كارول معلوف تعيد تعريف مهمة الصحافة

الخميس 2016/02/11

لا تقتصر أهمية المقابلة التي نجحت الصحافية اللبنانية كارول معلوف في إجرائها مع أسرى حزب الله لدى جبهة النصرة في السبق الصحافي، ولكن في إعادة تعريف مهمة الصحافي التي نسيتها جل المؤسسات الإعلامية في لبنان، وهي مهمة كشف الحقائق وعرضها عارية أمام الرأي العام.

كشف الحقائق يتناقض جذريا مع صيغة نبش القبور التي اجتهدت وسائل الإعلام اللبنانية في التباري فيها مؤخرا، إثر الانقسامات الحادة التي أحدثتها الترشيحات الرئاسية.

باتت القبور المنبوشة علامة على مهمة جديدة للصحافة في لبنان استحدثتها لنفسها المؤسسات الإعلامية الناطقة بألسنة الطوائف وأعطتها تعريف الإعلام الحي والباحث عن الحقيقة. الحقيقة لا يمكن أن تكون متفرقة، بل تنحصر سماتها التي لا جدال في شأنها في عدم قابليتها للتجزئة ولا للتأويلات ولا للتعدد.

ومن هنا نفهم أن ما تسعى وسائل الإعلام اللبنانية حاليا إلى التعبير عنه، من خلال إعادة تفعيل ذاكرة الحقد والمجازر، لا يعدو كونه تأويلا سمجا يجافي الحقيقة ويعتدي عليها عن سابق تصور وتصميم وإرادة.

ما أسست له مقابلة معلوف مع أسرى حزب الله هو النقيض الفعلي للتأويلات الطامحة إلى اكتساب شرعية الحقائق. الخطاب ترك للأسرى. تدخلات الصحافية كانت قليلة ونادرة وتهدف فقط إلى إتاحة المجال للسرد لكي يتدفق ليس إلا، ما سمح بتحول المقابلة إلى بوح عميق، ونجح في تصوير البعد الحقيقي لمأساة الشباب الذي يزج به حزب الله في أتون الحرب السورية وتصويره على أنه ضحية.

تلك العودة الحميمة إلى الإنساني التي سعت إليها المقابلة أبرزت ما كان الجميع يسعى إلى إخفائه وليس الحزب فقط، وهو أن هؤلاء الشباب هم ضحايا فقدان الأمل قبل كل شيء، وأن الاستثمار الناجح لحزب الله فيهم إنما كان في الأساس استثمارا ليأس عميق وشامل لم يكن هو وحده من صنعه، ولكن اشتركت في تعميمه كل المؤسسات السياسية والطائفية والإعلامية في البلد.

ذلك اليأس شكل المنجم الذهبي الذي وضع فيه حزب الله كل استثماراته، ونجح في أن يستخرج منه الآلاف من الشباب الذين لا يسألون عن شيء، ولا يبالون بشيء ويتبعونه دون تردد في طريق الموت والخراب الذي يرسمه لهم. السبب في ذلك هو أن ما يعيشونه فعلا وحقا إنما يوازي أسوأ ما يمكن أن يحصل لهم.

الفرق البسيط أن الموت في المعارك التي يزج بهم حزب الله فيها قد يكون احتمالا يمكن النجاة منه، ولكن ما لا يمكن النجاة من وطأته الثقيلة، هو ذلك العيش الذي بات مستحيلا في بلاد الأرز والنفايات والطوائف.

عبر أسيرا الحزب عن خطاب يقول إن شباب حزب الله يتخذون الآن صفة الغزاة وأن الشعب السوري جبار بمعنى عدم إمكانية هزيمته مهما جرى. لقد قيل الكثير من الاتهامات حول تحول حزب الله في سوريا إلى جيش غاز ومحتل وعن تحول السوريين إلى مقاومين.

كل ما قيل لم ينجح في تكريس هذا القول كحقيقة، ولكن خطاب الأسرى نجح في ذلك، لأنه أعطى هذا الخطاب لحما ودما وأعصابا وسياقا واضحا متصلا بتجربة معايشة الميدان السوري عن كثب.

كارول معلوف نجحت في أن تمنح الحقائق صورة ولسانا، وأن تجعلها تنطق في اللحظة التي باتت فيها كل الحقائق خرساء أمام فيض الجثث المنبوشة من ماضي الحروب، والتي يهدف نابشوها إلى زرعها في وعي اللحظة، تأسيسا لإعادة إنتاجها الدائمة في المستقبل.

18