كافكا و"المحاكمة" على مسرح يونغ فيك اللندني

الأحد 2015/08/23
مشاهد مختلفة من عمل مسرحي جريء ومبتكر

نص كلاسيكي لا يُبليه كَرُّ الأيام طالما لم ينفض العالم عن روحه تراب الحزن والمعاناة. إنها رواية “المحاكمة” (1925) لرائد الكتابة الكابوسية الروائي النمساوي المولود في براغ -مملكة البوهيمية وقتذاك- فرانس كافكا (1883-1924). كتبها كما كتب رواية “القلعة” (1926) باللغة الألمانية، وبزغتا إلى النور ضد رغبته بعد وفاته على يد صديقه ماكس برود الذي رفض طلب كافكا بإبادة كل كتاباته.

أزيح الستار عن مسرحية “المحاكمة” على مسرح يونج فيك اللندني في 19 يونيو الماضي بعد أن عدّلها لتتوافق مع المسرح الكاتب البريطاني نيل جيل، الفائز نصه “شيء كتبتُه على عجل” بجائزة “المسرح المفقود” الافتتاحية بمهرجان “خمس دقائق”.

واللوم يُسدَّد إليه لتحويل رواية كافكا النُبُوئيّة برعبها “المعتاد” الجاري في حيواتنا إلى كوميديا تمتزج لغتها الإنكليزية بألمانية ركيكة وكأنها لغة جديدة، تستحضر وفقا للناقد البريطاني هنري هيتشينجز لغة “نادسات” العاميّة التي اختلقها الروائي الإنكليزي أنتوني بيرجيس في روايته “البرتقالة الآلية”، فيما يراها الناقد البريطاني مايكل بيلنجتون في جريدة “ذا غارديان” مزيجا من لغة جيمز جويس ولغة ستانلي أنوين.

تتشظى المسرحية أيضا بمونولوجات ساخرة، يؤديها البطل في هذيان ملغز لا مبال، ملوِّنا تيار وعيه بإيحاءات جنسية من أهوائه ونزواته الماضية. وهو لا شك العجب بعينه. صحيح أن الهزل يتفتق دوما من افتتاننا بالمتنافر والمتضارب أو من المشاهد المنطوية على المفارقة، ذلك التقارب بين المعتاد والوهميّ، وهي إحدى سمات رواية “المحاكمة”.

ولكن هذا الجثام الغامض المتسلل إلى عبارات الرواية، والافتقار إلى المغزى والمقصد، والفقرات السوريالية المحبّبة لكافكا، والوعيد المربك بحدوث ما لا نرغب فيه، بل والإشارات الاجتماعية والسياسية المتخمة في النص الأصلي يتعارض كله بالقطع مع قرار المخرج المسرحي والأوبرالي ريتشارد جونز، حامل وسام الإمبراطورية البريطانية من الملكة إليزابيث، بإدماج مسحة هزلية، كثيرا ما تخرج جنسية مبتذلة، تشي بجوع المراهق شبه المكبوت إلى جسد المرأة.

يعجز جوزيف المنكوب في المشهد الأخير من "المحاكمة" عن الفرار من الحكم بالإعدام على فعلته المجهولة. يمرر منفذو الحكم السكين من يد إلى يد

أضاف كذلك تلميحات جنسية من الثقافة الشعبية بلا داع حقيقي مما خذل كافكا الذي لم يمسك عن انتقاد فرويد، واصفا التحليل النفسي بأنه “خطأ بائس″.

وهكذا تجرد العرض من عمقه وخطورته الآسرة، ليتضاءل أمام نسخ بريطانية أخرى من الرواية ذاتها مثل مسرحية الكاتب والمخرج ستيفين بيركوف عام 2009.

تبدأ الحكاية بعيد ميلاد جوزيف كيه الخامس والثلاثين. ثمة طرق على بابه، لا أثناء نومه مثلما ورد في الرواية، وإنما وهو يحملق في خُمار السكْر إلى راقصة تتعرّى. تبدو كالآتية من بيت مشبوه، وهو المتلصص على فضائحها. تقوم بدورها البريطانية الموهوبة كيت أوفلين، المتقمصة أيضا لخمسة أدوار أخرى في المسرحية وكأنه لا وجود لممثلة غيرها.

والوافدون ثلاثة عملاء من الحكومة يتطاير الشر من عيونهم. عملاء لأية جهة بالضبط؟ لا ندري. إنهم المعادل الألماني لزوار منتصف الليل في الدول العربية البوليسية. وما هي تهمة الشاب؟ لا ندري. الفكرة الضمنية هي أنها جريمة جنسية من نوع ما. وهنا سوف يتقلب كافكا في قبره.

تتفجر في نفس الشاب المنعزل بالسليقة؛ بارانويا متأصلة فيه، فترتعد أطرافه ويتصبب عرقا، متسائلا إن كان زميل في البنك العامل فيه يمزح معه؟ غير أنه لن يلبث أن يقف على الحقيقة المريرة؛ سوف يفقد حياته إن لم يقاوم.

