كاروان كابان ينشئ لوحات من وشوشات الحنين إلى الماضي

الفنان التشكيلي كاروان كابان يقدّم معرضا كاملا استوحاه من المعالم التاريخية والتراثية لمدينة السليمانية العراقية التي يعشقها.
الاثنين 2021/07/19
مشاهد بصرية تروي الانفعالات الداخلية للفنان

تعتبر مدينة السليمانية العاصمة الثقافة لكردستان العراق، فهي تضجّ يوميا بفعاليات ثقافية، من معارض وندوات وأمسيات أدبية وغيرها، ولهذا ليس غريبا أن تكون ولاّدة لقافلة طويلة من المبدعين في شتى مجالات الفنون، وللفنانين التشكيليين حصة الأسد في ذلك، ومن بينهم الفنان العراقي كاروان كابان.

غريب ملا زلال

أنجبت مدينة السليمانية بحرا من التشكيليين فيه تتلاطم أسماء كثيرة، منها: رؤوف عمر حمة، كاميران قرداغي، سامان عثمان، روزكار كمال، بختيار سعيد، كوران توفيق، جلال بوسكاني، دارا أحمد، صالح النجار، لان نوري، شوان عاصي، نامق حمة، كوران أحمد، شيروان فاتح، نرمين مصطفى، سعيد إسماعيل، سامان أبوبكر، رستم عبدالعزيز، لمياء حسن، بختيار حلبجيي، وليس آخرهم كاروان كابان الوفي لمدينته، لناسها، لتاريخها، لتراثها حتى كاد أن يكون مؤرّخا لها، وعلى نحو أكثر تلك التي تسير في طريق الزوال، كابن محب لمفاتنها، مفاتن طبيعتها، شوارعها، أبنيتها، وعلى نحو أخص القديمة منها.

يعشق كابان مدينة السليمانية إلى درجة أنه قدّم معرضا كاملا عنها، استوحاه من معالمها التاريخية والتراثية، من ملامحها وملامح ناسها، ساعيا إلى توثيقها أولا، وإلى إبراز خصائصها الجمالية التي تبهر الروح والبصر ثانيا، فهو يُدرك بأن الالتصاق بروح المكان الذي تنفّس ويتنّفس فيه مع توفر تقنيات بين يديه تسمح له بنقل المشاهد المرئية إلى لوحات مسطحة.

استعادة معالم قديمة بألوان حارة

وكأنه يعيد إنتاج المشهد البصري المرئي الخارجي بأشكال وألوان تكسبه استقلالية ما عن الخارج الذي قد لا يلتقي مع تصوّراته تماما، فالتقابل هنا بين المرئي والمرسوم قد يقتصر على بعض المفردات فقط على حين جوهر الأشياء يكاد يقتصر على ما يعتقده كابان، وترجمة الواقع أو الحقيقة بلغة أخرى في مخيلته، نقصد هنا في مخيلة كابان فيه من التناغم ما يدفع عمله نحو إيجاد إيقاع جديد بروابط جديدة، وبتداخل جديد، كل ذلك يبعث على التخيّل وعلى إيقاظ دلالات جديدة وإن كانت واضحة في أكثرها.

سيرة مدينة

كابان يُنْهض مشاهده البصرية لتروي عنه انفعالاته، ولتقول عنه أقواله، تنقل لحظاته حتى تختفي خلف شجرة تحكي سيرة إنسان عاشق لتفاصيل مدينته، عبر رسمه لثقب باب يسرد سرّا مرّ من هناك، أو بين ضفتي نهر عزف كثيرا حتى يكون، أو خلف جدران تفوح منها عبق الأجداد. وهو بذلك يزداد اقترابا من طيب المدينة، ومن الطريق الذي يؤدّي إلى الحقل حتى يوغل فيه، ومن الباب الحامل لكل ملامح الزمن، وبجهد عذب يحاول أن يجسّد تلك الواقعية التي تنطلق منه كفرد لا من المكان.

تلك الواقعية التي يقترب منها الفنان بلغته دون أن يكون ذلك تدخلا في ترجمة تفاصيلها، ويكاد عمل كابان يسير على عدة محاور، الأمكنة والطبيعة والبورتريه، ويرسل فيها جميعا سحبه التي هي من مطر وضوء، فخصوبتهما هي في النهاية تؤكّد بأنهما يختلطان عند كابان ويشكّلان حالة من التنفّس فوق القمم العالية والعارية.

حالة من الحياة بين أزقة مدينة لامستها المطرقة والكوفية والصوت الذي بات موسيقى المنتمين إلى عمق القيم والمفاهيم السائدة آنذاك، وبرؤية تحمل طعم السحر.

