كارلوس باتيستا: الترجمة تشبه الزواج

المترجم الفرنسي كارلوس باتيستا يؤكد أن "الترجمة في جزء منها عقلانية تستدعي المعرفة، وفي جزء عاطفية تستمد من الحب والخوف".
الثلاثاء 2020/09/29
المترجمون قادة التنوير (لوحة للفنان ساسان نصرانية)

الترجمة باب لمعرفة الآخر، والمترجم مفتاح هذا الباب، ولا يمكن أن تستقيم الحياة وتتطور وتتجدد آفاقها دون معرفة بعضنا البعض إبداعيا وفكريا وثقافيا ودينيا وحتى سياسيا واقتصاديا، وهذا لن يتأتّى دون وجود ترجمة تحقق ذلك التواصل وتعبر بنا لنلتقي ونتحاور ونتناقش ونختلف ونتفق، وحول أهمية الترجمة جاء كتاب “المترجم كاتب الظل”.

يشكل المترجمون شركاء أساسيين في صناعة الثقافة والمعرفة والعلم، وهو الأمر الذي أدركه كبار الأدباء العالميين، وكذلك البلدان الطامحة إلى التقدم، حيث يحتلون لديها موقعا لا يقل أهمية وضرورة عن المبدعين في مختلف المجالات.

هذا ما أكد عليه المترجم الفرنسي من أصل برتغالي كارلوس باتيستا في كتابه “المترجم كاتب الظل” الذي ترجمه وقدم له محمد آيت لعميم، حيث رأى أن “المترجم يكسر الصمت الذي يفصل بين اللغات والشعوب، فبداخله تصير نهاية الكلام بداية، فهو ناقل ومجدد في الآن نفسه”.

الترجمة والزواج

يقول باتيستا “ليس هناك قراءة صحيحة للنص الأصلي وليس هناك تأويل رسمي، فكل صيغة ترجمية هي معادلة شخصية متنوعة مرات عديدة وبطرق متنوعة بما تتيحه المفاهيم المتكاثرة التي يوحي بها العمل

كارلوس باتيستا: كل ترجمة تتطلب تفكّرا عميقا، فهي الاستجابة لمطلبين هما الإخلاص والأناقة، الحرف والروح
كارلوس باتيستا: كل ترجمة تتطلب تفكّرا عميقا، فهي الاستجابة لمطلبين هما الإخلاص والأناقة، الحرف والروح

الأدبي لكل مترجم جديد. ولأن ترجمة الأدب هي نفسها أدب. ومن أجل استثمار الأوجه المتعددة للكلمة نفسها واكتشاف أنه في اللهجة السويسرية، مثلا كلمة ‘الشهاب’ ETOILE FILANTE يقال لها ‘عطاس النجم‘. أو أنه في البرتغالية كلمة SOUDADE تعني زهرة ببتلات بلون أزرق يحتضر تسمى بالفرنسية ‘زهرة الأرملة‘”.

ويلفت إلى أن الكتاب، الذي صدر عن دار ظلال وخطوط الأردنية، يسعى للإمساك بالمظاهر الخاصة لهذه المهمة في شكل نوادر وشذرات من أجل أن يستفيد منه قارئ ويصنع عسله بطريقة مسلية.

ويؤكد باتيستا أن “الترجمة في جزء منها عقلانية تستدعي المعرفة، وفي جزء عاطفية تستمد من الحب والخوف. يتوجه حب المترجم إلى ما هو مخفي في الأصل. تدفعه غريزته السرية إلى أن يكتشف فيه المزيد من الجمال الممكن أو أن يدركه بطريقة جميلة ممكنة أكثر. خوفه، على العكس من ذلك، يود أن يخمن ما الأصلي حقيقة؛ ما يسكت عنه وما يهدف إليه، كي لا يخونه. إذا كان الحب أعمى بالمطلق فإن الخوف نقدي بشكل مفرط”.

ويوضح “الترجمة، هي الجواب على مطلبين يبدوان متناقضين في وقت واحد: الإخلاص والأناقة، الحرف والروح، وبطريقة ما، هذا الزوج الذي يحيل إلى الزوج الذي يميز بين المفهومي والإحساسي: ففي الترجمة، الحرف هو الدلالة المفهومية ‘الاصطلاحية‘ لملفوظ ما، والروح، وبطريقة مفارقة، هي البعد الأساس لهذا الملفوظ، الإيقاع، الأصوات، التلوينات كل الحلية وكل عنصر احتفالي للغة”.

ويقول باتيستا “كان فاليري لاربو يقول: إما أن العمل يختزلنا في قوته، ويستعبدنا ويتطاول علينا، وبتخلينا عن جسده سنرفض روحه، أي معناه الحميم، وسنتحول من مترجمين إلى متلعثمين ومتلجلجين كالتلميذ. وإما أن نغزوه بانتباهنا المرهف والفحولي فنستحوذ عليه، سيكون لنا كله، شحنا ثمينا للروح، وبفرح محتمل يستقبل دائما بطريقة ابتهاجية الملكة السعيدة لساعات قوتنا وصحتنا التامة”.

