كارل لاغرفيلد العجوز الذي يملك أسرار شانيل وبيار بالمان وفندي

السبت 2016/05/21
مصمم ألماني يبحث العلماء في شيفرته الوراثية

عمّان - لا يوجد مصمم أزياء يحتفى به عالميا مثل كارل لاغرفيلد، لدرجة أنه بات يطلق عليه لقب “كارل الأكبر”.

شخصيته تظل لغزاً لا يُعرف عنه سوى القليل. عيناه لا تفارقهما نظارته العريضة السوداء، ولا تغادر قصة شعره الطويل مؤخرة عنقه. يكفي أن يأتي موعد عرض من عروضه، حتى يكون الزحام مدهشا أمام باب المكان الذي يجري فيه. أحيانا ينقلب الأمر إلى فوضى حين يكتشف المشرفون على تنظيم دخول المدعوين إلى القاعة بعض بطاقات الدعوة المزوّرة أو تلك التي تكون عائدة الى عرض مضى تاريخه.

فكارل لاغرفيلد يستهوي الجمهور بروعة أزيائه الخاصة باسمه أولا، وبتلك التي يصممها لدار شانيل ودار فندي في وقت واحد ثانيا، وهذا ما أثار اللغط حول هذا القادم من ألمانيا، الذي انغمس في أهوال الموضة الباريسية والإيطالية وروعتها حتى صار من أربابها. واستطاع أن يستوعب أساليب دور الأزياء التي طلبت منه أن يبتكر لها موضتها السنوية دون أن تشبه أيّ أزياء أخرى في العالم.

رسام وخياط ومصور

يحار الجميع في تاريخ ميلاده، خصوصا مع غموضه الشديد حول هذا الموضوع، كارل الأكبر قال إن العمر لا يهم. ولد كارل بمدينة هامبورغ في ألمانيا، لعائلة ميسورة الحال، ووالده هو أوتو لاغرفيلد، رجل أعمال لم يغادر ألمانيا أبدا.

كانت دراسته الثانوية في باريس بفرنسا، تعلم لغات عدة باكرا وصار يهتم بكل أشكال الفنون، لكن ميوله كانت دوما تتجه نحو عالم الأزياء، فبذل كل جهده لدرجة الإرهاق في الرسم والدراسة. أراد أن يكون خياطا شهيرا وتسنّى له ذلك.

في سنة 1954 اشترك في مسابقة عالمية لتصميم معطف، حينها فاز حاصداً الجائزة الأولى التي فتحت أمامه أبواب الخياطة ودور الأزياء وهو في الخامسة عشرة من عمره.

عمل لاغرفيلد كمساعد لبيار بالمان سنة 1955، وفي السنة ذاتها صار مديرا فنيا في دار جان باتو للأزياء، استمر حتى 1963 حين اختار أن يكون مصمما مستقلا، حيث عمل في فرنسا وإيطاليا وألمانيا واليابان، اقترب من دار أزياء “فندي” بإيطاليا، ولايزال حتى اليوم يرسم لهذه الدار تصاميم أزيائها والألبسة الجاهزة والإكسسوار، كما صمم لاغرفيلد بين سنة 1963 و1983 أزياء دار كلويه الجاهزة وإكسسواراتها أيضا.

كارل لاغرفيلد يبدع دائما في إخراج عروضه بطرق لافتة تغدو حديث الأوساط الإعلامية والإبداعية. ففي العام 2005 رسم طريقا من الإسفلت ووضع عارضاته فوقه على السجادة الحمراء، أما في عرض مجموعة خريف/شتاء عام 2007، فقد هبت عاصفة وتساقطت الثلوج فوق منصة العرض

الرؤية والخيال

في أواخر ثمانينات القرن العشرين صرّح لاغرفيلد للمقربين بأنه لم يعد يهتم بما يقوم به في الوقت الحاضر، وأنه يتوجه نحو مهنة “موازية” هي التصوير.

دفعه هوسه الجديد بالتصوير إلى أن يصبح واحداً من بين المصورين العالميين الكبار في فترة وجيزة، قال في إحدى مقابلاته التلفزيونية “إن التقاط الصورة هو تحديد شخصية الإنسان ذاته، فالصورة هي طريقة للرؤية، وتتميز بأننا لا نستطيع إعادة صنعها، وهذا ما يعطيها صفة الخيال والسحر”.

