كافكا على الشاطئ هروب من اللعنة إلى متاهة عبثية

السبت 2015/01/24
هاروكي موراكامي: كنت طفلا وحيدا، وسرعان ما لمست أن الخيال أروع من الحياة

ساحرة، مخدرة، “كافكا على الشاطئ”، هي رواية تمرين يتمّ في خضمها، بصنعة متناهية وخيال مدهش، استثمار كل العمق والثراء لـ”هاروكي موراكامي”. عمل راق، يندرج ضمن أعظم الروايات التلقينية للأدب العالمي.

هي قصة بطلين ينطلقان في ملحمة كبيرة، يصادفان في طريقهما أناسا وقططا، أمّا غريبة الأطوار تدير شبكة للدعارة، مومسا شغوفة بـ”هيغل”، جنودا تائهين وعقيدا مخيفا، أسماكا تسقط من السماء، وأشياء أخرى كثيرة أيضا. قبل اكتشاف حقيقتهم الخاصة، ورؤية مصائرهم تتقاطع بشكل محتوم.

كونه ابن مدرّس للأدب الياباني بالثانوية، فقد أمضى هاروكي موراكامي المولود بمدينة طوكيو سنة 1949، طفولته مع كتبه، حيث يقول باعتزاز: «كنت طفلا وحيدا، منعزلا، قلقا وخائفا. كنت أقضي أيامي أسيرا مع قططي وكتبي وسرعان ما لمست أن الخيال أروع من الحياة».

عند بلوغه سن الرشد، اختار أن يدرس فنون المسرح، وكانت أمنيته أن يكون كاتب سيناريو. لكنه بعد السلك الجامعي اشتغل كمسير لحانة تُعزف فيها موسيقى الجاز، لمدة ثماني سنوات. وكما يشهد اسم الحانة، فإن موراكامي أحد المولعين بالقطط التي نجدها في أغلب رواياته.

بتجاربه الطلابية وبالعمل تغذّت روايته الواقعية الأولى “استمِع لنغمة الريح”، التي حازت على جائزة غونزو (Gunzo)، منذ ذلك الحين آثر أن يجعل التناوب في كتاباته بين «اختبار» الرواية و« بهجة» القصة القصيرة، حيث تشكل لديه هذه الأخيرة شبه مختبر للأولى. وهو أيضا كاتب مقالات، لقد حاز على أزيد من 12 تتويجا. ومنذ 2006 يعلن عن تسجيله سنويا ضمن لائحة المرشحين للفوز بجائزة نوبل للآداب.

فلقد ترجمت مؤلفاته إلى خمسين لغة، وطبعت منها الملايين من النسخ، لذلك يعتبر موراكامي أبرز الأدباء اليابانيين المعاصرين إذ تحظى كتبه بتهافت أكبر عدد من القراء. إنه أيضا معروف في اليابان كمترجم من الأنكليزية إلى اليابانية، وقد ترجم العديد من الروايات العالمية.

كل شيء كناية ومجاز واستعارة في هذه الرواية، سخيف وعبثي، ومع ذلك فهو أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة


تراجيديا يونانية


«كافكا يوظف الألم والسخرية ليصنع عالما من المتاهات والعبثية»، بهذه الجملة عبّرتْ على موقع صحيفة “بابيليو” قارئة وقعت تحت اسم مستعار “لاتينا”، قبل أن تتساءل: ماذا أتى يفعل كاتب تشيكي كبير في هذه الرواية اليابانية؟

في الواقع، اختار للبطل اسم كافكا وقد أحسن الاختيار، هذا المراهق الياباني الذي يهرب من المنزل الأبوي، وهو يحمل جرحا وتلازمه حرقة: تخلت عنه والدته وهو في سن الرابعة، وتوقع والده أنه سيقتله وسيضاجع والدته.

ها نحن ننقاد مقتفين خطى كافكا في رحلة هروبه، وعلى الأخص في بحثه عن ذاته، وهي متاهة معقدة، وتراجيديا يونانية حقيقية لم يغفل مؤلفها أيّ عنصر: هناك جرائم قتل؛ نُفذت حقا أم لا؟ في الواقع إذا كنا نحلم أننا نَقتل، هل نحن فعلا نقتل؟ هل تبدأ المسؤولية في الأحلام، في الخيال؟ أهو ذنب لا مفرّ منه؟

هناك تعذيب للقطط لا يطاق ويستحيل الدفاع عنه، هذه القطط الحكيمة، رغم ذلك تعرف كيف يعمل الكون. هناك تجربة الشعور بالوحدة في عمق الغابات، هناك التلاحم العميق مع الطبيعة، هناك غارة عند بوابة مملكة الأموات، هناك حب مجنون؛ مع الأم؟ هناك الكثير من الأشياء الأخرى أيضا التي تربك، تخترق، تخلخل، تقلب القارئ رأسا على عقب.


بين الطبيعي والخارق

الرواية تحمل القارئ في رحلة هروب مع البطل كافكا


كل شيء كناية، مجاز واستعارة في هذه الرواية، كل شيء سخيف وعبثي، الكل سخرية ومفارقات، ومع ذلك فهو أكثر واقعية وأقرب إلى الحقيقة. لا يسع المرء إلا أن يذعن كثيرا، ويبتسم كثيرا أيضا، فمن الصعب جدا التخلي عن مثل هذه الرواية، إنها تسكن القارئ وقد تصيبه بالهوس أو تشفيه منه.

