كارلا ديل بونتي والبحث عن ميلوسيفيتش الثاني

السبت 2016/02/13
قاضية لا تعير اهتماما لأي حل سياسي محتمل في سوريا

أنقرة - “الاستعانة بهذه الشخصية القوية والمعترف بها، رسالة واضحة تفيد أن القضاء سيُطبّق على المجرمين السوريين”، هكذا عقّب دبلوماسي غربي في الأمم المتحدة على قرار تعيين القاضية السويسرية كارلا ديل بونتي مفوضة في لجنة التحقيق التابعة للمنظمة الدولية حول سوريا، لتبدأ مهمّتها، التي ما زالت مستمرة إلى الآن، منذ سبتمبر 2012.

وفي مسيرة السنوات الأربع تلك، ساهمت ديل بونتي في تحقيقات شكلت أدلة كافية لسوق رأس النظام السوري إلى محكمة العدل الدولية، ورأت أن العدالة ستلاحق بشار الأسد، حتى ولو ظلّ في السلطة، إذا ما تم تحقيق اتفاق لإنهاء الحرب.

بيّنت ديل بونتي أنه ليس هناك ما يمنع من التوصّل إلى اتفاق مع الأسد لوقف الحرب، باعتباره الرئيس حالياً، لكنْ بعد ذلك ستأتي العدالة. مستشهدة بحالة يوغسلافيا السابقة، حيث كان حينها الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش في السلطة عندما جرت مفاوضات سلام في دايتون وتمخضت عن اتفاق. لكنّ العدالة أخذت مجراها بعد ذلك بتقديم ميلوسيفيتش إلى المحكمة الجنائية الدولية، وكأن لسان حالها يقول: نحاور الأسد وصولاً به إلى باب السجن.

سلاح غير موجه

كارلا ديل بونتي محامية ومدعية عامة وسفيرة سويسرية ورئيسة الادعاء العام السابقة للمحكمة الجنائية الدولية التابعة للأمم المتحدة، وعضو لجنة التحقيق الأممية حول سوريا حالياً. تم تعيينها كمدعٍ عام في محكمة الجرائم الدولية في يوغوسلافيا السابقة ومحكمة الجرائم الدولية في رواندا في أغسطس من العام 1999.

ولدت كارلا ديل بونتي في أواخر الأربعينات في لوغانو بجبال الألب. ودرست القانون في بيرن وجنيف وكذلك في بريطانيا، وحازت على الماجستير في القانون العام 1972.

بعد إنهائها دراستها انضمت ديل بونتي إلى شركة محاماة في لوغانو، لتغادرها العام 1975 مُؤسّسة شركة خاصة بها، وانضمت لاحقاً إلى مكتب الادعاء العام السويسري لتحقق في قضايا ضد عصابات الجريمة المنظمة كغسيل الأموال والمخدرات والتجسس والإرهاب في البلاد. هذا الأمر، وما لسويسرا من مكانة مالية عالمية، جعل لوظيفة ديل بونتي مكانة خارج سويسرا لدرجة أن المافيا الإيطالية أطلقت عليها لقب “لا بوتانا” أو “المومس″، لتصير أول شخصية عامة سويسرية تتنقل بسيارة مصفحة ومواكبة أمنية مستمرة.

صورة لونسفور روابوكومو أحد المسؤولين الكبار في رواندا يبكي بعد سماعه بالحكم عليه بالسجن المؤبد بعد إدانته بالمساعدة في مذبحة كنيسة بلدة كيزيجورو التي قتل خلالها 400 شخص فقط من قبيلة التوتسي في أبريل عام 1994.

بعد انتهاء سنين خدمتها الخمس في مكتب الادعاء العام السويسري، انضمت ديل بونتي إلى محكمة جرائم الحرب الدولية في يوغسلافيا السابقة ومحكمة العدل الدولية لجرائم الحرب في رواندا، لكي تتعامل مع مجرمي الحرب كمدعية. واشتهرت بصرامتها الشديدة في عملها لدرجة إطلاق عدد من الألقاب عليها منها “الغستابو الجديد” و”الصاروخ غير الموجه”.

شغلت ديل بونتي منصب سفيرة سويسرا في الأرجنتين، لتستقيل قبل العام 2012 وتتم الاستعانة بها من جديد من قبل الأمم المتحدة، ضمن فريق التحقيق الخاص بجرائم الحرب المرتكبة في سوريا.

