كاظم العبودي.. فيزيائي عراقي كشف خبايا الجرائم النووية الفرنسية في الجزائر

أكاديمي طارد الشعوذة الغربية في بلاد العرب.
الخميس 2021/08/05
فقيد الفيزياء النووية العربية

يعرف في العراق بـ”الدكاترة كاظم العبودي” نظرا إلى سمعته الأكاديمية وعضويته في عدة منظمات دولية في مجال الطاقة الإشعاعية واللجنة الاستشارية لمحكمة بروكسل، ويعرف في الجزائر بـ”مطارد” الجرائم النووية الفرنسية في الصحراء، وظل حماسه مشتعلا في تدويل الملف في المحافل الدولية إلى أن وافاه الأجل لتحتضن تربة تلمسان جسده في صورة تجسد التلاحم العربي في ذروة التفكك والانقسام.

شكّل الحضور الرسمي في جنازة فقيد الفيزياء النووية العربية كاظم العبودي، المكانة الكبيرة التي كان يحظى بها الرجل لدى المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، والإعلام المحلي في الجزائر، التي منحها حبه وجهده وثمار بحوثه العلمية.

وذكر مستشار الرئاسة الجزائرية عبدالمجيد شيخي المكلف بملف الذاكرة، في الكلمة التي ألقاها في التأبينية التي نظمتها صحيفة الجمهورية المحلية بمدينة وهران، أن “الفقيد كاظم العبودي كرّس حياته للعمل الجاد بالنسبة إلى ملف خطير وهام ودقيق، وهو ملف التفجيرات الفرنسية في الصحراء الجزائرية”. وأضاف “منذ أن رافقت العبودي لأول مرة إلى رقان مع الوزير الراحل سعيد عبادو، أيقنت أنه الرجل الذي يملك فضل تحريك هذا الملف، وأدركت أننا أمام شخص يمكن أن يعوّل عليه في إثراء هذا الملف والتعريف به ومعالجته، خاصة مع معاينتنا لآثار التفجيرات المتبقية على سطح الأرض”، داعيا الباحثين والمهتمين بهذا المجال إلى مواصلة العمل بنفس المثابرة والإرادة لإبراز الحقائق المتعلقة بملف التفجيرات الفرنسية النووية، ووعد بتنظيم ندوة حول أعمال الراحل كاظم العبودي”.

ويوحي الاهتمام الذي توليه الجزائر للعبودي الأهمية القصوى للرجل الذي حمل جنسيتها وكرس جهوده لخدمة أحد أبرز ملفات الذاكرة، فإلى جانب دوره في جامعة وهران كان عضوا فعالا في المجتمع المدني وصاحب حضور دائم في الندوات والملتقيات التاريخية وفي الإعلام المحلي.

ويعدّ العبودي من الشخصيات العربية التي تحظى باحترام وإجماع الكل، نظير جهوده المضنية في بحث وتوثيق الجرائم النووية، سواء في الصحراء الجزائرية أو في فلسطين والعراق، وترك وراءه العديد من البحوث والمؤلفات المهتمة بالموضوع، كما يشهد له الجميع في الجزائر بأنه صاحب الصوت الأول المطالب بتعويض المتضررين من سكان الجنوب الجزائري.

ثلاثة أضعاف هيروشيما

جهوده الكبيرة، ونشاطه في جمعية “أحباب البيئة في الجزائر”، جعلا منه مدافعا شرسا عن ضحايا التفجيرات النووية وتداعياتها الخطيرة على البيئة الصحراوية الممتدة إلى الآن، بشهادة المختصين.
جهوده الكبيرة، ونشاطه في جمعية “أحباب البيئة في الجزائر”، جعلا منه مدافعا شرسا عن ضحايا التفجيرات النووية وتداعياتها الخطيرة على البيئة الصحراوية الممتدة إلى الآن، بشهادة المختصين.

