كاظم جهاد يحذّر من موجة ترجمة كتب العنف والإرهاب الغربية

الأحد 2014/05/11
كاظم جهاد يتساءل عن أسباب غياب المؤسسات الثقافية العربية

موجة من الترجمات للكتب الغربية والأميركية التي تتناول الإرهاب والعنف في المنطقة العربية والإسلامية وتبحث في جذوره وتؤرخ لرموزه وقياداته تجتاح دور النشر العربية، بدأت مع بداية الثورات العربية وتصاعدت مع وصول جماعات الإسلام السياسي للسلطة بمصر وتونس ودخولها في مواجهات في سوريا وليبيا واليمن ولبنان.


ترجمة الثورة


وجدت موجة الترجمات الحديثة المتصلة بظروف ثورات الربيع العربي إقبالا من القارئ العربي الشغوف بالتعرف على صنّاع الإرهاب والعنف والدم أفكارهم وأطروحاتهم ومراجعهم والدور الذي لعبته بعض الدول غربا وشرقا في نشأتهم ونشأة جماعاتهم وتنظيماتهم.

والمتابع الدقيق يستطيع أن يرى أن ثمة أمورا عديدة وغريبة تحيط بهذا المجال، ذلك أن كثيرا من المؤلفين والمترجمين من غير ذوي التخصــص، وأن ليست هناك عين ناقدة.

حول دوافع وأسباب ونتائج هذه الموجة التقينا بالشاعر والناقد العراقي كاظم جهاد أحد أبرز المترجمين والمتابعين لحركة الترجمة العربية في عالمنا العربي، فقال: “لا بد أن نفكر من زاويتي نظر أولا ما هو الجمهور الذي يتجه ويهتم لهذه الكتب ولماذا؟ وثانيا هذا الحصار لأنماط الترجمة الأخرى التي اعتدنا عليها سواء الترجمة الفكرية والأدبية وسواء ترجمة الرواية أو الشعر أو نقد الأدب، أوّلا أعتقد أن هناك حالة سوسيولوجية لمثل هذه الكتب، وكما تعلم فهناك أزمة في الشق الثقافي، المجتمع العربي والثقافة العربية مغزوة الآن بشتى الحركات غير العقلانية التي تمارس الإجراءات التي تعرفها، لذا يأتي بعض الكتاب ولديهم نوايا أيديولوجية لركوب الموجة وبعضهم يتمتعون بنزاهة فكرية ويرغبون في تحليل ما يجري وتفسيره، لذا هناك نوع لا أقول الغزو لمثل هذه الكتب ولكن هناك نوع من التكاثر والتضخم الترجمي في هذا الاتجاه، حتى الغرب لا يمكن الكلام عنه كغرب واحد هناك تيارات فكرية وهناك ماركسيون ومفكرون عقلانيون هناك مفكرون كارهون للعرب ويعبرون عن كرههم بصورة مباشرة وغير مباشرة، معلنة أو مبطنة، فهنا يجب أن ننتبه من يترجم؟ أي دار نشر تمارس ترجمة هذه الكتب ونشرها والترويج لها، ما هي استراتيجيات الترجمة، طرق الترجمة وطرق التعريف بهذه الكتب، كيف يتم اختيار هذه الكتب، فكما تعلم الترجمة عمليا واسعة، وكثير من الناس ممن لا يعرفون ما هي الترجمة يتصورون أن يأتي مترجم ويترجم الكتاب وهكذا تنتهي العملية؟ إن ألف ياء الترجمة لا ينحصر في عمل المترجم، الترجمة تبدأ باختيار الكتب ثم التعريف بالكتب والترويج لها والتهيؤ لها نقديا، أي الاشتغال على ما يسمى تلقي القارئ، فيجب أن نلاحظ أن هذه الكتب ليست تيارا واحدا، ما هي طبيعة الرسالة التي يحالون إيصالها؟ وبأية لغة ترجمت ولماذا اختيرت؟ من عمل على ترجمتها؟".

