كاظم الساهر أذكى من أن يقع في فخ الشرنوبي

الثلاثاء 2014/03/11
التجربة علمت كاظم الساهر ألا يخسر جمهوره

اكتفى الفنان كاظم الساهر في استعادة أمثلة لمطربين عرب لم يؤدّوا غير ألحانهم على امتداد تجربتهم الفنية، في إجابة على سؤال أطلقته عليه قبل سنوات قبيل حفلته الشهيرة في قاعة “رويل ألبرت هول” بلندن عن “متى يمنح الملحنين حق التعامل مع صوته”، وهو بذلك لم يعط إجابة واضحة، عندما قال: أن فريد الأطرش لم يغنّ لغيره من الملحنين.

الساهر الذي صنع “أسطورته الفنية” بألحانه حصرا مع استثناءات قليلة، عندما شاركه الموسيقار سالم عبدالكريم في توزيع بعض أغانيه وقبله الفنان فتح الله أحمد، يتحسس أكثر مما ينبغي في التعامل مع ألحان غيره، وقد نجد له مبررا في ذلك عندما رفض المشاركة في أوبريت مهرجان الجنادرية السعودي، مشترطا أن يلحن المقطع الذي يؤدّيه.

فألحان المطرب محمد عبده الذي لحن أوبريت الجنادرية لا يمكن وفق التقويم المفرط بالتفاؤل أن ترتقي إلى مستوى ما قدّمه الساهر من ألحان، كما لا يمكن أن تصل-ألحان محمد عبده، إذا افترضنا جدلا؛ يمكن تصنيفه ضمن الملحنين- إلى تعبيرية ألحان ابن بلده عبدالرب إدريس.

وفي كل الأحوال، تبدو حساسية الساهر لطبقات صوته هي ما تجعله حذرا في منح هذا الحق لغيره من الملحنين، فيما يرى بعض النقاد أنه يغني في الحفلات الخاصة بطبقات واطئة خشية من استهلاك صوته!

أسئلة أمام الساهر

واليوم عندما يثار في وسائل الإعلام أن الساهر اقترب من التعامل مع الملحن المصري صلاح الشرنوبي في أداء أغنية جديدة، فإن الأسئلة حول هذا الاختيار قد ترمى بحزمة غليظة أمام الساهر، وقد تكون الأقسى في كل تجربته التي تصاعدت منذ بداية التسعينات من القرن الماضي.

ومع أن المقربين من الفنان كاظم الساهر نفوا ولو على “خجل” هذا التعامل، إلا أن مجرّد تفكير الساهر في منح هذا الحق لغيره من الملحنين يبدو جديرا بالمناقشة اليوم أكثر من أي وقت مضى، فهو الآن في مستوى جعل من كبار الملحنين يعتقدون أن مناقشة ألحانه تفضي في كل الأحوال إلى جهد خاسر، حيال الشعبية الهائلة التي يمتلكها، ووله الجماهير بما يقدمه بغض النظر عن قيمته اللحنية، لذلك أقرّوا “على مضض” أن الساهر تخطى كل رأي، وهذا يفسّر لنا آراء الفنان الراحل طالب القره غولي في ألحان الساهر التي بدت “مجاملة” أقرب منها إلى أيّ تعليق فني آخر، ويقترب ذلك من الثناء الذي يكيله الملحن محمد جواد أموري ونخبة أخرى من كبار صانعي القلائد الفضية في الغناء العراقي.

فاروق هلال الأقرب لصوت الساهر

فهل سيسقط حقا صوت كاظم الساهر في فخ إيقاعات لحنية متشابهة يقدّمها له صلاح الشرنوبي، الذي يجهل تماما العمق التعبيري في الغناء العراقي؟ الساهر الذي تردّد كثيرا في غناء ألحان عميد الغناء العراقي عباس جميل، والحس الشعبي في ألحان رضا علي، واكتفى بتلقي النصح اللحني من الفنان فاروق هلال، ولم يقترب من ألحان طالب القره غولي ومحمد جواد أموري، سيرتكب خطأ العمر برمته، إن قبل هذا الخيار الذي لا نتمناه له.

العمق الحسي في المقام

صلاح الشرنوبي في كل ألحانه لا ينطلق مع فهم عميق لروحية المقامات، بل يلحن بالتجريب وأحيانا بالمصادفة في اقتفاء نغمة معينة ويسير عليها لأنه لم يتسن له دراسة معمقة لعلوم الغناء، وغالبية ألحانه تكرار واضح لإيقاعات راقصة منذ أول لحن شائع له بصوت وردة الجزائرية.