ويضيف “بما أن الزواج يعني التخلي عن كل النساء، سوى واحدة، فالترجمة، تعني أن نصطفي معنى واحدا ضد كل المعاني الممكنة، معنى منفردا نميزه ويميزنا بالطقس الذي نضفيه عليه. الترجمة لقاء: يأتي الأصل لزيارة قارئ من بلد آخر، وهنا إما أن يحدثه كما لو كان جاره الجنب، أو كما لو أنه صديق بعيد، يتحدث لغة القارئ بطريقة جيدة جدا، لكن بسحر نبرته الخفيفة”.

ويذكر ما قاله ميلان كونديرا في كتابه “فن الرواية”، “ترجمت رواية ‘المزحة’ إلى جميع اللغات الغربية، لكن يا للمفاجأة، في فرنسا أعاد المترجم كتابة الرواية مزخرفا أسلوبي. وفي إنجلترا قص الناشر كل المقاطع التأملية، وأقصى الفصول الخاصة بالموسيقى مغيرا ترتيب الأجزاء، لقد أعاد ترتيب الرواية. وفي بلد آخر، التقيت بمترجمي، وهو لا يعرف حرفا واحدا من اللغة التشيكية، فسألته كيف ترجمت الرواية؟ قال: بقلبي. وأخرج لي صورتي من محفظته. كان لطيفا جدا حتى كدت أعتقد أنه من الممكن أن نترجم بفضل التجاوب القلبي عن بعد”.

وفي كتابه “الكتابة والاختلاف”، قال جاك دريدا “يتمنع الجسد اللفظي عن الترجمة. أو أن ننقله إلى لغة أخرى، هذا ما يجعل الترجمة لا تأبه لذلك، فعدم الاهتمام بالجسد هو الطاقة الجوهرية للترجمة، حينما ترمم الترجمة جسدا، تصير شعرا”.

تلميذ دائم

على المترجم أن يفكر من جديد في ما تخيله الكاتب
على المترجم أن يفكر من جديد في ما تخيله الكاتب

يقر باتيستا أن الكلمات ليست أجسادا مغلقة، مقسمة إلى خانات مثل البيت الوحيد. أو بالأحرى هي كذلك، لكن في الظاهر فقط، وحده جرس الأصوات مأسور، لكن الإيقاع ونبرات الكثافة والتلوينات “دم هذا الجسد”، يمكنها أن تنقل أو تحول “كما نقول عن الرماد” في لغة أخرى تتأثر بها ولا يخرج منها إلا الكثير من الحيوية المشعة.

وكان فيكتور هيغو يقول “المترجم وزان للمعاني على الدوام” وفي رواية سيبنوزية “المترجم صقال للشكوك باستمرار”، وبعبارة طالب في الثانوي “المترجم تلميذ دوما أنفه مدسوس في المعاجم”، وبعبارة ناكح الحيوان “المترجم ناكح الذباب دائما”.

ويوضح باتيستا أن فولتير نفسه كان يقول عن لغة موليير بأنها كانت متسولة معتدة بنفسها، في هذا التعبير هناك إعجاب وحب، لكن أيضا ذكرى الألم الذي منحته له هذه اللغة التي لا تسمح لنفسها لا بالغموض ولا بالإفساد. ويذكر أن آخر ما اقتناه قبيل وفاته بأسبوع هو كتاب في النحو. هل كان ذلك بسبب إصلاح فرنسيته، أو على أمل أن النحو سيشفيه من الكآبة؟ أليس هذا الكتاب هو الذي قتله بإسقاطه في الكآبة السوداء.

ويلفت إلى أن “كل ترجمة تتطلب تفكّرا عميقا جدا أكثر من الإبداع وأكثر عفوية. إنه الفعل الأدبي بامتياز: يجب على المترجم أن يفكر من جديد في ما تخيله الكاتب. بهذا الصدد، قال شيورون: المؤلف لا يحمل على الدقة، لكن المترجم يجب أن يكون دقيقا، وهو أيضا مسؤول على نقائص المؤلف. إني أضع مترجما جيدا فوق كاتب جيد”. ويستذكر كتاب “اللغة ومضاعفها” الذي يقول فيه جوليان كرين “يتوجب علينا تجديد معجزة القديس جيروم أو أن نستودع كل كتاب عند كاتب من نوع خاص. هكذا يمكن أن نحصل على إنجيل حيث كلوديل، بلوى، رامبو، مثلا، سيعطي كل واحد صيغة للكتاب الأكثر قربا من مزاجه. سيكون معلمه للغة الفرنسية. فالترجمات الجديدة هي التي تهم وقليلا ما يهم الأصل”.

ويذكر باتيستا وضعيات متخيلة حول الترجمة منها مثلا كيف طرقت مترجمة عاشقة باب كاتبها: سألها من الطارق؟ قالت: أنا، قال: البيت لا يسعني أنا وأنت. انصرفت المترجمة وراحت تتأمل في المكتبات، وفي حانات الليل، بعد مضي بضعة أشهر، عادت من جديد لتدق باب كاتبها المفضل، سأل: من الطارق؟ قالت: أنت، إذاك فقط فتح الباب.

يضيف “قال مترجم وسيط روحي: لا يمكن ترجمة روح النص الأصلي ما لم نلج ما وراء الحرف، هذا يفترض حاسة شم لما وراء الكلمة: استشعار ما ينتسج وراء ظهرها. وكان يقول أيضا: ينبغي للترجمة أن تكون مخلصة جدا كي تنعش القلب، وخائنة جدا لتغري العقل”.

14