الكتاب غريب وساحر في نفس الوقت، قصة مفعمة بالدسائس، لا نعرف إلى أين نحن ذاهبون، لكن لا تحدونا أبدا الرغبة في التخلي عن تفصيل من أحداثها؛ شخصيتان رئيسيتان، كافكا الذي لن نعرف أبدا اسمه الحقيقي، مراهق هارب تطارده لعنة أوديب المقترنة بمصيره، وناكاتا عجوز غريب الأطوار يتحدث مع القطط.

صادف أيضا العديد من الشخصيات الثانوية، عادية بشكل خاص أو غريبة تماما، مرورا عبر كل الخاصيات المتباينة الممكنة: سِيَر تطبعها المأساة، أجساد مُجْبَرة ومضطرة بغرابة، أرواح معذبة، صور إعلانات تدبّ فيها الحياة.

الأجواء المخيمة طيفية موهمة تتأرجح بين الطبيعي والخارق، أسلوب ياباني بامتياز، حيث تتداخل الغرابة مع الحياة اليومية؛ وصف غابة، جوّ غريب، ساحر، ومخيف، يجعلنا نفكر بالأميرة مونونوكي، حين يمكن للغابة أن تكون حليفة بقدر ما يمكن أن تكون عدوّة، حيث يمكن أن تكون رهيبة كما كان الحال قبل الحضارة، خصوصا عندما نكتشف ما تخفيه بداخلها.

مسار تلقيني للفتى كافكا الذي سيعيش تجربة الحرمان من والده، الحرمان من الحب والجنس، الشعور بالوحدة وحتى بأشياء شبيهة بالعالم الآخر، مما سيخول له العودة إلى الواقع وقد بلغ الرشد واشتدّ عوده.

أما ناكاتا فعلى النقيض من ذلك، إنه عالق في عالم لم يعد يلائمه. خطان متوازيان سيتقاطعان في مغامرة تسوقهما إلى عالم حيث يتحدّد الخط الفاصل بين الحلم والواقع، حالم أحيانا، مثير للتوجّسات في بعض الأحيان، صادم وثوري أحيانا أخرى، يأخذنا موراكامي إلى عالم حيث يختلط الشهداء بالأحياء للتأثير على مجرى حياة الناس.

من أجل البحث عن أصوله، وقد تخلت عنه أمّه في صباه، يغادر كافكا تامورا منزل أبيه المكروه. ويقوده هروبه «الأعمى» نحو الجنوب، حتى بلوغ شبه جزيرة نائية، حيث يجد حصن سلام وسكينة بمكتبة فريدة، فيتملكه الشجون والهيام وهو منكبّ على قراءة المؤلفات الكلاسيكية من الصباح إلى المساء.

تفاصيل القصة محبوكة بشكل جيد من حيث المبنى والمعنى، ويتواصل الغموض والتشويق في كل مكان، حتى لحظة النهاية

هناك تشبّ صداقة بينه وبين كُتُبي من الجنس الثالث، ويسقط في غرام سيدة المكان الغامضة، سايكي التي لا تزال مغرمة بعشيقها الشاب وقد فقدته منذ عشرين سنة.

هل سيفلت كافكا من التنبؤ الرهيب الذي مفاده أنه سيقتل أباه ويضاجع أمه وأخته؟ طريق هذا الشاب أوديب، أول حكواتي في التاريخ، ستتقاطع مع طريق شخصية غامضة، العجوز ناكاتا -الذي يتكلم عن نفسه بضمير الغائب- المتخلف ذهنيا بعد تعرضه لحادث غريب، جعله لم يعد يتواصل مع الآدميين، لكنه يتحدث إلى القطط التي باستطاعته أن يفهم لغتها ويتحدث معها.

عن هذه الرواية كتبت الناقدة سيسيل روبان-لاباير (Cécile Robin-Lapeyre) في تعليق لها على موقع صحيفة “ليكتور جون”: “يستمر السرد بغاية البحث عن حقيقة الشخصيات.

بعض الألغاز ستبقى غامضة، لكن وعلى شاكلة تراجيديا يونانية، كل الشخصيات ستذهب في نهاية المطاف لتبلغ مصيرها النهائي. تعدّد مدهش للشخصيات المحيطة بالأبطال: إنها تلعب دورا داعما معززا للسرد، دون أية مظاهر بسيكولوجية. مع ذلك يشتغل السحر عبر تناوب القصتين، ويحسّ القارئ أنه محمول بهذه الرواية التلقينية العجيبة، التي تنتهي ببلوغ كافكا سن الرشد”.

تفاصيل القصة محبوكة بشكل جيّد من حيث المبنى والمعنى، ويتواصل الغموض والتشويق في كل مكان، حتى لحظة النهاية؛ اللاواقع جنبا إلى جنب مع الحياة الطبيعية الفعلية، يقودان القارئ إلى رؤية السماء تمطر أسماكا كأمر طبيعي تماما، أو مشاهدة شبح إنسان حي يظهر في منتصف الليل.

17