الساهر يدرك أن الشرنوبي لا يدرك العمق الحسي في مقام “المخالف” أو “اللامي” العراقيين، كي يصنع لحنا لا يعود بصوته إلى الوراء، بل يكون امتدادا إلى ألحانه الناجحة “زيديني عشقا” و”حافية القدمين” مثلا.

يتذكر الساهر الفشل الذريع في تجربته أداءَ أغنية باللهجة المصرية “أنت مش قد المسؤولية” منتصف التسعينات، لأن اللهجة ليست صنيعة تجربة سريعة ولا تتولد خلال أيام، بل هي إحساس بروح المفردة وليس آليتها، وعليه اليوم مقارنة فشله في أداء تلك الأغنية مع نجاحه الباهر في تلحين أغنية “حاسب” على مقام المخالف العراقي لصوت لطيفة التونسية، ومع أن الأغنية التي كتب كلماتها عبدالوهاب محمد حملت “التفخيخ الثقيل” في كلماتها المصرية.

صلاح الشرنوبي في كل ألحانه لا ينطلق مع فهم عميق لروحية المقامات، بل يلحن بالتجريب وأحيانا بالمصادفة في اقتفاء نغمة معينة ويسير عليها، وغالبية ألحانه تكرار واضح لإيقاعات راقصة

إلا إن تعبيرية اللحن على مقام المخالف جعلها تنساب مع ولع الروح وتبقى في الذاكرة ولن تغادرها لسنوات، فهل يبدو السؤال مفاجئا اليوم عن سبب عدم أداء الساهر أي من أغانيه على هذا المقام؟

أطلعني شلومو نجل الموسيقار العراقي اليهودي صالح الكويتي على تسجيلات من أرشيف والده، الذي غادر العراق إلى إسرائيل بداية الخمسينات بعدما أرخ لتاريخ من الحنين في ألحان لأصوات سليمة مراد وزكية جورج وعفيفة اسكندر، أنه أول من عرّف الفنان محمد عبدالوهاب على مقام اللامي أثناء زيارته إلى بغداد، وعند عودته إلى مصر وضع أول لحن مصري على ذلك المقام العراقي بأغنية “يلي زرعتو البرتقال”.

ولا يبدو في أيّ حال من الأحوال أن ألحان صلاح الشرنوبي قادرة على الوصول إلى العميق التعبيري في مثل مقام اللامي الذي ابتكره الموسيقار العراقي الراحل محمد القبانجي، ولا حتى بمقدوره وضع لحن يرتقي بصوت الساهر عما قدّمه سابقا.

سنغدق بالثناء على الساهر عندما يمنح الحق لملحنين يدركون مساحات صوته وقادرين على اكتشاف الجديد فيه، بعد كل تلك السنوات من الاكتفاء بألحانه، ويبدو محيطه العراقي والخليجي الأقرب إليه في ذلك وليس ألحان صلاح الشرنوبي الإيقاعية الراقصة! كاظم يدرك أن الفنان فاروق هلال كان مراقبا دقيقا لتصاعد تجربته، وكان معلما موسيقيا له، وهو الأكثر جدارة والأقرب في تقديم لحن له، يقربه من روحه العراقية ويعيد تقديمها إلى الجمهور العربي بمعاصرة فنية، وهي فرصة تاريخية لإعادة فاروق هلال إلى موسيقاه المعبرة بعد سنوات من الصمت، كما سيكون الساهر بذكائه الفني جديرا بإعادة تقديم الفنان ناظم نعيم الذي لحن كل أغاني ناظم الغزالي إلى الجمهور العربي، عبر أداء لحن جديد له.

بانتظار لحن عبدالرب إدريس لصوت كاظم الساهر

والمعلومات تشير إلى أن ناظم نعيم مازال في حيويته الفنية ويعيش في الولايات المتحدة، وإذا كان على الساهر المفاضلة بين الملحنين العرب فيبدو السعودي عبدالرب إدريس الأقرب في تعبيريته الفنية إلى انتقاء لحن له.

ومع تقبلنا للنفي الذي صدر من المقربين للساهر نفسه في عدم وجود هذا التعاون مع صلاح الشرنوبي، إلا أن التجربة علمت فنانا مثل كاظم الساهر ألا يقع في فخ الشرنوبي اللحني من أجل الشهرة أو الانتشار مثلا، وهو ليس على استعداد بعد كل هذا النجاح الباهر أن يضطرّ إلى إعطاء خسائر فنية لا نتمناها له.

16