سخّر العبودي العقود الثلاثة الأخيرة من عمره في البحث والتوثيق والتحري عن الجرائم النووية التي نفذتها فرنسا في الصحراء الجزائرية (1960 - 1966) ووصف تلك التفجيرات بـ”الشعوذة النووية”، كونها لم تعتمد على أساليب علمية دقيقة واكتفت بالتجريب فقط لأنها لم تكن تهتم بآثاره الوخيمة.

وسخر العالم الراحل جهوده إلى جانب الجامعة ومدرجات المحاضرات، في جمعية “أحباب البيئة في الجزائر”، وظل مدافعا شرسا عن ضحايا التفجيرات وعن تداعياتها الخطيرة على البيئة الصحراوية الممتدة إلى غاية الآن، بشهادة المختصين، وذكر في أحد تصريحاته أن “العملية لم تكن مدروسة وحساباتها كانت خاطئة”.

العبودي يؤكد أن "اليربوع الأزرق" هو قنبلة نووية فرنسية – إسرائيلية بامتياز منذ بداية المشروع إلى غاية تنفيذه، موضحا أنه بينما كان ديغول يتلقى الخبر السعيد بهذا التفجير كان موشي دايان موجودا في موقع "الحمودية" ببشار

وسرد كاظم العبودي تاريخ التفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية بالقول في إحدى محاضراته إنه “بعد سنوات من الحرب العالمية الثانية مباشرة، بدأ المشروع الفرنسي النووي، وكان هناك قرار لدى الحكومة الفرنسية وتحديدا من قبل الجنرال ديغول ينص على أنه لا بد من البدء في المشروع العسكري النووي الحربي بتنفيذ أول تجربة على الأراضي الجزائرية، وذلك منذ العام 1956، وبعد الانتقال من مرحلة إعداد الصواريخ في “حماقير” بمنطقة بشار على الحدود الجنوبية الغربية، بدأ المشروع ببناء قاعدة الحياة برقان التي ضمت حوالي 27 ألف شخص بين خبراء وعسكريين ومهندسين”.

وتم إعداد منطقة “الحمودية” التي تبعد حوالي ستة كيلومترات عن قاعدة الحياة على أن تكون هي أول منطقة لتفجير أول قنبلة نووية فرنسية في الأراضي الجزائرية، وحدد لها تاريخ العام 1960، ومع حلول الـ13 من فبراير الأسود، كان الإعلان عن تفجير أول قنبلة نووية فرنسية بالاسم الرسمي للمشروع، إلا أن العبودي يؤكد أن “اليربوع الأزرق” هو قنبلة نووية فرنسية – إسرائيلية بامتياز منذ بداية المشروع إلى غاية تنفيذه.

ويلفت العبودي إلى الجذع المشترك بين المشروع النووي الفرنسي والصهيوني في الصحراء الجزائرية، بالقول “بينما كان ديغول يتلقى الخبر السعيد بهذا التفجير، كان موشي دايان موجودا في موقع (الحمودية) ببشار”.

وقدّر حجم القنبلة بسبعين كيلو/طن، ويشدد على أن الحسابات الأولى في أول قنبلة قد أخطأت كمية الوقود النووي اللازم لتفجير قنبلة بمستوى هيروشيما، لكنها تضاعفت في حدود ثلاث إلى أربع مرات عن قنبلة هيروشيما، ولهذا أسميها “شعوذة نووية”، لأن الحسابات كانت خاطئة ولم تأخذ بعين الاعتبار الظروف المناخية ولا الموقع ولا حتى الحياة الطبيعية في المنطقة.

مسلسل اليرابيع الملونة

العبودي لم يستبعد وجود تفجيرات نووية غير معلنة، مستنداً إلى وثائق نشرت مؤخراً لقادة عسكريين، من بينهم “إيف روكار” أبو القنبلة النووية الفرنسية.
العبودي لم يستبعد وجود تفجيرات نووية غير معلنة، مستنداً إلى وثائق نشرت مؤخراً لقادة عسكريين، من بينهم “إيف روكار” أبو القنبلة النووية الفرنسية.

