غزّة، ووصل الأمر برئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" إلى حدّ التنديد بكاثرين آشتون بعد تصريحها ذاك.

تعيش آشتون اليوم في لندن وتعمل في بروكسل، وكأم إنكليزية تقليدية تسهر على أبنائها الثلاثة، لتختفي خلف جدران المنزل المحافظ مع زوجها بيتر كلينر، وتستعدّ لمواصلة الصعود لتكون امرأة بريطانيا الحديدية الجديدة.

14