كارلوس ليسكانو: كنت مدفوعا للكتابة من خلال قراءة الكتب الرديئة

الاثنين 2013/09/16
ليسكانو: كل كاتب هو ابتكار

أصبح كاتبا بعد قضاء ثلاث عشرة سنة من الاعتقال بسجون النظام الدكتاتوري بالأوروغواي. منذ ذلك الحين و كارلوس ليسكانو (Carlos Liscano) يؤلف أعمالا متفردة : قصصا وروايات وحكايات وأحاجي ومقالات ومسرحيات، تمتزج فيها تجربته الشخصية وبرغبته في الحرية.

وجوده بمهرجان كوليبري بمارسيليا الفرنسية، كان مناسبة استغلها العديد من الصحفيين لإجراء حوارات مع هذا الكاتب اللاتينو-أمريكي رفقة مترجمته الفرنسية جان ماري سان لو. تلك الحوارات مع وسائل الإعلام الفرنسية، جعلتنا نقف على عدة جوانب من سيرة الكاتب ونقترب من التجربة التي جعلت منه مبدعا.

من خلال توطئة بكتابه "ذكريات الحرب الأخيرة" يذكر الكاتب أنه منذ سنة 1980، حين كان بمعتقل "ليبرتار" حيث احتجزه النظام الدكتاتوري بالأوروغواي، لمدة ثلاثة عشر عاما، اكتشف أنه أصبح كاتبا. في تصريح للصحفية يان نيكول يقول: ‹‹العزلة في أي معتقل شأنها شأن سجن ليبرتار، تجعل من السهولة بمكان أن نصاب بالهذيان.

الوحدة والصمت المخيم وغياب العلاقات الإنسانية، كلها عوامل قد تؤدي إلى الهذيان، وهذا مستحب لحماية النفس من الواقع. ومن ثم يسهل على المرء أن يتخيل نفسه قديسا أو نبيا. أنا، تخيلت نفسي كاتبا ولم أكن قد نشرت آنذاك أي عمل.

سنة 1981، حين بدأت أكتب، كنت قد قضيت ثماني سنوات بالسجن. لقد كنت في عزلة شديدة، لم يكن هناك لا نور ولا ماء، لا شيء للكتابة، لم أكن أحدث أحدا، فقررت كتابة رواية ذهنية، وقد كان ذلك هذيانا، لكنه أيضا كان سبيلي إلى الهروب من الجو المضني للمعتقل".

أريد آلة كاتبة

"بعد عدة أشهر، حين تمكنت من الحصول على أوراق وقلم، كتبت فعلا رواية. بعدها اعتبرت نفسي أديبا! رغم أني لم أبح بالأمر، إلا أن ذلك ساعدني على قضاء سنوات الأسر الخمس التي تَلتْ. عندما خرجت من السجن أردت أن أصبح كاتبا، لم أكن أرغب في أي شيء آخر.

حين سألوني ماذا أحتاج (كنت في الواقع، بحاجة لكل شيء: للملابس والشغل والدفء والحنان على الخصوص، رغم أني لم أكن أشعر بذلك) أجبتهم أني أريد آلة كاتبة. أوجدوا لي واحدة، بعدها بيومين بدأت أرْقُن››.

في ذلك الكتاب، يعلن الكاتب عن اكتشافه لرواية "المبعوثون السبعة" لـدينو بوزاتي (Dino Buzzati).

لقد طبع الناشر نسخا مطابقة للعهد الذي أعاد فيه الكاتب كتابة الرواية برمتها، وهكذا أسس نوعا من التحليل الرياضي لنص بوزاتي.

عن هذا التحليل يحكي كارلوس ليسكانو أنه بالسجن لا توجد كتب كثيرة والجيدة منها على الخصوص، وبالتالي فقد تسنى له قراءة العديد من الكتب الرديئة ‹‹كنت في الواقع، مدفوعا للكتابة من خلال قراءة كل تلك الكتب الرديئة، قلت في نفسي: إنه بإمكاني أنا أيضا أن أنجز كتابا رديئا، لكن بدرجة أقل سوءا من التي بين يدي! حينها عثرت على الرواية المتميزة لـدينو بوزاتي المبعوثون السبعة، والتي أعدت قراءتها عشرات المرات. لقد قمت باستنساخها في السجن لأنني كنت أعلم أنني سأُحرم منها. تلك الرواية لازالت تسلبني، لأن بنيتها الرياضية متينة جدا وليست من قبيل المصادفة.

ولأنني درست الرياضيات أنا أيضا، فقد حاولت استخلاص بنية تلك الأقصوصة، لاسيما من حيث معالجتها للزمن. لقد أُنجز ذلك العمل لأول مرة في العالم. لقد قمت فعلا بإنجاز العملية الحسابية باليد، وأعتقد أنه لا يوجد هناك أي خطأ!››.