شدّد العبودي في تحليله على أنه بعد شهر من  تنفيذ أول تجربة، أعلن عن تفجير قنبلة ثانية باسم “اليربوع الأبيض” وهنا نربط بين الأبيض والأزرق الذي يمثل علم الكيان الصهيوني، ما يوحي بأن الأيدي الإسرائيلية شاركت حتى في القنبلة الثانية. لتليها قنبلة أخرى في ديسمبر عندما صار ما يسمى بـ”انقلاب العقداء” على الجنرال ديغول وتمرد الجيش الفرنسي في الجزائر على السلطة المركزية.

وخشية أن تقع هذه القنبلة بين أيادي الانقلابيين سارع عدد من الضباط إلى تفجيرها، لكن للأسف في ظل ظروف مناخية غير محسوبة، وسمّيت بـ”اليربوع الأحمر” حتى يستكمل لون العلم الفرنسي وفي أبريل من سنة 1961 فجرت القنبلة الرابعة التي سميت بـ”اليربوع الأخضر”، علما وأنها كانت عبارة عن مناورة عسكرية نقلت فيها بعض معدات الجيش الفرنسي الكاملة العدة البرية والبحرية والجوية ونقلت ووحدات متخصصة للجيش دون علمهم من قاعدة في ألمانيا الغربية وفجرت القنبلة في ظروف مناخية صعبة، لذا يجدر القول إن التفجيرات الأربعة المعلن عنها كانت واحدة، وهي من أهم الكوارث على الكرة الأرضية في القرن العشرين.

مؤتمر المناخ الذي نظّم في باريس العام 2015 وضع أجندة لمئة سنة لخفض درجة الحرارة في الأرض، إلا أنه وحسب العبودي، تجاهل مغامرات الفرنسيين غير المحسوبة التي أدت إلى تلوث بيئي خطير

ولا يستبعد عالم الفيزياء الراحل وجود تفجيرات نووية غير معلنة، ويستند في ذلك إلى المذكرات التي بدأت تنشر على لسان الكثير من القادة العسكريين، من بينهم “إيف روكار” وهو أبو القنبلة النووية الفرنسية، فضلا عن شهادات أخرى تؤكد احتمال تفجير من ست إلى سبع قنابل نووية في توات، أي من جنوب رقان حتى تنزروفت، بمحافظة أدرار حاليا.

سلسلة التفجيرات المذكورة لحقتها سلسلة تجارب في الآبار، ولكن لا أحد يعرف معلومات عنها والأرشيف مخفيّ إلى يومنا هذا، ومن ثم فإنه ما إن انتهى عام 1961 حتى تضاعفت كميات المواد المشعة على مستوى العالم بحوالي 20 ألفا عن مستواها الطبيعي، حيث ارتفع مستوى “التريتيوم” في كل الأجواء الأوروبية إلى أرقام مهولة ما أدى إلى انطلاق مظاهرات عالمية تجبر الفرنسيين على التوقف عن هذا الخراب البيئي.

ويشير العبودي إلى أن مؤتمر المناخ الذي نظّم في باريس عام 2015 وضع أجندة لمئة سنة لخفض درجة الحرارة في الأرض، إلا أنه تجاهل مغامرات الفرنسيين غير المحسوبة التي أدت إلى تلوث بيئي خطير لاسيما وأن العديد من مراكز الرصد الإشعاعي في العالم والمخابر العالمية المعروفة في سويسرا وفرنسا أكدت أن كمية الثلوج المتساقطة أخيرا في هذه البلدان الأوروبية سجلت عددا من الدقائق والعناصر المشعة هي نتاج الانشطارات النووية المتلاحقة التي كانت في سنوات الستينات، حيث تأثرت بلدان كثيرة في العالم بهذه المواد المشعة، ووصلت إلى غاية نجامينا، صقلية، إسبانيا والولايات المتحدة.

