كاصد محمد: الشعر الإيطالي يشبه كثيرا الشعر العربي

يعيد كاصد محمد، المترجم والكاتب العراقي، في ديوانه الأول باللغة الإيطالية، إنتاجَ الذاكرة والأخبار ومشاهد الموت والألم في العراق عبر صورٍ مكثَّفةٍ تقارب لوحة اختزنَت في قلبها ما يمكن قوله عن بلد يتعرض كل يوم للموت المعلن، لينقل للقارئ الإيطالي جزءاً من العالم، في تركيبات شعرية دارَت حول ثيمات اتصلت بالحياة والموت وسيطرت عليها الشؤون الإنسانية، في هذا الحوار مع “العرب” يتحدث المترجم والكاتب العراقي عن تجربته في كتابة الشعر باللغة الإيطالية بعد أن ترجم منها روائعَ ستظلُّ راسخة في الذاكرة العربية.
الثلاثاء 2017/11/28
الاشتباك اللغوي ساعدني على الكتابة

يخوض الكاتب والمترجم كاصد محمد تجربته الشعرية الأولى باللغة الإيطالية عبر إصداره ديوان “الحياة ليست مقبرة جماعية” الذي يتناول أوجاع بلده العراق ومصاعب الهجرة واللجوء.

فقد صدر للمترجم والشاعر العراقي المقيم في إيطاليا كاصد محمد مؤخراً، ديوان شعري بالإيطالية عن دار نشر “لاركولايو”، حمَل اسم “الحياة ليست مقبرة جماعية”، ويصف هذه التجربة بالجميلة جداً، فإصدار ديوان شعري بلغة غير اللغة الأم هو إغناء شخصي على مستوى اللغة، وهو في ذات الوقت صراع بين العربية والإيطالية، فالصعوبات كانت تعني الانحياز إلى اللغة الأم باعتبارها الأقرب إلى التعبير الشعري للناطق بها.

في هذه النقطة يؤكد كاصد أن الإيطالية ساعدته أيضاً في معالجة القضايا التي يريد مناقشتها باعتبارها لغته اليومية التي يشتبك معها في كل تفاصيل حياته العملية، هذه التجربة ليست الأولى لضيفنا، فسبق وأن فاز بجائزة عام 2012 عن قصة كتبها بالإيطالية، فضلاً عن اشتغاله الدائم بالإيطالية على مستوى البحث أو الكتابة الصحافية، فالحوار في ذات الشاعر بين العربية والإيطالية عند ضيفنا مفيد جداً، لأن ترجمة أي نص يُجرِّده من جمالية اللغة تاركةً فقط محتوى النص ومعناه سواء كان شعراً أم سرداً.

نصوص كاصد محمد تتصل بمواضيع متنوعة أبرزها الإنساني والشخصي خاصة المتعلق بالحياة والموت والتجارب الذاتية

الشعر بين لغتين

في الحديث عن الديوان الشعري “الحياة ليست مقبرة جماعية”، يصفه كاصد محمد بأنه يُقسم إلى أربعة أجزاء، وكل جزء يتناول قضية بشكل أو بآخر، إنها ثيمات رئيسية تُكوِّن الكتاب إلى جانب الافتتاحية، حيث ينطلق الديوان في معالجة قضايا العراق من خلال المآسي وما جرى خلال السنوات الماضية، الحروب والانفجارات، كل هذا يتم تناوله عبر صور ومقاطع نثرية قصيرة أشبه بلوحات، ثم تنتقل النصوص إلى مستوى آخر في معالجة مراحل الهجرة ومعاناة المهاجرين واللاجئين، وما يراه الأوربيون على شاشات الإعلام وما يتم الاستماع إليه من تجارب الواصلين حديثاً إلى “الجنة الأوروبية” التي لا تطابق الصورة التي رسمها المهاجر في مخيلته قبل انطلاقه إليها.

فالنصوص تنقل الصعوبات التي يواجهها المهاجر أو اللاجئ في المكان الذي ظن أنه بر الأمان، لتنتقل النصوص إلى ثيمات أخرى في القصائد التالية، تلك الثيمات تتصل بشكل أو بآخر بمواضيع متنوعة أبرزها الإنساني والشخصي المتعلق بالحياة والموت والتجارب الذاتية، فضلاً عن وجود قصيدة مهداة إلى الشاعر أشرف فياض الذي ترجمَ له ضيفنا ديوان “التعليمات في الداخل”.

نسأل كاصد محمد عن اختلاف نظم الشعر العربي عن الشعر الإيطالي، ليقول إنه مؤخراً بدَت القصيدة النثرية موحدة بشكل أو بآخر في مختلف ثقافات العالم، فالاختلاف يكمن في المواضيع والموسيقى، المفاضلة بين العربية والإيطالية من حيث الموسيقى غير ممكنة فكلا اللغتين تحتفيان بالنبرة الموسيقية مع الاحتفاظ بالخصوصية، يؤكد أن الإيطالية لغة موسيقية من حيث الألفاظ السلسة وهذا يؤثر في صياغة النص والقصيدة.

