"كاليغولا" طاغية غريب الأطوار يحكي واقع تونس اليوم

مسرحية "كاليغولا" تذكّر الإنسانية بالكوارث التي حدثت في أزمنة الطغاة والمستبدين في فترات مختلفة من التاريخ البشري.
الخميس 2019/01/03
شخصيات بلا أقنعة

تعد شخصية كاليغولا من أشهر الشخصيات التاريخية الغريبة، فيها يتجسد الطاغية الذي لا تعرف لهوسه حدود، والإنسان المتقلب الغاضب والحزين الشرس والباكي، شخصية مركبة كانت مادة فنية خصبة سواء للرسامين أو الكتّاب أو المسرحيين، الذين مازالوا يستعيدونها إلى اليوم من عمق التاريخ للتعبير عن الواقع المعاصر.

انطلاقا من السبعينات وحتى نهاية التسعينات من القرن الماضي، رسّخ الفنان التونسي الفاضل الجزيري تجربته كواحد من أعمدة المسرح التونسي الحديث. فقد انتسب إلى فرقة قفصة بالجنوب التونسي عند تأسيسها في أول السبعينات. ومع كل من رجاء فرحات والفاضل الجعايبي ورؤوف بن عمر وجليلة بكار أنتج أعمالا مسرحية كان لها وقع كبير لدى أحبّاء الفن الرابع.

 وفي نهاية السبعينات، أسّس مع كل من الفاضل الجعايبي ومحمد إدريس والراحل الحبيب المسروقي فرقة “المسرح الجديد” التي أنتجت أعمالا بديعة أحدثت “ثورة” في مجال المسرح التونسي سواء على مستوى الشكل، أو المضمون.

وفي نهاية التسعينات، أدار الجزيري ظهره للمسرح لينصرف إلى الموسيقى منتجا مع الفنان سمير العقربي “الحضرة” التي أحيت بطريقة فنية حديثة أشهر الأغاني الدينية والشعبية والفلكلورية. وخلال العقد الأخير أنتج الجزيري وأخرج عدة أفلام أشهرها فيلم “ثلاثون” الذي يرسم صورة لجيل “إرادة الحياة”. ذلك الجيل الذي برز في الثلاثينات من القرن الماضي متمثلا في نخبة من المثقفين والسياسيين الذين لعبوا دورا أساسيا في مقاومة الاستعمار.

جيل ضد جيل

المخرج وإن ظل أمينا للنص الأصلي، اختار أن تكون مسرحيته عاكسة للواقع التونسي
المخرج وإن ظل أمينا للنص الأصلي، اختار أن تكون مسرحيته عاكسة للواقع التونسي

في نهاية العام المنقضي، بالتعاون مع المسرح الوطني الذي يديره صديقه القديم الفاضل الجعايبي، قام الفاضل الجزيري بإخراج مسرحية “كاليغولا” لألبير كامو. وقد تمّ عرض هذه المسرحية على ركح قاعة “الفن الرابع″ بشارع باريس بالعاصمة التونسية في الثاني والعشرين من شهر ديسمبر الماضي بحضور عدد كبير من أحباء المسرح.

و”كاليغولا” هو ثالث إمبراطور روماني. وقد حكم روما بين عام 37 وعام 42 ميلادي. وكان طاغية مخيفا اقترف خلال فترة حكمه القصيرة جرائم وأفعالا فظيعة ومريعة لا تزال ماثلة في الذاكرة الإنسانية كرمز لجنون العظمة. فقد كان يرغب مثلا في امتلاك القمر. وكان يحب أن يجبر الشمس على الشروق من الغرب. وحين لا يفلح في ذلك، يشرع في النحيب من فرط الحزن والغضب. وكان يقول “أنا الوحيد الذي يسرق بصراحة”. لذلك أجبر أعضاء مجلس الشيوخ على حرمان ذويهم وأقاربهم من الميراث، وكتابة وصية تخول لخزينة روما الاستحواذ على ممتلكاتهم. بل إنه كان يقتل أحيانا أعْيانا لكي يتسنى له التمتع بثرواتهم. ومرة أراد أن يكون جواده الأصيل عضوا في مجلس الشيوخ. وقد استجاب أعضاء المجلس المذكور لطلبه وحضروا الموكب بأزيائهم الرسمية التي تفرضها المواكب الكبيرة. وقد اقتصرت المأدبة المخصصة للاحتفال بذلك الحدث على الشعير والتبن. وكان على الشيوخ أن يؤيدوا طلب الطاغية وأفواههم مليئة بما يأكله جواده الذي أصبح واحدا منهم.