يطوف كابان أولا في تاريخ المدينة ويدوّن شموسها الدافئة، وقصاصاتها التي فصلت من محيطها يوما ما، وعلى نار هادئة يضعها الفنان العراقي جميعا، وينصت طويلا لاختلاطاتها الانفعالية، ولوشوشاتها العفوية حتى يبلغ مزايا جديدة لحركة جديدة.

وهو مع اختياره لموضوع معيّن وحتى يفقد صلته باللوحة يقود ألوانه المرتبطة بانفعالاته المباشرة، والمتضمنة طاقاته الأولية، نحو اكتشافات، وتأمّلات يُبعده عن صب اللون مباشرة على اللوحة، فهو شديد التمسّك بالتفاصيل وبهندسة اللوحة حتى لا يفقد صلته بها، وحتى التعبير يكون أكثر انهماكا في التصوير، وحتى إيقاعاتها الحركية تكون أكثر حيوية في العزف، وزمنها الحقيقي يكون أكثر ثباتا في الرؤيا.

الفنان يتمتم بريشته بتواتر يجعل من دوائر أعماله الانطباعية منها والواقعية والتعبيرية في حالة تداخل بين مظاهرها

وعن أسلوبه في رسم لوحاته يقول كابان “استخدم أسلوب الرسم بالسّكين والألوان الزيتية، لاسيما في اللوحات التي أصوّر فيها مشاهد من طبيعة ومناخ كردستان”. ويضيف “حرصي الشّديد على تراث مدينتي الذي تلاشى بمرور الزّمن وأصبح جزءا من التاريخ يحفّزني على تخليد مقاطع منه عبر لوحاتي، لتبقى شاخصة للعيان ولو على الجدران”.

تمتمة بصرية

كابان يتعلّق بالمكان حتى يتّشح به تماما، وبالتالي يتّشح معه سردياته اللونية بمقاطعها التي تهتف بتجربته، وهي تلج طريق النهار ببواباتها التي تروي لزوميات المدينة في عتباتها كلها، ولزومياته في وديان روحه كلها، حتى ملامح شخوصه لا تفلت من رؤى عوالمه الملحمية السحرية، فالعويل يحتاج إلى تراكمات كفيلة بأن تختلط مع لحظات أكثر نزفا للوجع، وأبعد قولا للحبكة.

فهو يتمتم بريشته بتواتر تجعل من دوائر أعماله الانطباعية منها والواقعية التعبيرية أيضا في حالة تداخل بين مظاهرها حينا، وحينا في حالة تحوير تثير شعورا بالنشوة لدى المتلقي، يُتمتم بألوانه بحس غير عابئ بفزع الغزلان ولا بتقافز الريح من فوق الصخور، ولا بآهة تخرج من قلب عاشقة تلتقط ضوءها من شرائح الطبيعة، ومن الأغنيات الحزينة التي تنبثق من قساوة وجوه شخوصه، ومن حزنهم النائم بين إدراكات بصرهم.

لوحة كابان تسعى إلى التحرّر وإن جزئيا، فروح الحركة فيها لا تموت فهي في نبض ويقظة مستمرتين، وهنا لن يكون صعبا علينا كمتلقين أن نلتقط منها مؤثراتها التي تكون في حالة تراجع أو تقدّم تبعا لضوء الحركة فيها، إن كانت في سكون أم في ضجيج، فالمقاطع اللونية الموسيقية فيها هي التي تبدّل وتغيّر، هي التي تعطيها حركة وصوتا.

كابان يُنْهض مشاهده البصرية لتروي عنه انفعالاته، ولتقول عنه أقواله، تنقل لحظاته حتى تختفي خلف شجرة تحكي سيرة إنسان عاشق لتفاصيل مدينته

وفي نطاق ذلك كله يسعى كابان إلى إتباع اتجاه تحمل إلى سطوحه تداخلات لونية قد تميّزه بذلك، تداخلات لا تلجأ إلى الاختزال كثيرا بقدر تركيزه على حقل تصويري داخل تلك التداخلات، أو بمعنى آخر داخل شبكة ملوّنة فيها تتحوّل التناغمات إلى تأمّلات تبعث بدورها على اختراق اللوحة وتكوين مشهد تصويري داخل مشهده هو.

أعمال الفنان كاروان كابان ليست مجرد مشاهد تصوّر جوانب من الحياة وطبيعة البيئة في مدينة السليمانية القديمة فحسب، بل هي مصدر إشعاع يبعث في النفس الإثارة والحماسة والشجن، لاسيما وأنّ أسلوبه المميز في الرّسم والدّقة اللامتناهية في نسج ألوانها بخيوط رفيعة، يشكّل في حد ذاته مصدر قوة وتميّز عن غيره من الفنانين الذين اشتغلوا على رسم مدينة ساحرة كالسليمانية.

17