أما عن تركيب القصيدة فيتابع ضيفنا، أن الأطلال والحديث عن الحبيبة أصبحا من الماضي في القصيدة العربية التي حافظت على كثير من صفاتها، كذلك القصيدة الإيطالية لها شكل معيّن يعتني به ناظمو الشعر، فمثلاً المطلع أو البداية غالباً ما تكون مشحونة بالغموض من حيث الانطلاقة التي تثير التساؤل للبحث في قلب النص، فتركيب القصيدة في الإيطالية متوقف على الموضوع الذي يودّ الشاعر مناقشته.

تشكيل لغوي ثري

يتابع كاصد أن الشعر له أنواع عديدة في الإيطالية وكل نوع مختلف عن الآخر في تركيبته وبنائه، فالومضات لها تركيب، والقصيدة الطويلة لها تركيب يعتمد على البناء من حيث المطلع ومن ثم تتدرج في التفاصيل وما يريد الشاعر قوله أو تناوله في متن النص، فاللغة في الشعر الإيطالي هي أداة من خلال الاستخدام الجمالي، فتصبح جزءا من الغاية أكثر منها واسطة خاصة عندما تحتوي على بلاغة تُشكِّل جزءاً رئيسياً من الموضوع، يشير هنا كاصد محمد إلى تجربته الشخصية حيث بدأ اتجاهه بداية إلى جعل اللغة غاية حتى تمكَّن منها فصارَت وسيلة.

في إطلالة على الشعر الإيطالي يقول ضيفنا، إن الشعر الإيطالي بما يخص تقسيماته يشابه بشكل أو بآخر الشعر العربي من حيث المديح والهجاء والرثاء والحب وغيرها، يستحضر هنا القارئ العربي الذي اطَّلع على “الكوميديا الإلهية” لدانتي، التي تعتبر منطلق الشعر الإيطالي، فمثلاً عندما يضع دانتي شخصيات معيّنة في الجحيم فهذا نوع من الهجاء، وعندما يضع شخصيات في الجنة فهذا نوع من المديح، فأغراض الشعر متشابهة في أغلب الثقافات، لكن الشعر الإيطالي بحسب كاصد محمد متحرر دائماً بالاتجاه نحو قضايا إنسانية تكون أشبه بصور متنوعة مكثَّفة تتخذ من تلك الأغراض مركزاً للحديث عن شيء آخر غالباً ما يتصل بالحياة وقضاياها.

الميثيولوجيا الشعرية

ضيفنا ينتمي إلى بابل المدينة الشهيرة التي تحمل في إرثها تاريخاً ميثيولوجياً قامَت عليه في وقت لاحق أو قامت بمحاكاته كثير من حضارات الأرض، نسأله عن تأثير هذا في ظل حضور الميثيولوجيا في الشعر الإيطالي بشكل واضح، ليقول إنه استخدم في ديوانه بعض الإشارات المعتمدة على النص القرآني، فذَكَر النبي موسى أو النبي إبراهيم، لكنه لم يعمد بشكل مباشر إلى المصدر الميثيولوجي رغم أهميته، فجلجامش مثلاً حاضر من خلال تجربته الإنسانية في الشعر الإيطالي، كذلك الإرث السومري والبابلي.

يقودنا هذا للحديث عن اشتغال كاصد محمد اللغوي الذي يفكر بلغة ويترجم من لغةٍ أدبية إيطالية إلى لغة أدبية عربية، بينما يدرّس في جامعة بولونيا الأدب بلغة أكاديمية، فضلاً عن كتابته الشعرية والسردية باللغتين العربية والإيطالية، يعلِّق على هذه الخلطة بأنَّ المسألة تبدو صعبة من الخارج، لكنها في الحقيقة طبيعية الآن، لأن الإيطالية لم تعد لغة دخيلة على ذهنيته، فاشتبكت بشكل تام مع العربية في خيوط الكتابة، وهذا الاشتباك هو ما ساعده على فهم اللغة بشكل تفصيلي، سواء لغته الأم العربية أو اللغة الإيطالية، فالترجمة وضعته كما يصف ذلك، بمواجهة حقيقية أمام معنى الكلمة وضرورة فهم معناها الحقيقي ووظيفتها سواء في الشعر أو السرد.

على صعيد الترجمة والاشتغال الأدبي يعلن كاصد محمد أنه أصدر مؤخراً عن دار ورق الإماراتية رواية “إيتالوزينغو”، وله قيد النشر إحدى روايات أساندرو باريكو، وهو في الخطوات النهائية بترجمة الجزء الثاني “الشيطان فوق التلال” لتشيزو بافاريزه، بعد أن صدر الجزء الأول تحت عنوان “الصيف الجميل” عن دار المتوسط، وعلى صعيد الرواية العربية فقد أنهى ترجمة رواية “مرسى فاطمة” للروائي الارتري حجي جابر، وبدأ الاشتغال على رواية “قتلة” لضياء الخالدي.

15