وكان يشدّد على أنه “آن الأوان لنضع الملف أمام الضمير العالمي، فهذه الكارثة المنسية لا يمكن السكوت عنها، وعلى فرنسا أن تتقاسم معنا هموم الأجيال التي مسها الإشعاع النووي، بدليل أنه حتى أحفادها لاسيما الكثير من العسكريين أصيبوا بتشوهات خلقية وسرطانات قاتلة، والسؤال المطروح كيف تستجيب لمطالبهم بالتعويض، وتترك وتتناسى شعبا وأرضا ومناطق وأمة وحاضرا مسّهم الضرر جراء هذه التفجيرات النووية البشعة؟”.

التفجيرات السرية

أبحاث العبودي تلفت إلى ما أسماها بـ”الأزمة الأخلاقية للغرب”، حيث يقول إن “نخبة علمية شاركت في هذه التفجيرات».
أبحاث العبودي تلفت إلى ما أسماها بـ"الأزمة الأخلاقية للغرب"، حيث يقول إن "نخبة علمية شاركت في هذه التفجيرات"

تلك التجارب التي قامت بها فرنسا خلال فترة احتلال الجزائر في منطقة “رقّان” وباقي مناطق الجنوب حسب العبودي، خلفت ما يزيد عن 150 ألف ضحية طيلة الفترة الممتدة بين 1960 و1962 والكثير من العمليات الخطيرة والمحرمة لا تزال غامضة وسرّية، ولم تتسرب بعد خرائطها والوثائق المتعلقة بطبيعة نشاطها. وأن تأثير المواد الإشعاعية النووية على صحة الإنسان والبيئة، لا يزال مستمرا، وما يمكن أن تخلفه من طفرات جينية وأمراض سرطانية ما فتئت تظهر لدى سكان هذه المناطق رغم مرور أكثر من نصف قرن على حدوث هذه التجارب.

حاز العبودي ثلاث شهادات دكتوراه في الفيزياء النووية والفيزياء الحيوية، وأخيرا دكتوراه الفلسفة التي ناقشها بجامعة وهران 2011 حول أخلاقيات البحث العلمي، وله عدة مؤلفات حول التفجيرات النووية منها “يرابيع رڤان”، و”جرائم فرنسا في الصحراء الجزائرية” و”استعمال الأسلحة المحرمة دوليا” بالاشتراك مع وزارة المجاهدين.

كما عمل أستاذا في الجزائر في مطلع سبعينات القرن العشرين في إطار البعثة العراقية، ثم حصل على منحة إلى بولندا، ليتخصص في الفيزياء الحيوية من جامعة لودز، حيث حاز الدكتوراه في الفيزياء التطبيقية النووية، ثم دكتوراه ثانية في الكيمياء الإشعاعية، بعد منحة من منظمة التضامن الأفروآسيوية. ودرّس في بيروت ودمشق وعاد إلى الجزائر سنة 1984 وكان ممن ساهموا في قسم الفيزياء الحيوية بجامعة وهران وشغل منصب مدير بحث فرق ومخابر متعلقة بالميكروبيولوجيا التطبيقية، إلى أن وافاه الأجل، ودفن في مدينة تلمسان مقر إقامة العائلة، في جنازة مهيبة تعكس مكانته الكبيرة لدى الجزائريين.

أبحاث العبودي تلفت إلى ما أسماها بـ”الأزمة الأخلاقية للغرب”، حيث يقول إن “نخبة علمية شاركت في هذه التفجيرات وليس فقط العسكريون والسياسيون، لكنها اعترفت بأنها غير مسؤولة عنها، لذا نقول إن المشروع الفرنسي قاده عسكريون مغامرون إن لم نقل «أميّين». والأخطاء كانت كبيرة وفادحة بشهادة العديد من الخبراء الفيزيائيين الفرنسيين، بل حتى صورة التفجير النووي في 13 فبراير ليست

حقيقية، لأن العاصفة التي رافقت التفجير أطاحت بكل الكاميرات، وكان هناك تسجيل صوتي فقط، وقام بصناعة صور مركبة للقنبلة النووية الأميركية في نيومكسيكو، ونسبوها إلى التفجيرات في الصحراء الجزائرية”.

12