إبادة في المعتقلات

إلى جانب زملائها الثلاثة في لجنة التحقيق الخاصة بسوريا، قامت ديل بونتي على مدار السنوات الأربع المنصرمة، بمتابعة حثيثة لملف المعتقلين في سجون النظام السوري، وتتبع الآلاف من حالات القتل والتصفية الممنهجة التي تُوصف بأنها جرائم حرب.

ففي أحدث تقرير لها قالت لجنة التحقيق الدولية الخاصة بسوريا إنه على مدى أربع سنوات ونصف السنة قُتل الآلاف من المعتقلين أثناء احتجازهم. ويغطي التقرير، الذي يحمل عنوان “بعيداً عن الأنظار وفوق التصور: موت في السجن”، الفترة من العاشر من مارس 2011 إلى 30 نوفمبر 2015، ويستند إلى لقاءات مع الناجين والشهود وأدلة جمعها فريق يقوده رئيس اللجنة باولو بينيرو.

ومع أن التقرير لم يخلص إلى تسمية الأشخاص المسؤولين عن حالات القتل الممنهج تلك، إلا أن الإشارة كانت جلية إلى مسؤولية القوات الحكومية عن معظم تلك الجرائم، وكانت عضو اللجنة ديل بونتي قد صرحت منذ التحاقها باللجنة في العام 2012 أنها ستركز على “تحديد الشخصيات السياسية والعسكرية عالية المستوى المسؤولة عن هذه الجرائم”. ويرسم التقرير الأخير صورة قاتمة عن أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز التي تديرها السلطات السورية.

قضايا عديدة ضد عصابات الجريمة المنظمة كغسيل الأموال والمخدرات والإرهاب في سويسرا حققت فيها ديل بونتي. ما جعل لوظيفتها مكانة خارج بلادها لدرجة أن المافيا الإيطالية أطلقت عليها لقب "لا بوتانا" أي "المومس"

مسؤولون كبار

الخبراء المكلفون من قبل “مجلس حقوق الإنسان” لدى الأمم المتحدة أكدوا في تقريرهم أن معتقلين تعرضوا للضرب حتى الموت أو قضوا متأثرين بإصاباتهم أو بسبب التعذيب، وقالوا “هناك أسباب معقولة تدعو إلى الاعتقاد بأن السلوك الموصوف يصل إلى حد الإبادة كجريمة ضد الإنسانية”.

قال التقرير إن هناك عشرات الألوف من المحتجزين لدى حكومة الأسد، وألوف أخرى اختفت بعد اعتقال قوات الدولة لها، أو فُقدت بعد اختطاف جماعات مسلحة لها. وبالاعتقالات الجماعية وقتل المدنيين بما في ذلك عن طريق التجويع وعدم علاج الجرحى والمرضى، تكون القوات الحكومية “ضالعة في جرائم عدة تصل إلى هجوم ممنهج وواسع النطاق على السكان المدنيين”.

هناك أسس قويّة للاعتقاد بأن “مسؤولين كبارا” منهم رؤساء قطاعات ومديريات يديرون مراكز الاعتقال والشرطة العسكرية، فضلاً عن مسؤولين مدنيين كانوا على علم بحالات الموت وبجثث مجهولة الهوية دُفنت في مقابر جماعية.

وترى اللجنة كذلك، وفقاً للتقرير، أن الحكومة السورية “مسؤولة عن جرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والاغتصاب أو غيره من أشكال العنف الجنسي والتعذيب والسجن أو غير ذلك من أشكال الحرمان الشديد من الحرية الجسدية، ما يُشكّل انتهاكاً للقواعد الأساسية في القانون الدولي، والاختفاء القسري وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية”.

ديل بونتي حلّلت ظروف الاحتجاز في سوريا منذ بدء النزاع، وأجرى فريقها مقابلات مع 621 شخصاً بينهم 200 شهدوا على مقتل واحد على الأقل أو عدد من رفاقهم في الزنزانة. ومن بين الوفيات داخل تلك المعتقلات أطفال لم تتجاوز أعمارهم السبعة أعوام. وضرب التقرير مثلاً بوالدي صبي عمره 13 عاماً اعتُقل في مظاهرة في بلدة صيدنايا بريف دمشق، لكنهما رأوه مرة أخرى بعدما أعيد إليهما جثة هامدة مشوّهة، وفي أغلب الأحوال يتولّى حراس السجن تعذيب المعتقلين وقتلهم على مرأى من النزلاء الآخرين.

كارلا ديل بونتي تفخر بإيصال ميلوسيفيتش إلى قفص الاتهام حيث بقي سنوات متنقلا بين السجن والمحكمة والمستشفى، حتى آخر لحظة من حياته.

