كارل بروكلمان

السبت 2015/10/10

قبل حوالي ستين سنة، فقدت الثقافة العربية والإسلامية رجلا كرس حياته للبحث في حفرياتها ليمنحها الشيء الكثير الذي قد يضاهي ما منحه إياها أبناؤها. إنه الألماني كارل بروكلمان. لم يكن الرجل مستشرقا فقط، وعابرا لثقافتنا، بل جعل من هذه الثقافة مرآته التي يتمعن فيها انعكاسات سيرته الحافلة بالاكتشافات وبالمغامرة وبالمثابرة، التي تجعل منه مقيما دائما داخل بيت هذه الثقافة الفسيح.

جاء كارل بروكلمان إلى اللغة العربية، تقوده في ذلك رغبته الأولى، وهو تلميذ في الثانوية، كما كتب في ترجمته، في أن “يعمل بحارا في ما وراء البحار، طبيبا على ظهر سفينة، أو ترجمانا”، مدفوعا في ذلك برغبة معرفة الآخر واكتشاف ثقافته. وستحكم أمنية الشاب المراهق حياة الرجل، ليمضي جزءا من حياته متنقلا، كطالب، بين جامعات أوروبا، مترددا على أقسام تدريس اللغات العربية والعبرية والتركية والحبشية والأشورية والسريانية والفارسية وغيرها.

كان بروكلمان يملك قدرة مذهلة على العمل، وعلى البحث في أكثر من مجال، سواء في الثقافة العربية والإسلامية، أو في الساميات، أو في اللغة التركية أو في غيرها. واستطاع أن يخلف عددا ضخما من الأعمال، من بينها، على سبيل المثال، تاريخ الشعوب الإسلامية، وتحقيق ديوان لبيد بن ربيعة، وتحقيق طبقات ابن سعد، وتحقيق عيون الأخبار لابن قتيبة. ولعل أكثر كتب بروكلمان حظا هو “تاريخ الأدب العربي”، في أجزائه الخمسة، والذي لا يمكن لأي دارس لتاريخ تراثنا الأدبي أن يستغني عن قراءته، ولا تكاد تخلو أية مكتبة تهتم بالثقافة العربية من نسخة منه، بفضل طبعاته العديدة وترجماته المختلفة، من بينها الترجمة الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، بإشراف محمود فهمي حجازي. وبفضل هذا المصدر، الذي صدر الجزء الأول منه سنة 1898، سيكون بإمكان القارئ الألماني، وغيره، أن يتعرف على أسماء عربية، ومنها طرفة ابن العبد وامرؤ القيس وجرير والفرزدق والأخطل والخنساء وغيرهم.

لم يشفع كل هذا الجهد لبروكلمان بعض أخطائه، التي يبدو كثير منها طبيعيا، اعتبارا لظروف البحث خلال المرحلة، خصوصا بالنسبة إلى باحث بعيد عن أرصدة المخطوطات العربية. فخصّه عبدالله الحبشي بكتاب سماه “تصحيح أخطاء بروكلمان في تاريخ الأدب العربي”، كما كرس غيثان علي جريس مؤلفا في ضبط “افتراءاته” على السيرة النبوية.

في أكتوبر 1951، توصل العلامة المغربي عبدالله كنون برسالة من كارل بروكلمان، يخبره فيها بتوصله بنسخة من كتاب “النبوغ المغربي” الشهير، مشيرا إلى استفادته منه وإلى أمله في صرف موضوعه في استدراك ما فاته في كتابه “تاريخ الأدب العربي”، معبرا بذلك عن قيم التواضع والرغبة الدائمة في التعلم، وهو الذي أمضى حياته في البحث في ثقافة، ستهديه في ما بعد كتابين، قاسيين، في تعقب أخطائه.

كاتب من المغرب

17