"كارمن" مسلسل يعيد الدراما المصرية خطوات إلى الوراء

مسلسل "كارمن" يمثل نموذجا قد تعود به الدراما المصرية خطوات إلى الخلف فنيا وجماهيريا، فالعمل جاءت قصته فريدة في أحداثها أدخلت الجمهور في عوالم عجيبة.
الثلاثاء 2019/04/16
شخصيات لا تتمتع ببناء قوي

من الصعب أن يُبنى عمل درامي على المجاملة ومحاولة تصعيد وجوه فنية من الدور الثاني أو الثالث إلى الدور الأول بلا سند حقيقي من الموهبة، ومن دون القبول الشعبي الذي لا بد أن يتمتع به الأبطال حيث يمكنهم من حمل العبء الجماهيري الكبير

القاهرة- أن يفتقد العمل الدرامي إلى وجود أبطال يمتلكون مقومات التصدي للبطولة الأولى إلى جانب نص يعاني من أخطاء جسيمة في البناء مما يحوّله في بعض اللحظات إلى نوع من العبث وإضاعة وقت المشاهدين، فهذه كلها أمور كفيلة بأن ينفر منها الجمهور، لأنه يشعر بالوقوع في فخ درامي وهمي لا حياة حقيقية فيه ولا خيال صادقا يمكن أن يستمتع بمتابعته.

يمثل مسلسل “كارمن” نموذجا قد تعود به الدراما المصرية خطوات إلى الخلف فنيا وجماهيريا، فالعمل جاءت قصته فريدة في أحداثها إذ تدخل الجمهور في عوالم عجيبة، فالفتاة كارمن، وقد قامت بدورها الفنانة ريهام حجاج، حفيدة سراج باشا (الفنان أحمد حلاوة) تريد أن تهرب من محاولات والدتها إنجي (الفنانة عبير منير) لتزويجها، وتنتقل من مدينة الإسكندرية إلى القاهرة بناء على اتفاق مع جدها بأن تحاول العثور على عمل، وإن لم تجد خلال ستة أشهر تعود إلى الإسكندرية.

تلتحق كارمن قبل انتهاء المهلة للعمل بشركة سياحية كبيرة تقودها السيدة نازلي (الفنانة شيرين) ويعمل معها زوجها سليمان (الفنان ياسر علي ماهر)، ثم يعود من الخارج  للعمل في الشركة كذلك ابنهما توفيق (الفنان محمد الكيلاني).

أكذوبة الثلج

يبدو الإطار العام للقصة مقبولا دراميا، ويمكن استغلاله بصورة أكثر جذبا وتشويقا، لكن اللامعقولية تكمن في التفاصيل؛ فالفتاة كارمن حفيدة عائلة شديدة الثراء، وبعد أن كانت تحاول البحث عن فرصة عمل تعثر بالصدفة إلى جانب عملها في الشركة على فرصة للعمل كمذيعة في الراديو باسم كارن، وتحقق نجاحا فائقا، ما سهل عليها التفكير في ترك الشركة.

زعمت كارمن أنها متزوجة ولديها طفل، وهي كذبة تورطت فيها بسبب اشتراط نازلي هانم قبولها لمن تعمل معها أن تكون متزوجة، والمثير للدهشة تم اعتبار ذلك عقدة درامية رئيسية في المسلسل.

تكبر الكذبة وتتضخم مع كل حلقة وتسبب العديد من المشكلات، وكارمن غير مبالية بثقة صاحبة الشركة وزوجها ثم ابنهما فيها، بل وحبها لتوفيق وابتزاز ابنة عمها يارا (الفنانة ولاء الشريف)  لها وتدخلها لإفساد هذا الحب، وبدت مصرة على إهانة أسرتها بعد أن قدمت زميلها في الراديو سامر (الفنان عمر الشناوي) كزوج لها، وعلي (الفنان بطرس غالي) صاحب المقهي الذي تتردد عليه نازلي باعتباره جدّها.

أحداث مرتبكة وبلا منطق درامي، ولم يكن الخط الدرامي الرئيسي يعاني من ذلك فقط، بل أيضا جميع الخطوط الثانوية كانت مرتبكة؛ فجدها الذي تسبب مع عمها مراد (الفنان محمد مرزبان) في وفاة والدها الذي لم يتحمل عدم ثقتهما فيه واتهامه بخيانة الأمانة يقدم راضيا كل ما يستطيع من حب وأموال لابنتي شقيقه المتوفى عماد،
كارمن، ورنا التي قامت بدورها الفنانة هاجر أحمد.

يبدو مراد شخصا ساذجا تسيطر عليه زوجته، وكذلك حينما يخوض تجربة مساعدة زميلة قديمة في محنة مرضها يتضح أنها محتالة وتحاول ابتزازه ووالده بعد انكشاف حيلة مرضها.