لا حكاية لي لأرويها

كثيرة هي الكتب التي قرأها كارلوس ليسكانو، الرديء منها والجيد، وكل رواياته تشكل تخليدا لها، إشارات متنوعة، إحالات واضحة للأعمال التي تأثر بها، و كأنه يحمل على عاتقه مسؤولية نسيج متسلسل للأفكار من الشفافية والدقة بمكان.

عن هذه الخاصية يقول ‹‹في روايتي "القارئ المتقطع" وصلت إلى الخلاصة أني لست بكاتب وإنما شخص يعيد الكتابة. وهذا يرجع بلا شك إلى تجربتي بالسجن. لم تكن لدي حكاية خلال اعتقالي لأرويها، فأعدت كتابة ما قرأت.

لقد حاولت مثلا إنجاز كتاب من طينة مولوي (Molloy) الذي قرأته مرتين، فحاولت إعادة كتابته من خلال الذاكرة. ذكريات الحرب الأخيرة تشكل منوعات حول صحراء التاتار لـدينو بوزاتي، في حين يشكل طريق إيطاك إزاحة موضوعاتية لـرحلة في آخر الليل للكاتب لويس فيرديناند سيلين.

كتابي الأخير "حياة الغراب الأبيض" هو إعادة كتابة لعشرات كتب قرأتها، نوع من التخليد لقراءاتي منذ الصبى. تقول مترجمتي جان- ماري سان لو أنه يجدر إجراء مباراة لرصد استشهادات ومراجع هذه الرواية…››.

ذكريات الحرب الأخيرة

كتابي الأخير "حياة الغراب الأبيض" هو إعادة كتابة متخيلـة لعشــرات الكتــب التــي قرأتهـا؟


من بين الإشارات الحاضرة في كتاباته، نجد لازمة التساؤل عن الوحدة والحرية والاحتجاز. ومن المفارقات أن شخصية "ذكريات الحرب الأخيرة" تبدو وكأنها تأخذ شكلا من أشكال الحرية الشخصية في ظل نظام عسكري قمعي، و كأن الحرمان من الحرية قد يكون محفزا للتحرر.

يفصح الكاتب في هذا الصدد مرة أخرى، أن تلك الرواية هي إحياء لـ"صحراء التاتار". إنه يتناول فقدان الحرية حين يتم بشكل تدريجي. لا يفتقد المرء الحرية في السجن فقط. تُفتقد الحرية أيضا في منظمة مهيكلة أكثر من اللازم: داخل حزب أو داخل كنيسة أو شركة.. نقبل بالقواعد وحين تمر السنوات، نشعر أننا لا نسطيع العيش خارج تلك القواعد.

الإشكال أننا نريد الحرية والأمن في آن واحد. في حين أننا كلما أولينا اهتماما أكبر بالجانب الأمني تتناقص حريتنا. في ذكريات الحرب الأخيرة يضع الكاتب في المشهد الحالة الشاذة لشاب يجد في انخراطه بالجيش وسيلة لبلوغ الحرية. حين يصير حرا بالخارج، يتملكه الخوف، لأنه بالجيش لم يكن عليه اتخاذ القرارات.

وهو حر طليق يفترض به اتخاذ قرارات: إنه يفضل الأمن والأمان على الحرية. يرى الكاتب أن بعض من قضوا سنوات عديدة بالسجن، حين يطلق سراحهم، يفضلون العودة إلى المعتقل والهروب من الحرية لأنهم اعتادوا على تلك الحياة المنظمة.

اكتشاف الذات

أما عن تنوع إبداعاته الأدبية التي تشمل فضلا عن الرواية، الأحاجي والمسرحيات والمذكرات والمقالات الصحفية، وكأنه في بحث دؤوب لفهم مساره الشخصي أو اكتشاف الذات، يقول كارلوس ليسكانو ‹‹كل تلك الأبحاث، هي محاولة للتموقع واكتشاف الذات.

قد ينظر إلى ذلك أيضا، كعجز عن تأليف عشرات الروايات.. بعد عدة سنوات من الكتابة، عدت لأبحث عن تحديد للموضوع، وأكثر ما يستأثر باهتمامي حاليا هو التأمل في الكتابة.

لماذا قد يقضي شخص ثلاثين أو أربعين سنة وهو يكتب في صمت، لكسب المال؟ من أجل المجد؟ قد يكون هذا مبررا، لكن هناك طرقا أخرى أكثر نجاعة لبلوغ ذلك. إني منبهر لكوني قضيت كل تلك المدة في أداء هذه الوظيفة المنفردة والتي لا مبرر لها.

في كل محاولاتي، كنت أحاول أن أجد جوابا لهذا السؤال: من أنا؟ لأنه وككل الناس، "ماذا أفعل" هو الذي يحدد من أنا. إنها حلقة مفرغة، وأعتقد أنني لن أجد إجابات حتى لحظة موتي!›".

نقرأ في مؤلف كارلوس ليسكانو "الكاتب والآخر" قوله: "كل كاتب هو ابتكار. هناك شخص وهو واحد، وفي أحد الأيام ابتكر كاتبا ثم أصبح عبدا له. منذ ذلك الحين وهو يعيش كأنه اثنان".

15