هناك أسماء تفرض نفسها عبر سنوات من الصراع والإبداع وهناك أسماء تخلق بين ليلة وضحاها لأن وراءها مؤسسات خبيرة في الدعاية


كتب محترمة


وعن ترجمة الكتب الغربية، يقول كاظم جهاد: “المؤلفون الغربيون الذين كتبوا هذه الكتب من هم؟ وتحت أي لواء فكري ينضوون، لقد ترجمت برأيي كتب مهمة تعود للعهود السابقة، دراسات مثل دراسات المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون الذي امتدحه إدوارد سعيد في كتابه عن الاستشراق الذي هاجم فيه الاستشراق واعتبره طريقة في إعادة اختراع الشرق لغايات غربية، لكنه استثنى بعض المستشرقين الذين اعتبرهم ذوي نزاهة وذوي رؤية وتعمق ومن هؤلاء رودنسون وجاك بيرك، ومن كتب رودنسون “جاذبية الإسلام” و”الماركسية والإسلام”، والسيرة التي وضعها للرسول محمد صلى الله عليه وسلم وتعامل فيها معه كقائد تاريخي وعبقرية سياسية وليس كنبي منزّل، يعني تعامل مع الإنسان في شخصية الرسول، هذه كتب محترمة، وهناك كتب حاليا تمشي في هذا الاتجاه، أما الكتب الأخرى فلا طريق واضحة لها".


ضرورة النقد


أكد جهاد أن أغلبية هذه الكتب مسؤولية الصحفيين والنقاد، وقال: “تجب متابعة هذه الكتب ومعاينة الرسالة الضمنية داخل كل كتاب ووضع كل كتاب في محله الصحيح، هل هو كتاب ترويجي؟ هل هو كتاب كاره للعرب؟ هل يبطن رسالة كارهة عبر تصوير الوقائع والأشياء لاتجاه يتماشى مع هذا الكره؟ هل هناك حماسة للعنف، هل هناك رغبة في استئصال العنف، هذه أمور ينبغي على الإعلام والنقد غربلتها ودراستها بحيث يقدم للقارئ نوعا من العون والمساعدة في التلقي".

وحول كون هذه الكتب تصب كلها في خانة الإرهاب والعنف وما قامت به القاعدة والجماعات الجهادية وما تقوم به تنظيمات وجماعات الإسلام السياسي، كما أن مؤلفيها يتحدثون حديث العلم ببواطن الأمور وكأنهم عرب وليسوا أجانب ينظرون من الخارج، أوضح جهاد “أن هناك اتجاها واضحا الآن في الغرب لتعميم الصورة لكي تصل أوّلا إلى للغربيين وثانيا إلى غيرهم، وهي أن وراء كل عربي إرهابي ممكن أو محتمل، وهذه الكتب لا أدري فائدة ترجمتها، ومن ثمة يجب التصدي لها والبحث عن درجة، أو الحد الأدني، من الموضوعية في الكتب التي تترجم في هذا الشأن، وأنت محق في سؤالك: لماذا تترجم هذه الكتب؟ هذه الكتب تحمل نوعا من اليقينية الجارفة والمغالية أن يتكلم المؤلف أولا كأنه يعيش في العالم العربي يوما بيوم أو ساعة بساعة ويعرف تضاريسه، وثانيا كأن ما يقول به هو عين الواقع، تعرف أن الغالبية في البلدان العربية والإسلامية جماهير مقموعة وحتى عندما تنجرف وراء بعض التيارات هي تنجرف وراءها بلا وعي، ويجب على المثقف العربي أن يعمل بوعي على فضح هذه الرسالات والبلاغات التعميمية التي توجه للجمهور العربي".

تجب متابعة الكتب المترجمة ومعاينة رسالتها الضمنية ووضع كل كتاب في محله الصحيح


الانحياز إلى الحقيقة


وتساءل كاظم جهاد "أين المؤسسات بصراحة؟ أين المؤسسات العربية التي تشتغل بمنهج واع وخطة نشريّة مدروسة؟ للأسف هي غائبة وهذا للأسف نعلمه جميعا، المؤسسات غائبة، أو تتصارع، وهناك الأحزاب أيضا وهناك الدعاوى وما أكثرها، المهم أن يقوم المثقف العربي المستقل بدوره حتى لو كان المثقفون العرب الأحرار أقلية فعليهم القيام بواجبهم، واجب التنوير والتوضيح والدراسة، والغربلة والفرز، لا يجب أن تتساوى كل الأشياء".