حقق لاغرفيلد العديد من الصور في مجال الإعلانات والصحافة، ولمجلات من أمثال: معرفة الفنون، وفوغ الأميركية، وفوغ الأسبانية، وسواها، كما انصب على تصوير الوجوه الشهيرة في ميدان السياسة والثقافة والمجتمع، ومن بين أولئك، جاك لانغ وزير الثقافة الفرنسي وكارولين دي موناكو، وقد عرضت مجموعة أعماله التصويرية في غاليري بولاكيا في الدائرة السادسة من باريس من بين عامي 1989 و1992، وقد بلغ عدد معارض صوره ثلاثة عشر معرضا تنقلت بين هامبورغ وميونيخ ودوسلدورف ولندن وميلانو وبرلين ونيويورك وكولونيا وباريس ومدريد وروما.

لاغرفيلد يحيي شانيل

ساعد انفتاح لاغرفيلد على التيارات الثقافية، على التقلب في تصاميم الأزياء عبر نظرة مستقبلية، فقبله لم يستطع أيّ مصمم آخر إعادة عهد شانيل بعد وفاتها في 1971، فكان يجب الانتظار اثني عشر عاما حتى يأتي لاغرفيلد ويقول إن “كوكو شانيل لم تمت”، على عكس بول بواريه الذي توقفت موضته منذ أغمض عينيه ورحل عن الدنيا.

مما شك فيه أن لاغرفيلد كان مبدعا بالفطرة. عُرف عنه الإصرار والتفاني والثقة المطلقة في أهدافه، كان تحديه كبيرا حين دخل دار شانيل سنة 1983، فلم يكن من السهل خلافة المصممة الكبيرة كوكو. كما أنه لم يخف من ذلك التحدي، كان يعمل في الموضة منذ عشرين سنة، اكتسب صيتا في عالمها ولم يبق اسما مجهولا في دهاليزها. كان أول ما فعله هو رفضه لتقليد تصاميم شانيل السابقة، وقيامه بتطوير موضة الدار، وكل ذلك بحرص على استخدام أفضل أنواع الأقمشة والإكسسوارات والاتجاهات الثقافية المتجددة.

في دار شانيل برزت بصمات لاغرفيلد في تايورات التويد وفي أثواب السهرات البسيطة، وفي السلاسل الذهبية والحقائب المميزة، وكانت جميعها تأتي في غاية الأناقة وبشيء من الإثارة، وكان هذا الأسلوب الجديد سببا كافيا في المحافظة على روح شانيل، والمجددة في تطلعها إلى العام 2000، قادرا على نيل إعجاب “كوكو” لو قدر لها العودة إلى الحياة وزيارة امبراطورية موضتها التي بقيت وفية لطريقة تفكيرها الابتكارية الفنية.

لاغرفيلد يقرر فجأة تغيير مهنته إلى مهنة "موازية" كما سمّاها، ليحقق العديد من الصور المثيرة لمجلات مثل "معرفة الفنون" و"فوغ"

يحب لاغرفيلد دوما إثارة الدهشة ويتمتع بالجرأة ويعرف كيف يفرض أفكاره ويحترم في الوقت ذاته الخط الذي سارت عليه كوكو شانيل، وربما لهذا السبب بالذات جاء كل عرض من عروض أزيائه لشانيل حدثا قائما بذاته، ولم يكتف بهذا الحد من الابتكار بل توجه إلى السينما والمسرح وصمم أزياء بعض المسرحيات.

تعاون مع أوبرا فلورنسا في إيطاليا وأوبرا فيينا في النمسا وزوريخ في سويسرا ومونتي كارلو، وانتهى مؤخرا من رسم خمسين لوحة لكتاب للأطفال مأخوذ من حكاية أندرسون، وعنوانه “ثياب الامبراطور الجديدة”.

يبدع لاغرفيلد دائما في إخراج عروضه بطرق لافتة وتغدو حديث الأوساط الإعلامية والإبداعية، ففي العام 2005 رسم طريقا من الإسفلت ووضع عارضاته فوقه على السجادة الحمراء، أما في عرض مجموعة خريف/شتاء عام 2007، فقد هبت عاصفة وتساقطت الثلوج فوق منصة العرض، فيما تمحور عرض مجموعة ربيع/صيف 2008 حول جاكيت ضخمة من التويد، وبالنسبة إلى الأشكال الضخمة التي استعان بها لاغرفيلد في عروضه فلا أحد ينسى العواميد الفضية الضخمة التي دارت حولها عارضات مجموعة كوتور خريف/شتاء 2009، أو الأسد الذهبي العملاق خلال عرض مجموعة كوتور خريف/شتاء 2011، أو الكريستالات الكبيرة في عرض خريف/شتاء 2012.