ظهرت السذاجة نفسها على شخصية سليمان زوج نازلي الذي يعتقد أنه السبب في موت شقيق زوجته في حادث سيارة كان يقودها، ويقبل كل أشكال التجريح من زوجته التي حاول المؤلف أن يقدمها كسيدة متسلطة، في حين أن كل تصرفاتها أبعد ما تكون عن ذلك، وجاء حديث زوجها والعاملين في الشركة عنها مثيرا للضحك، وكأنهم يتحدثون عن سيدة من خيالهم.

ونجد سامر مخرج الإذاعة والذي تتابع كارمن قصة حبه لفتاة أخرى، يكتشف يوم ذهابه لخطبة تلك الفتاة أنه يحب كارمن، كذلك أحمد (الفنان محمد مهران) صديق يارا الذي تقدم لخطبتها خمس مرات، يتركها فجأة ويتقرب من رنا شقيقة كارمن ثم يتضح أنه مرّ بظروف قاسية أدت إلى دخوله مستشفى الأمراض النفسية لمدة عام، كل ذلك يتجاور مع فكرة البطلة الخارقة التي تحل كل المشاكل وتقدم للجميع النصائح السديدة وتنتصر على من ينافسها.

تظل المعضلة الرئيسية في افتقاد العمل إلى الحبكة التي تجعل أحداثه قريبة من الجماهير، فقصة فتاة قوية إيجابية يمكن استخدامها بصورة أفضل بعيدا عن الشطط أمام شخصيات ضعيفة.

مغامرة فاشلة

ليس للمشاهدين ذنب في أن المسلسل هو العمل الأول للمؤلف والمنتج سامح مجدي، الذي جازف بنصه وتحمل مغامرة إنتاجه دون أن يجد من يعترض على نقاط ضعفه المتعددة، وأبرزها الممثلون الذين يتعاملون أحيانا مع بعض النصوص الدرامية كمصدر للدخل المادي، دون التفات للخلل الموجود في الأدوار التي يقدمونها. وإذا كان من حق المؤلف والمنتج أن يخرج نصه إلى النور، فإن جزءا من الحقوق أن يختار المخرج الذي يقبل النص، وقد وقع الاختيار على المخرج حسين شوكت الذي قدم قبل سنوات سيتكوم “أحمد اتجوز منى” وتلته أعمال هامة مثل الجزء الأول من مسلسل “حكايات بنات” و“غرابيب سود” و“الحالة ج”.

ولم يكن مخرج “كارمن” متمكنا من أدواته، فالمجاملة الشديدة للبطلة بكادرات تركز على أنوثتها وليس على قدراتها التمثيلية عملية أخلت بتركيز المشاهدين على أدائها، وقدمها المخرج كموديل أكثر منها ممثلة، أما باقي فريق العمل فكان بينهم اتفاق ضمني على التمثيل بأقل مجهود مع نص مترهل، وجميع ذلك أمور تحسب على المخرج الذي أرهق المشاهدين بالإضاءة الخافتة بلا هدف فني، وبالديكورات والملابس والإكسسوارات الباهتة وبلا روح حقيقية.

نص غير مقنع أفقد مخرج العمل بريقه السابق، وشخصيات بلا بناء درامي، وممثلون تعاملوا مع النص كمصدر للدخل فقط

وجاءت الفواصل مكررة في أكثر من عمل درامي سابق، ما يعطي إيحاء بأن المسلسل صنع على عجل، وما يزيد من الارتباك خلال المتابعة أنه منذ اللحظة الأولى لمتابعة تتر العمل يشعر المشاهد أنه خرج من أجواء مشاهدة عمل درامي ليتابع أغنية مصوّرة تلفزيونيا بطلتها المطربة جنة، وهي خطوة غير معتادة أن تظهر مطربة “التتر” فيه.

ويعدّ المسلسل عملا عجز عن التواصل مع الجماهير بصورة صحيحة، ويفتقد إلى البناء السليم والرؤية الخاصة، ولم يقدم وهج وحضور نجوم كبار أمتعوا الجمهور بأدائهم من قبل، مثل أحمد حلاوة وشيرين. وكان الورق منعدما فلم يستطع معه أحد الاقتراب من المشاهدين الذين صاروا أهم وأقسى من النقاد على الأعمال الدرامية التي أصبحت تلقى رواجا بين الشباب عبر النت، أو بين كبار السن من خلال المتابعة عبر الفضائيات، تلك المتابعة التي انتهى الحماس لها سريعا في “كارمن”، ومن الصعب العبث مع المشاهدين بكل شغفهم لدراما متنوعة وثرية باللغة العاقلة.

في المحصلة، على المؤلف، لاحقا، أن يفكر جيدا في خطواته التالية، وعلى المخرج استعادة حيويته كصاحب أعمال متميزة مع نصوص أقوى، وعلى الفضائيات ألاّ تقبل عملا لمجرد ملء ساعات العرض، لأن تشجيع هذا الفكر يعود بالدراما المصرية إلى المربع صفر.

16