كامب ديفيد وزعزعة أولويات أوباما

السبت 2015/05/16

جاءت كلمات البيان الختامي لقمة كامب ديفيد بين دول مجلس التعاون الخليجي والرئيس الأميركي باراك أوباما، أكثر قوة مما كان منتظرا، وخصوصا إبداء الولايات المتحدة استعدادها من أجل “استخدام جميع عناصر القوة، في الدفاع عن مصالحها في دول الخليج، ودفع أي تهديدات محتملة عن حلفائها”. ويعود ذلك، بصورة أساسية، إلى امتناع معظم قادة دول الخليج العربي عن حضور القمة. امتناع وإن لم يعكس تماما أولويات إدارة أوباما ويغير سياساتها التي تثير انزعاج الدول الخليجية، لكنه ربما يكون قد نجح في خلخلة ثبات الأولويات والسياسات الأميركية.

منذ تولي منصبه الرئاسي، تمثل الهاجس الأكبر للرئيس الأميركي باراك أوباما في تحقيق إنجاز كبير خلال فترة حكمه، من قبيل اتفاق سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أو تسوية للملف النووي الإيراني المعقد والشائك. كانت المحاولات على المسار الأول عقيمة تماماً وبمثابة مضيعة للوقت، ما دفعه إلى تكريس الجهود لتسوية الملف الآخر. وقد نجح أخيراً في عقد اتفاق مبدئي مع إيران يأمل أن يتحول إلى “إنجاز تاريخي” في الأسابيع القادمة.

من هنا يبدو أن الاتفاق مع إيران هو الأساس في سياسة أوباما، فيما تأتي تهدئة مخاوف دول الخليج العربي في مرتبة ثانية مهما ادعت إدارة أوباما عكس ذلك. وهو ما يفسر انعقاد قمة كامب ديفيد الأخيرة بتمثيل متواضع من معظم الدول الخليجية المشاركة، وبغياب لافت للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز.

لم يكن اجتماع وزراء خارجية دول الخليج مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري قبل أيام من قمة كامب ديفيد مبشراً. بدا وكأن باراك أوباما قد دعا قادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى التقاط صورة جماعية في البيت الأبيض، تظهر أن علاقات الجانبين لا تزال متينة كما كانت دوماً. لكن الصورة المأمولة، وفي ظل السياسات الأميركية الحالية، كانت لتشكل رضوخاً خليجياً، وسعودياً بشكل خاص، للمقاربة الأميركية المثيرة للجدل لأزمات المنطقة. سوف تكون موافقة على مواصلة سياسة التحفظ التي ينتهجها أوباما في الملف السوري والعراقي واليمني، والتي يعمل على إلزام دول المنطقة بها وخصوصا السعودية وتركيا. بالمقابل، لم تبد السعودية رغبتها في إحداث تغيير في مسار الأحداث فحسب، بل باشرت، بالفعل، في تنفيذ تلك الرغبة على عدة مستويات.

وفي سياق إحداث تغيير بالسياسات يمهد لتغيير في مسار الأحداث، أدركت السعودية أهمية زيادة الضغوط على الإدارة الأميركية. وربما يأتي عدم حضور العاهل السعودي قمة كامب ديفيد ضمن سلسلة سياسات وقرارات اتخذتها السعودية في وقت سابق لذلك.

القرار الأول والأهم تمثل بشن “عاصفة الحزم” في اليمن. عملية عسكرية خليجية جاءت خاطفة ودون تخطيط سابق مع الإدارة الأميركية لتنهي سنوات طويلة من عدم تحرك دول الخليج بشكل منفرد، وأظهرت رغبة المملكة السعودية في لعب دور مؤثر ومستقل. وإن أبدت الولايات المتحدة موافقة علنية على الضربات الجوية السعودية، لكنها أعربت عن قلقها في عدة مناسبات، وعملت على إيقاف تلك الضربات بصرف النظر عن أن توقفها يمكن أن يجعل الحوثيين وصالح في موقف مسيطر ويمنع أي إمكانية للتسوية.

تماماً كما حدث في سوريا، إذ تمانع الولايات المتحدة تسليح قوات المعارضة منذ اندلاع الثورة، وهو الأمر الذي حافظ على تفوق قوات النظام السوري طيلة السنوات الأربع الماضية، ومنع الحل السياسي وشكل بيئة خصبة لانتعاش التنظيمات الإرهابية. من هنا جاء القرار السعودي الثاني والمتمثل بتحقيق تقارب سياسي مع كل من تركيا وقطر اللاعبين، أيضاً، على الساحة السورية.

التقارب بين تلك البلدان ظهر بما يخص سوريا من خلال تشكيل جيش الفتح ومده بكميات كبيرة من الأسلحة نجحت في تغيير التوازن في الشمال السوري لصالح المعارضة. قد تظهر الخطوات القادمة نتائج هذا التقارب بشكل أفضل، إذ يجري الحديث عن مؤتمر الرياض الذي من المنتظر أن يؤسس لجسم سياسي وعسكري موحد للمعارضة السورية. ويظهر ذلك عدم تعويل دول المنطقة على برنامج هزيل تقوده الولايات المتحدة من أجل تسليح أفراد من المعارضة وتدريبهم.

لا تبدو جهود دول الخليج العربي وتركيا متوافقة في هذا الشأن مع الجهد والرغبة الأميركية. ولم يخف وزير الخارجية الأميركي جون كيري خلال لقائه الأخير مع قادة روسيا تخوفه من التطورات الأخيرة في الشمال السوري ونشوء جيش الفتح. الأمر الذي يشير إلى صعوبات حقيقية تواجهها الولايات المتحدة الأميركية في إقناع دول المنطقة بعدم دعم تشكيل عسكري قوي يمكن أن يخل بالتوازن الميداني الحاصل. لكن دول الإقليم، وفي مقدمتها السعودية، تبدي رغبةً متزايدة في التحرك المنفرد لتسوية ملفات المنطقة، متجاهلة سياسة الحذر التي طبعت عهد أوباما.

كاتب فلسطيني سوري

8