الأماكن التي يبنيها لاغرفيلد لعروضه غريبة فقد كانت سوبر ماركت لعرض خريف/شتاء 2014، أو قهوة فرنسية بتفاصيلها لخريف/شتاء 2015، وكازينو ابتكره لتقديم عرض كوتور شتاء 2016.

جرأة الابتكار قادت لاغرفيلد لمحاكاة مظاهرة في شارع بناه خصيصا لعرض ربيع/صيف 2015، كما بنى واجهة بوتيك شانيل لتحتضن عرض ربيع/صيف 2009، ويستعين لاغرفيلد بالمواد غير المتوقعة التي تبرز العروض وتصبح محور الحديث، مثل الغابة الاستوائية الورقية التي احتضنت عرض كوتور ربيع/صيف 2015.

كل ما سبق جعل الكثير من النقاد والخبراء في مجال الفن، يرون في أسطورة الأزياء لاغرفيلد موهبة إخراجية قادرة على الدخول إلى عالم هوليوود، ومنافسة أبرز مخرجيها.

لاغرفيلد شخص استثنائي يصفه البعض بأنه “غير طبيعي”، فهو يتقدم في العمر ولكن من دون أن يكشف عن أيّ علامات تباطؤ نتيجة مرور الزمن. ففي عمر تجاوز الثمانين عاماً، ينتقل لاغرفيلد من بلد إلى آخر في العالم لكونه الرجل الأكثر تأثيرا والأكثر طلبا في عالم الموضة. فيما يستمتع من هم في عمره بسن التقاعد.

القراء يعرفون تصاميم لاغرفيلد في دار شانيل حيث تبرز بصماته في تايورات التويد وفي أثواب السهرات البسيطة، وفي السلاسل الذهبية والحقائب المميزة

وقّع على عقود عمل لمدى الحياة مع فندي وشانيل تنتهي بوفاته، فهو لا يشعر بأيّ تعب على الإطلاق، لا بل إنه يكره الأشخاص البطيئين. فلا عجب إذن في أن يرغب العلماء في اختبار الحمض النووي لهذا الشخص، إذ يبدو أن جيناته تحتوي على إكسير الشباب الأبدي، عقليا وجسديا، هذا ما ذكره موقع تلغراف البريطاني في مقال نشر العام الماضي. أضاف المقال أن لاغرفيلد رفض اقتراح العلماء رفضا قاطعا، لأن الأشياء الفريدة تكون فريدة، ونقل عن كارل إنه “لا يشعر أبداً بالوحدة رغم عدم زواجه وإنجابه الأولاد”، فالأمر قد يكون صعبا في حال المرض وقلّة المال لكن في حالته، يشعر بأن الوحدة هي ذروة الترف، على حد قوله.

ابنة لاغرفيلد

لاغرفيلد يعتبر نفسه أبا لقطة هي أشهر وأغنى القطط بالعالم، اسمها “شوبيت”. كانت قد حصلت على ما يقارب 3 ملايين يورو في العام 2014 بعد أن شاركت في حملتين كبيرتين، إحداهما للسيارات في ألمانيا، والأخرى لمنتج جمال ياباني.

يقول لاغرفيلد إنه لا يسمح لها بأن تقوم بالحملات الإعلانية للمواد الغذائية وأشياء من هذا القبيل، فهي أرقى بكثير من هذا المستوى.

“شوبيت” التي حمل اسمها أكثر من عرض للأزياء هي من نوع غريتا غاربو، يرى فيها لاغرفيلد مصدر إلهام للأناقة، حيث هناك تصاميم كثيرة تحمل صورتها، ويقال إنه قد أوصى بكامل ثروته لشوبيت، التي تملك اثنتين من الخادمات، ولديها حسابها الخاص على موقع إنستغرام بمئات الآلاف من المتابعين، أما انتقال القطة وترحالها حول العالم، فيكون على مقاعد أفخم طائرات الدرجة الأولى.

لقّب لاغرفيلد بأنه المبتكر الأغلى أجراً في العالم، ولا علاقة لهذا بخلفياته الألمانية العريقة، ذات الأصول البورجوازية الصناعية، إلا أنه ينتمي إليها بهوسه في العمل. ما عدا ذلك فهو فرنسي بثقافته ولياقته، وإيطالي بكرمه وفنّه في العيش اليومي. ومنذ أن دخل عالم الموضة في 1953 لم يرتكب خطأ واحدا في سيره الهادئ نحو القمة، قال كارل لاغرفيلد مرة في لقاء صحافي “أنا متعدد المهن وأقوم بتحقيق ما أريد وحين أريد وكما أريد”.

14