كارثة الصحافة بانهيار وظيفة حارس البوابة

الحقيقة تحتاج وقتا أكبر من الأخبار الكاذبة للوصول إلى الجمهور، ومستخدمو الإنترنت غير بارعين في تقصي الحقائق.
السبت 2018/07/14
الإعلام أمام هجمة غير مسبوقة

واشنطن - انتشرت الشائعات والأخبار الكاذبة بشكل واسع قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016 وقبل الاستفتاء على بريكست في المملكة المتحدة، وأصبح هذان التاريخان بمثابة نقطة انطلاق لمصطلح الأخبار الكاذبة، لكن الواقع أن الشائعات قديمة قدم الصحافة نفسها وكثيراً ما لعبت المؤسسات الإعلامية ذات السمعة الطيبة دور “حارس البوابة” حرصاً على نشر أنباء موثوق بها.

ودق انتشار الشائعات والأخبار غير الصحيحة ناقوس الخطر لدى وسائل الإعلام التقليدية التي باتت تعطي الأولوية لترسيخ مصداقيتها من خلال دور ريادي في حملة التصدي للتضليل الإعلامي، وقد يكون عامل جذب لجمهور يسعى إلى الحصول على أخبار من مصادر موثوقة.

وعززت المنظمات الإعلامية الكبرى التي تقيم في كثير من الأحيان شراكة مع شركات التكنولوجيا الكبرى وشبكات التواصل الاجتماعي من عمليات التدقيق وتقصي الحقائق وغيرها من الخطوات لدعم الصحافة القائمة على الحقائق.

ولكن هذه الجهود تعقدت بسبب الهجمات المتواصلة على وسائل الإعلام التي يشنّها الرئيس الأميركي دونالد ترامب وغيره ممن يميلون إلى تصنيف أي تغطية غير مواتية لهم على أنها “أخبار كاذبة”.

كما أن دور المنظمات الإعلامية بات يواجه صعوبات وتحديات جمّة في عصر الإنترنت الذي يتيح انتشار الشائعات والأخبار الكاذبة بسرعة وعلى نطاق واسع لتخلف في بعض الأحيان نتائج مأساوية.

حجم انتشار المحتوى على نطاق واسع، يتزايد بسرعة كبيرة بغض النظر عما إذا كانت المعلومات التي يحتوي عليها صحيحة

ومن الأمثلة المرعبة ما حدث في الهند حيث انتشرت إشاعة على “واتسآب” تحذر من أن 300 شخص نزلوا إلى ولاية غوجارات وأنهم عازمون على خطف وبيع الأطفال، الأمر الذي تسبب بهجمات غوغائية مميتة.

وقال جون هكسفورد، أستاذ الصحافة في جامعة ولاية إلينوي، “أصبحت الأمور أسوأ بكثير مع وسائل التواصل الاجتماعي لأنها سهلت على غير الصحافيين تجاوز حراس البوابة المحررين وبات أي شخص قادر على نشر أي شيء مهما كان متحيزاً أو غير دقيق أو ملفقا”. وأضاف “كان دور حارس البوابة الذي تتولاه الصحيفة لتقرر ما هو خبر وما ليس خبراً دائماً مثيراً للجدل، لكننا نرى الآن إلى أي مدى يمكن أن تسوء الأمور عندما تنهار هذه الوظيفة”.

لقد عززت شركات الإنترنت، بعد ترددها في البدء في تعريف نفسها على أنها “وسائل الإعلام”، الجهود الرامية إلى تحديد الأخبار الكاذبة واعتماد الأخبار والمقالات التي تأتي من مصادر “موثوقة”. وأفاد تقرير صدر في مارس 2018 عن مركز تاو للصحافة الرقمية بجامعة كولومبيا الأميركية أن “شركات التكنولوجيا بما في ذلك أبل وغوغل وسناب تشات وتويتر وفيسبوك على وجه الخصوص تولت معظم وظائف المؤسسات الإخبارية وأصبحت لاعبا رئيسيا في عالم الأخبار سواء أرادت ذلك الدور أم لم ترده”.

وأظهرت العديد من الدراسات أن الأخبار الملفقة والتي غالباً ما تكون أكثر إثارة من المعلومات الحقيقية تنتشر بسرعة أكبر على الإنترنت نظراً إلى إتاحة الانتشار السريع والواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وأفاد تقرير صدر هذا العام عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن “الأخبار السياسية الكاذبة انتشرت بصورة أعمق وعلى نطاق أوسع، ووصلت إلى عدد أكبر من الناس وكانت أكثر انتشاراً من أي فئة أخرى من المعلومات الكاذبة”.

وتقصى باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا 126000 شائعة نشرها ثلاثة ملايين شخص ووجدوا أن عدد الأشخاص الذين وصلت إليهم الأخبار الكاذبة كان أكبر ممن تلقوا الأخبار الصحيحة.

