كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال

الجمعة 2017/07/14

حين غزت الولايات المتحدة العراق واحتلته عام 2003 كان كل شيء واضحا. دولة عظمى تقوم بمهاجمة دولة صغيرة أضعفها حصار دولي استمر ثلاث عشرة سنة وعرّضها للهلاك ونسف قدرة شعبها على المقاومة.

بعد أن استتبت لها الأمور في العراق ذهبت الولايات المتحدة إلى مجلس الأمن لتقر أن ما فعلته في العراق هو احتلال وتستصدر قرارا يسميها دولة احتلال ويضع العراق تحت إمرتها.

ما فعلته قواتها وشركاتها الأمنية بعد ذلك كان طبيعيا على صعيد ما يحمله من شحنة احتقار وكراهية وإذلال واستعلاء واستخفاف بعقول ودماء وشرف وممتلكات العراقيين وكرامتهم وحقوقهم.

كانت العدوانية الأميركية تعبيرا عن روح الغزو. وهو ما يمكن فهمه في سياق المعادلة القذرة التي تسند إلى القوة كل شيء.

كارثة الاحتلال كانت واضحة المعالم. لم يكن الأميركيون، وهم المعفيون من المساءلة القانونية بسبب القوة، مضطرين إلى أن يقدموا سجلا بما ارتكبوه من جرائم ضد الإنسانية في العراق. وما لم تتغير تلك المعادلة فإن جريمة الاحتلال ستظل مسألة ضمير ليس إلا.

أما كارثة الموصل فهي من نوع مختلف تماما. صحيح أن الجريمة نفذت بإشراف أميركي، غير أن أدوات تنفيذ تلك الجريمة كانت عراقية وإن جرى اللعب عقائديا بمقومات الانتماء العراقي لدى منفذي تلك الجريمة.

لا ينفع خلط الأوراق من أجل أن تبدو الحرب على الموصل كما لو أنها مجرد حرب استرداد كان القيام بها ضروريا من أجل المحافظة على وحدة التراب العراقي والقضاء على تنظيم إرهابي تُركت المدينة المليونية له لأكثر من سنتين، يفعل بها ما يشاء. شعارات من هذا النوع هي حمالة أوجه.

الوقائع التاريخية تقول ما يلي: منتصف عام 2014 انسحبت القوات العراقية بأوامر عليا من مدينة الموصل وضواحيها ليُعلن بعد ذلك أن تنظيم داعش الإرهابي قد استولى على المدينة. يومها بث التنظيم فيلما عن الفتح العظيم الذي تحقق له من غير قتال. كان الموكب العسكري الداعشي يتألف من قافلة من السيارات اليابانية ذات الدفع الرباعي، وهي سيارات مدنية كانت تحمل مقاتلين بأسلحة خفيفة. كان عدد أولئك المقاتلين بالمئات.

كان يجب أن تمحى الموصل ويباد جزء من سكانها ليكون الدرس كاملا. كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال لأنها من صنع العراقيين

الأسوأ من ذلك أن الحكومة العراقية اعترفت يومها أن قواتها المسلحة التي انسحبت بطريقة منظمة فيما فر قادتها إلى كردستان، كانت قد تركت كل أسلحتها الأميركية الحديثة في معسكراتها. وهو ما يعني أن تلك القوات قد وهبت داعش تلك الأسلحة. اللافت أن الولايات المتحدة لم تعترض ولم تظهر استياءها بسبب ذهاب أسلحتها إلى العدو الذي يُفترض أنها وضعته في سلة الإرهاب. وحين تصاعدت الأصـوات الشعبية في العـراق مطـالبة بتقديم المسؤولين عن تلك الهزيمة النكراء إلى المحاكمة، لم تبد الولايات المتحدة اكتراثا.

أما حين شعر نوري المالكي وقد كان قائدا للقوات المسلحة المهزومة بإمكانية أن يلجأ خصومه السياسيون من طائفته إلى الانقضاض عليه مستغلين تآمره، فإنه فر إلى إيران ليومين ليعود بعدها أقوى.

أخرست إيران أولئك الخصوم وتواطأ الشعب على نسيان المسألة وخيم الصمت على مصير الموصل، لتستمر العملية السياسية في العراق على سويتها المنحرفة كما لو أن ثلث العراق الذي وقع تحت احتلال داعش كان في أيد أمينة.

لقد كانت الحكومة العراقية تكذب حين ادعت أثناء سنتي العذاب الموصلي المصحوب بشعور العراقيين بالعار أنها كانت تخطط للبدء بمعركة تحرير الموصل. حقيقة أن الموصل تُركت لعذابها من أجل أن يكون ما يجري لها درسا لأي مدينة عراقية ترفض الإذلال والخنوع والتهميش، بغض النظر عن ولاء سكانها المذهبي.

ما جرى للموصل يمكن أن يحدث للبصرة لو عبرت الأخيرة عن رفضها لسياسات الاستعلاء والنهب واللصوصية والفساد والاستقواء بالجماعات المسلحة الذي تمارسه الأحزاب الدينية.

وأخيرا يحق لنا أن نتساءل “إذا كانت تلك الحـرب قـد نتج عنها إلحاق الخراب الكامل بالمدينة وقتل آلاف المدنيين، فإن أسبـوعا على الأقـل أو شهرا على الأكثـر يكفي لجعـل المـوصـل أرضـا محـروقة كمـا هو حالها اليوم فمـا الحـاجة إلى تسعة أشهر من القصف الذي اعترفت جهات كثيرة، من ضمنها قوات التحالف أنه لم يكن دقيقا؟”.

أعتقد أن حرب استعادة الموصل بالطريقة التدميرية التي جرت إنما هي الجزء الأخير المكمل للدرس الذي يجب أن يُلقن للعراقيين. كان يجب أن تُمحى المدينة ويُباد جزء من سكانها ليكون الدرس كاملا. كارثة الموصل أسوأ من كارثة الاحتلال لأنها من صنع العراقيين.

كاتب عراقي

8