تبدأ الحكاية بعيد ميلاد جوزيف

يرزح بعد ذاك تحت أيام طافحة بالمهانة واليأس على مدار ساعتين هما مدى العرض بدون استراحة. يحل عليه الذهول من جراء تعقيدات السلطة البيروقراطية -المذكِّرة بالبيروقراطيات العربية والشيوعية- التي تواجهه وتصعقه صعقا.

والسؤال الأدهى الخاطر في عقله المضطرب هو من يطبّق هذه الإجراءات أو يقتات عليها؟ ولِمَ يطبّقها؟ هل ينتابه كابوس وهو يسير على قدميه؟

يتعذب الشاب اللابطل بفعل الاستجواب الطويل من أعداء مشبوهين لا يرحمون، مع الوعد من البوليس السري بعقوبات بشعة إن لم يبادر بالاعتراف.

إنها قصة رمزية سوف نتماهى معها. فالشاب نموذج لآلاف غيره ممن تعرضوا للاستجواب العشوائي والاعتقال بدون محاكمة أو المحاكمة الصورية خلال سنوات الانتفاضة العربية.

منطق العوار

يبدع في دور الشاب البريطاني روري كينيير الفائز بجائزة لورانس أوليفر عن أفضل ممثل بمسرحية “عطيل”. ولولا خلوه من الوسامة، لتألق في هوليوود، “خسارة هوليوود هي مكسبٌ للمسرح”، كما يتفكه الكاتب البريطاني ستيف دينيم. يتقمص كينيير الشخصية ببراعة حين يشوب منطقَ الشاب العوارُ والتشوش، ويغلب عليه التناقض والإنكار وهو يلتقي بشخصيات غرائبية، بعضها في بدلات راقية، ومن بينها عاملة نظافة وجارة تتبدّى عليهما علامات الهيستريا الجنسية، غير متفطن لِمَ وكيف انتهى به الحال إلى هذا المصير الظالم؟ الجمهور ذاته شهود على بلوته، يصطفون على مقاعد خشبية على جانبيّ خشبة المسرح وكأنهم هيئة محلفين متحفزة تطلق الأحكام.

وهذه الرحلة المريعة تنعكس على تصميم البريطانية ميريام بوزر للمسرح؛ فقد سمح لها مسرح يونج فيك بوضع كراسي حول سير متحرك طويل رفيع، أشبه بسيور المطارات، يقطع المسرح المنير صاخب الألوان. فنشاهد متعلقات الحياة، من معدات مطبخ وأبواب وحقائب، تتحرك إلى النور.

وهذا السير الباعث على الدوار -وأحيانا يحل محل الدّواسة الرياضية- ليس سلما يفضي إلى هاوية، ولا مصعدا يرتقي إلى الفردوس، لا يفارق الأرض، وإنما متحرك، فقط ينقل الشاب الذي يكاد لا يفارق خشبة المسرح من بيته الكئيب إلى محل عمله، إلى المحكمة، ثم يؤدي به إلى العدم.

تتشظى المسرحية أيضا بمونولوجات ساخرة، يؤديها البطل في هذيان ملغز لا مبال، ملوِّنا تيار وعيه بإيحاءات جنسية من أهوائه ونزواته الماضية

تهمة الدناءة

كلما أفرط العملاء في التنمر عليه، فقَد خيط الاستيعاب ووقَع في حبائل التشوش. تحجَّر كل عالمه على عتبة من التأخر العقلي، وباتت جميع ردود أفعاله تتسم بالعدوانية المكتومة. شيء واحد لم يتزعزع، إيمانه ببراءته في البداية ثم إدراكه في النهاية لمدى ما تحويه حياته من زلات مخزية وهفوات جنسية. ولكن هل يعاقب القانون على حيوات الأفراد الشخصية مهما بلغت دناءتها؟

يطرح المؤلف هذه الرسالة الأخلاقية على أنه لا يترك للبطل غير المثالي بالمرة خيارا، وأيّا كان قرار الشاب، فالإعدام مصيره. يقتدي كافكا بالروائي الفرنسي جوستاف فلوبير، فيجعل مسرحيته تضج بذبذبات الخوف، تركن إلى عزلة المتهم وحيرته، في عالم كابوسي محروم من الصفات الإنسانية، لتعكس حياة كافكا الشخصية نفسها. فكل ما ألّفه كافكا ينبئ عن تجربته في الوحدة، وما خالجه طيلة حياته من أحاسيس الانعزال والهوية المنقوصة.

يعجز جوزيف المنكوب في المشهد الأخير من “المحاكمة” عن الفرار من الحكم بالإعدام على فعلته المجهولة. يمرّر منفذو الحكم السكين من يد إلى يد إلى أن يخال المتهم فاقد العقل لحظتها، أنه ينبغي أن ينتزع السكين ويقتل نفسه بيده كي يعفي مشاعرهم من الجرح! لا يأتي بشيء بالطبع، وتردده وخذلانه يبثان فيه شعورا بالذنب؛ إنه فشله الأخير في الوجود، وصرخته الصامتة متأهبة الآن للاستسلام للموت.

15