ووجد التحليل أن الحقيقة احتاجت وقتاً أكبر بستة أضعاف من الأخبار الكاذبة لتصل إلى 1500 شخص.

وكتب الباحثان في جامعة أوكسفورد سامانثا برادشو وفيلب هوارد “إن الحجم الذي ينتشر فيه المحتوى ‘على نطاق واسع’، بالإضافة إلى السرعة، يتزايد بسرعة كبيرة بغض النظر عما إذا كانت المعلومات التي يحتوي عليها صحيحة أم لا”.

وقال هكسفورد إن العديد من مستخدمي الإنترنت ليسوا بارعين في التمييز بين الأخبار الملفقة والصحيحة وهذا يجعل دور المنظمات الإخبارية الرئيسية أساسياً.

وأضاف “من هنا نفهم مدى الضرر الذي يتسبب به ترامب عندما يصم عن غير حق وسائل الإعلام الرئيسية بأنها ‘أخبار كاذبة’. هذا يعني أنه في الوقت الذي يوجد فيه الكثير من التلفيق والأكاذيب التي تحوم في الأجواء من كل حدب وصوب، يجري تقويض مصداقية مصادر الأخبار الأكثر موثوقية”.

ورأت وسائل الإعلام في بعض الإشارات مدعاة للأمل مثل تزايد الاشتراكات الرقمية لدى نيويورك تايمز وواشنطن بوست. لكن العديد من المؤسسات العريقة مثل الصحف المحلية تعاني مع التحول إلى المنصات الرقمية.

المؤسسات الإعلامية أمام تحدّ كبير لإثبات مصداقيتها وكسب ثقة الجمهور

وقد يواجه الصحافيون أخطارا جديدة في البيئة الحالية وهم في بعض الحالات عرضة لهجمات القادة السياسيين حتى عندما يحاولون كشف المعلومات الخاطئة.

وفي البرازيل، تعرضت جمعيتا “لوبا” و”أوس فاتوس” لتقصي الحقائق واللتان عقدتا شراكة مع فيسبوك للحد من الأخبار الملفقة، تهديدات ومضايقات، حتى أن بعض المجموعات اتهمتها بالتحيز الأيديولوجي.

من ناحية أخرى، ألغت الحكومة الفلبينية ترخيص موقع “رابلر” الذي انضم أيضاً إلى جهود تقصي الحقائق ضد الرئيس رودريغو دوتيرتي.

وفي حين تحظى الصحافة في الولايات المتحدة بحماية دستورية واسعة، يقول البعض إن هجمات ترامب تترك تأثيراً. وبعد الهجوم المميت على غرفة أخبار في أنابوليس بولاية مريلاند، قال أحد الكتّاب البارزين إن هجمات ترامب مهّدت الطريق للعنف ضد الصحافيين.

وقالت جينيفر روبن الكاتبة في واشنطن بوست في مقابلة مع شبكة “اتش بي أو”، “إنه يسمّينا أعداء الشعب ويقول إننا لسنا وطنيين ولا نحب بلدنا ثم نفاجأ عندما يحمل أحدهم السلاح ليقتلنا”.

ومع اتساع انتشار الأخبار الملفقة على مستوى العالم، بالمثل اتسع نطاق تقصي الحقائق مع وجود 149 مبادرة تعمل الآن في 53 دولة، وفقا لمختبر مراسلي جامعة ديوك.وعقدت شركة فيسبوك شراكات لتقصي الحقائق مع 25 مؤسسة بما في ذلك وكالة فرانس برس في 14 بلدا لوقف انتشار المعلومات المضللة.

ولكن حتى تقصي الحقائق له حدوده وسيستمر بعض الأشخاص في تصديق المعلومات الزائفة بغض النظر عن جهود التقصي والتحقق، مثلما أظهرت بعض الدراسات.

وفي أواخر العام 2016، أطلق مسلح النار في مطعم للبيتزا في واشنطن على أساس الاعتقاد الخاطئ بأنه كان موقع عصابة تستغل الأطفال جنسياً تم ربطها بهيلاري كلينتون. ووفقا لمغالطة أخرى واسعة الانتشار، قال 51 في المئة من الناخبين الجمهوريين في استطلاع حديث إنهم يعتقدون أن الرئيس السابق باراك أوباما ولد في كينيا.

وأظهر استطلاع أجراه مركز “بيو” للأبحاث في العام الماضي أن ثلثي البالغين في الولايات المتحدة يقولون إن قصص الأخبار الملفقة تسبب الكثير من الالتباس حول الحقائق الأساسية المتعلقة بالقضايا والأحداث الراهنة.

ووجد الاستطلاع أيضًا أن 23 بالمئة قالوا بأنهم شاركوا قصة إخبارية ملفقة مع أن ما يقرب من نصف هؤلاء قالوا إنهم كانوا يعرفون أنها كاذبة في ذلك الوقت.

18