تفاصيل ديل بونتي تؤكد أنه وفي العام 2014، أجبِر السجناء في دمشق على أن يولّوا وجوههم شطر أحد جدران السجن بينما قام الحراس بركل زميل لهم في الزنزانة في رأسه وجميع أجزاء جسده، وطلب هذا الزميل من رفاقه الآخرين وهو يتقيأ دماً، أن يبلغوا عائلته بما جرى له، “لقد مات”، قالها أحد الناجين للمحققين الأمميين، “أغمضنا عينيه، ولففنا جثّته ببطانية للجيش ثم تلونا آيات من القرآن الكريم سراً”. بينما كانت الوفيات سريعة للغاية، في حالات أخرى.

داعش والنصرة

خلص تقرير المحققين الدوليين أيضاً إلى اتهام مجموعات وتنظيمات مسلحة، تنشط على الأرض السورية، بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. إلا أن ديل بونتي سمّتهم “جناة من المستويات الدنيا والمتوسطة”، في تأكيد على أن قوات الأسد تمثل وحدها المستوى الأعلى في سلم القتل الممنهج المسلط على رقاب المدنيين السوريين.

واتهم التقرير تنظيم داعش بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب عبر إخضاع المعتقلين للتعذيب أو إعدامهم ميدانياً. وأورد التقرير بالحرف أن تنظيم داعش “أنشأ بمشاركة مقاتلين أجانب في كثير من الأحيان، مرافق احتجاز في مناطق عدة تقع تحت سيطرته بما في ذلك محافظات الرقة ودير الزور وحلب، وتعرض المحتجزون لانتهاكات خطيرة تشمل التعذيب والإعدامات الميدانية”.

ولم تكن جبهة النصرة بمنأى عن الاتهامات الواردة في التقرير، فورد فيه “قامت جبهة النصرة أيضاً، وهي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة الأخرى المناهضة للحكومة، بعمليات إعدام جماعية لجنود الحكومة الذين وقعوا في الأسر”.

وتطلب الدول التي ينتمي إليها المقاتلون الأجانب، التعاون مع لجنة التحقيق، والإمداد بالمعلومات المتوافرة لديها، فقد أكدت ديل بونتي أن محققي جرائم الحرب التابعين للأمم المتحدة قدموا مساعدة قضائية للعديد من الدول استجابة لخمسة عشر طلباً للحصول على معلومات بشأن وجود مقاتلين أجانب في سوريا. وأضافت “لدينا بالفعل 15 طلباً، استجبنا لها”. ورفضت ديل بونتي الكشف عن أسماء الدول لكنها قالت بعد ذلك لرويترز “هؤلاء جناة من المستويات الدنيا والمتوسطة لأنهم مقاتلون أجانب، ليسوا من المستويات العليا”.

السياسة في خدمة القانون

في ما يبدو بعيداً عن اختصاصها القانوني، تدلي ديل بونتي بدلوها في بعض الشؤون السياسية المتعلقة بالحالة السورية، ما يثير جدلاً واتهامات أحياناً من هذه الجهة أو تلك، كما تخضع تصريحاتها للاستثمار السياسي والإعلامي. خصوصاً من قبل المنابر الموالية لنظام الأسد، والتي روّجت وأبرزت تصريحات ديل بونتي حول ضرورة التعامل مع الأسد للخروج بحل سلمي للأزمة، متناسين أو مُغيبين نيتها المعلنة بسوقه بعد ذلك إلى محكمة جرائم الحرب. فقد شددت ديل بونتي على ضرورة أن تُعطى الأولوية لوقف الحرب، لكنها عبرت عن أملها في إنشاء محكمة خاصة بسوريا على غرار المحاكم التي أُقيمت لمحاكمة مرتكبي الجرائم التي حدثت في يوغسلافيا ورواندا.

وفي تصريح جديد ولافت، قالت ديل بونتي لإذاعة “آر تي إس” السويسرية العامة، رغم إشارتها إلى أن الروس على ما يبدو لا يفرّقون بالشكل الكافي بين الإرهابيين وغيرهم، “بشكل عام أعتقد أن التدخل الروسي أمر جيد، لأنه وأخيراً هناك جهة تهاجم هذه الجماعات الإرهابية”، مشيرة إلى تنظيم داعش وجبهة النصرة بشكل خاص.

إنها محققة “تريد ترتيب الأمور على طريقتها أياً تكن العواقب”، هكذا قال عنها زميل عمل معها سنين طويلة، وهكذا يمكن القول إنها تسخّر السياسة لخدمة القانون، “العدالة ستلاحق بشار الأسد حتى ولو ظلّ في السلطة”.

13