وأوضح أنه “لا ينبغي أن نبتئس ولا يجب أن نعتبر الطغيان المؤقت لهذه الموجة يعني أن الأشياء الجادة والعميقة في الثقافة العربية قد انحسرت، لا يزال هنالك أناس جادون متعمقون سواء في النقد أو الكتابة أو الفكر يمضون الجزء الأكبر من أوقاتهم ويهدرون الجزء الأكبر من طاقتهم الذهنية والعصبية لإيصال كتب ممتازة وجيدة لقصاصين وروائيين وشعراء ومفكرين من كل العصور، فالناس بالنسبة إلى من يفهمون الثقافة فهما سطحيا لا يفهمونها، هؤلاء الناس حالمون واهمون، هم في الحقيقة أفراد واقعيون هم يعرفون أن الواقع دائما سينتهي في الانحياز للحقيقة، لما هو جميل وعميق ومجدد وخلاق، وقد يكون هناك انحسار نسبي للترجمات والأفكار الجادة نقدا وأدبا وإبداعا ولكن في النهاية لا أريد أن أقول إن هذه اللغة ستنتصر ولكنها ستفرض نفسها، وتعود لما كانت عليه في العهود السابقة إلى السطح من جديد".

وتفسيرا لاتهام المحاضرة في العلاقات الدولية بجامعة ردينج البريطانية كريستينا هلميتش فأغلب الكتابات الغربية والأميركية التي تتناول القاعدة والإرهاب والعنف تتناولها بعدم الموثوقية والتلفيق وأن أصحابها اكتسبوا شهرة واسعة بعد أن استعانت بهم وزارة الخارجية الأميركية وأجهزة مخابرات وإعلام، وأوضح جهاد “أن هناك ما يسمى بصناعة الأسماء، هناك أسماء تفرض نفسها عبر سنوات من الصراع والإبداع والإنتاج وهناك أسماء تخلق بين ليلة وضحاها لأن وراءها مؤسسات خبيرة في الدعاية وصناعة الاسم وحتى خبيرة في اختلاق الخبر، يتحدثون عن أحداث لم تقع أو يشوهون حادثا صغيرا ويضخمونه، لا يجب أن نكذب على بعضنا بعضا، الخطر موجود، كل يوم إحدى الحارات العربية يقع فيها ضحايا للإرهاب، الإرهاب موجود لكن هل يعني هذا أن العرب جميعا إرهابيون، هذا ما لا يقبله المنطق وهو ما يجب التصدي له. كما تقول أنت وكمال تقول الكاتبة التي عرضت فكرتها هناك القارئ العميق يجد عيوب الكتّاب بسرعة مثل الطبيب الذي يرى من عيني المرض ولون بشرته أن عنده حمى وما هو المرض الذي يعاني منه، أما القارئ البسيط فليس لديه هذه النظرة، هذه النظرة الطبية في الثقافة".

وحول خطر ما تشكله هذه الكتب من خطر على القارئ العربي، قال إنها ستشكل خطرا كبيرا، “ولذا قلت لك إن مهمة المثقف الواعي جدية ومهمة، لا يجب أن نكتب فقط بل يجب أن نلاحظ ونتابع ونمارس النقد، النقد مهمة لا تقل ضرورة عن الكتابة الأدبية، نحن بحاجة إلى نقد الفكر والأيديولوجيات والاستراتيجيات فكل ذلك يشغلنا، ومن ثمة لا يمكن أن نقابل هذه الموجة مكتوفي الأيدي، هناك خبراء ومؤسسات وفرق عمل تشتغل وتختلق وتؤول، يجب التصدي للتأويل بتأويل مضاد، وهذا ما قام به من قبل باحثون ومفكرون كبار سواء كانوا غربيين أو عربا، يجب التصدي للنقد بالنقد، هم لا ينقدون العالم العربي بل ينتقدونه، بل يهمّشونه ويصغرون صورته، التصدي واجب بتفكيك طرق صناعة الخبر والحدث والاسم”.

15