وكان ألبير كامو قد كتب مسرحية مستوحاة من سيرة الإمبراطور الروماني غريب الأطوار في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي، أي عندما كان النازيون في ألمانيا، والفاشيون في إيطاليا يتأهبون لإشعال حرب كونية ثانية. ومن الواضح أنه فعل ذلك لتذكير الإنسانية بالكوارث التي حدثت في أزمنة الطغاة والمستبدين في فترات مختلفة من التاريخ البشري.

لكن الفاضل الجزيري وإن ظل أمينا للنص الأصلي، اختار أن تكون مسرحيته عاكسة للواقع التونسي بعد انهيار نظام بن علي. تدور أحداث المسرحية في ما يشبه الحمّام. وهو خال من أي ديكور. ومن البداية إلى النهاية، احتفظ الممثلون والممثلات بما اعتاد الناس على ارتدائه داخل الحمام. والشخصيات التي اختارها تجسد إلى حد كبير المشاكل والقضايا التي تعيشها تونس. وجميع هذه الشخصيات سواء كانوا شبانا أو شابات يمثلون الجيل الجديد الذي لعب دورا مهما في ما أصبح يسمى بـ”ثورة الحرية والكرامة”، واحد فقط يجسد الجيل القديم. لذلك هو لا ينقطع عن تذكر الماضي المتمثل بالخصوص في فترة نظام الزعيم الحبيب بورقيبة. لذلك هو يصطدم في أكثر من مرة بشباب وشابات الجيل الجديد الذين لا يخفون كراهيتهم له، متمنين له الموت في أقرب وقت ممكن.

المواطن الطاغية

أحداث المسرحية تدور في ما يشبه الحمّام
أحداث المسرحية تدور في ما يشبه الحمّام  

إلى جانب الصراع بين الأجيال، وبين الماضي والحاضر، يطرح فاضل الجزيري مشاكل وقضايا أخرى مثل قضية المساواة بين الذكر والأنثى في الميراث، والتي طرحت مؤخرا في تونس. ولا تزال هذه القضية تثير الكثير من الجدل بيت التونسيين، وبين الأحزاب السياسية. كما يطرح الجزيري العديد من القضايا الهامة الأخرى مثل تلك المتصلة بالصعوبات التي تواجهها تونس في فترة ما يسمى بـ”الانتقال الديمقراطي”.

وفي البعض من مشاهد المسرحية هو يوحي لنا بأن الطاغية ليس فقط الحاكم بأمره مثل كاليغولا، أو غيره من الطغاة الذين عرفهم التاريخ البشري، بل هو أيضا المواطن البسيط الذي يحوّله جهله وتزمّته وتعنّته إلى طاغية من صنف آخر، ساعيا إلى أن يكون الجميع على صورته. وهو أيضا النائب البرلماني الذي يستند إلى الحصانة البرلمانية ليدافع عن أفكار خطيرة قد تؤدي بالمجتمع إلى الفتن القاتلة، وإلى النزاعات المدمرة، وهو أيضا ذلك الذي يعتقد أن الأيديولوجيا التي يؤمن بها سواء كانت دينية، أم غيرها هي الوحيدة التي تقود إلى الحقيقة، وتوفر العدالة والحرية للمجتمع رافضا بشدة كل فكرة مناقضة لها.

كما يوحي لنا فاضل الجزيري من خلال مسرحيته أن تونس ليست بخير، وأنها لم تتخطّ بعد مرحلة الخطر. لذلك نحن نسمع من البداية إلى النهاية، دويّ الرعود، وأخبارا تعلن عن وفيات ناتجة عن أمطار غزيرة تسببت في فيضانات خطيرة ومدمرة وغيرها.

14