كامب ديفيد.. نجاح جزئي وملفات مفتوحة

الأربعاء 2015/05/20

أراد الرئيس الأميركي التخفيف من حدة الحساسية الخليجية، فعقد مؤتمراً خاصاً للقادة الخليجيين، قاطعته دول الخليج حيث غاب عنه أربعة ملوك وأمراء، ولكنها أرسلت من ينوب عنهم لحث الأميركيين على إعادة النظر في سياستهم تجاه المنطقة بأكملها. لم تخطئ دول الخليج بالمقاطعة، فالرئيس الأميركي يسعى فقط لإنجاح الاتفاق النووي مع إيران، واعتبار ذلك مسألة محسومة قبل المؤتمر، وعلى الخليج أن يوافق.

الخليجيون يعرفون ذلك جيداً، فكانت عملية عاصفة الحزم والضغط على الكتائب المسلحة لتشكيل جيش الفتح، وبالتالي غيّروا المشهد الواقعي، وكانت هذه التغيرات أوراقاً جديدةً على طاولة كامب ديفيد.

أوضح أوباما أن الممكن في اليمن وفي سوريا هي حلول سياسية، ولكنه لا يرى ضرورة لزيادة الدعم العسكري، فالبديل حسب رأيه حركات جهادية، ونزاع مفتوح في اليمن، سيما وأن أميركا تمالئ الموقف الإيراني الداعم للحوثيين.

الخليجيون لم يطرحوا رؤيتهم أو دعمهم لجيش الفتح في سوريا خارج الحل السياسي كما يصرح في الإعلام، وبالتالي هناك اتفاق على ذلك، فهم يعلمون أن أميركا ليست في عجلة من أمرها، وأن استمرار الحرب دون حل سياسي في سوريا واليمن هي أوراق ضاغطة على إيران من أجل الحصول على اتفاق نووي لصالح أميركا وأوروبا. وبخلاف ما ينشره الإعلام فإن الخليجيين لا يستبعدون إسقاط النظام عسكرياً في حال تعذر الحل السياسي؛ الدعم المستجد يضع هذا السيناريو ضمن الاحتمالات الممكنة.

الضغط الخليجي المترافق مع عاصفة الحزم دفع أميركا إلى محاولة إنعاش اتفاق جنيف، بعد أن أظهر النظام السوري ضعفاً كبيراً في الأشهر الأخيرة، وكافة المؤشرات تقول بإمكانية خروج درعا وحلب عن سيطرته، والاحتمالات تصل إلى حدوث انقلاب عسكري.

جدّد أوباما القول إن أميركا ستقف ضدّ أيّ خطر يهدّد دول الخليج، ولكن في المقابل رفض تزويدها بطائرات حديثة. لذلك كانت دول الخليج محقّة في انتهاج التعددية في صفقات السلاح من فرنسا وروسيا والصين وسواها، وإعداد العدّة لإنشاء مفاعلات نووية تفوق ما تملكه إيران تطورا، وقد تستعين بخبرات باكستانية وغيرها. تريد هذه الدول إقامة توازن إقليمي خاصة أن الاعتراضات التي أبدتها على السياسة الأميركية طيلة ثلاثة أعوام والخلاف بشأن الإخوان المسلمين، لم تلق آذناً صاغية لدى الرئيس أوباما.

سباق التسلح قد يدخل المنطقة في مشكلات اقتصادية واجتماعية كبيرة، ونذكر أن من أسباب انهيار الاتحاد السوفييتي دخوله في سباق تسلح مع أميركا. إلا أن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمام دول الخليج للرد على برنامج التسلح الإيراني والإسرائيلي أيضاً.

النجاح الجزئي هو في تثبيت الاتفاقيات القديمة بين الخليج وأميركا، وأما الملفات المفتوحة فتتعلق بالمشروع الإيراني الساعي للسيطرة على كافة دول المنطقة. هذا الخلاف هو الإشكال الحقيقي، وهو المانع لخروج العراق من أزمته، حيث تستدعي السيطرة الإيرانية استمرار الطائفية الشيعية حاكمة فيه، دون شراكة مع بقية مكونات الشعب العراقي، دافعة للتقسيم في مرحلة لاحقة، وتشكل السياسة الأميركية المنسحبة من العراق سبباً للأطماع الإيرانية، فالحرب مستمرة على داعش منذ عام تقريباً، دون التمكن من محاصرته، بل وسيطر مؤخراً على مدن جديدة كالرمادي، ما يوضح أن أميركا لا تريد الإجهاز عليه، بل تكتفي ربما بالسيطرة عليه من أجل ترتيب الحكم في العراق وسوريا.

الملف المفتوح الآخر والأعقد كما قال أوباما، وصرح بأنه لن يُحَلّ بولايته، هو الملف السوري. الملف الذي راكم خلافات مستمرة بين السعودية ودول الخليج وبين أميركا، وتُحمِّل المملكة أميركا مسؤولية إطالة الصراع في سوريا، حيث رفضت كل دعم عسكري كبير أو تدخل عسكري، وهو ما فتح المجال أمام إيران للسيطرة على سوريا واليمن لاحقاً، وكذلك توسع سيطرة حزب الله على لبنان.

لم تشأ السعودية قبل عاصفة الحزم اتخاذ موقف يتعارض مع الإستراتيجية الأميركية، واقتصر خلافها معها على المواقف السياسية. ولكن مؤخرا بدأ الخلاف يشتد بين المملكة وبين أميركا، التي أصبحت تفضل عقد “صفقة” نووية مع إيران، حتى ولو أحدثت خللاً في أمن الخليج، وهذا ما دفع السعودية ومعها قطر وتركيا للتحالف والضغط على أميركا وروسيا وإيران للتحرك لعقد جنيف.

مؤتمر كامب ديفيد ووعود أوباما وذهاب كيري إلى روسيا لن توقف استمرار التصعيد، فتجربة هذه الدول تقول دون تقدم عسكري واسع، ليس من حل سياسي، وليس من جنيف 3. وفي هذا الإطار يأتي الكلام المستمر عن مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض تحضيراً لجنيف. طبعاً دون تقدم على الأرض يصبح جنيف 3 لا معنى له، حيث ستعود إيران وروسيا للحديث عن أن السوريين سيحلون أزمتهم عبر الحوار.

هناك أيضا الملفان العراقي واللبناني، اللذين تعتبرهما إيران ضمن مجالها الإقليمي، ولكنهما مجال خلاف كبير مع السعودية ودول الخليج، ودون حسم معركة سوريا لن يتمكن لبنان من إنهاء تفرد حزب الله بملفات الأمن والسيادة، والأمر نفسه في العراق، الذي أصبح بلداً للصراع بين أميركا وإيران، بينما يفترض أن يكون للدول العربية دور في إنهاء أزمته.

كاتب سوري

9