كامليا انتخابي فرد كاتبة منفية تثأر لإيران

السبت 2014/02/01
سيرة صادمة عن إيران الثيوقراطية

بيروت - تعود كامليا انتخابي فرد، في كتابها “كامليا.. سيرة إيرانية” الصادر عن دار “الساقي” في بيروت إلى الفترة التي أُسقط فيها شاه إيران على أيدي الثوار المناصرين للخميني عام 1979 وتتوغل في إيران، تلك البقعة المحكومة باسم الدين وحكم الملالي؛ من آذر نفيسي، إلى شرين عبادي.

كانت كامليا في السادسة من عمرها، عندما تنقل حكاية أسرة أحبت الشاه وكرهت الثورة، لم تستطع عائلة كامليا التكيّف مع إيران المستجدّة على رغم انقضاء السنوات على الثورة. ظلّ والدها مثلا يوصي أولاده، وخصوصا ابنتيه، بعدم الاختلاط بـ”هؤلاء”. أمّها كذلك، لم يستطع القمع متعدّد الأشكال من كسر شوكتها فظلّت تتلقّى الضربات تلو الأخرى. خال كامليا اتّهم بالتآمر فسجن وجنّ بعد أن أخرج من السجن وما لبث أن مات وهو في أربعيناته.


امرأة استثنائية


سيرة كامليا هي سيرة عائلية تامة إذ نادرا ما خرج الكتاب من ذينك النطاقين، العائلي، والخاص بكاتبة السيرة وحدها. لكن، رغم ذلك، إيران ما بعد الثورة حاضرة كلّها بمخابراتها وسياساتها وإعلامها، وكذلك عائلاتها ومدارسها وجامعاتها ونواديها الشعرية والثقافية، إلخ.. لتسرد تفاصيل قصتها مع الثورة الإسلامية في إيران تحت ظلال التغيّرات التي قلبت موازين المجتمع الإيراني رأسا على عقب، حرب الخليج الأولى، وسلسلة الاغتيالات وعمليات الإعدام الشنيعة التي اقترفتها السلطات بحكم المعارضة.

والأهم من ذلك إلقاء القبض عليها بينما كانت تكتب للجريدة الإصلاحية “زن” (المرأة)، سُجِنَت كامليا بتهمة تهديد الأمن القومي وتحدّي نظام الحكم الإسلامي والتجسس لصالح إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية واتصالها، كإعلاميّة، برضا بهلوي وفرح ديبا، شاه إيران المخلوع وزوجته، في منفييهما. ومن التهم أيضا تهتّكها الأخلاقي حيث تضمنت لائحة استجوابها 67 شخصا مارست كامليا الجنس معهم، ربما لم تمكث كامليا زمنا طويلا في السجن، لكنّها عاشت الإقامة فيه بكثافة نظرا للائحة اتّهامها الطويلة وما تعرضت إليه من ظلم وصعوبات أثناء فترة التحقيق والاستجواب التي استمرت لمدة ثلاثة أشهر في الحبس الانفرادي، وفق ما اصطفته نهجا وسنّة في كتابة السيرة الذاتية، تحكي عن إيران بعيني صحافيّة.. وتحكي عن حريتها.. عن السبيل المهلك، لنيل حريتها.. وذاتها، بأسلوب السرد التفصيلي ذي السيولة الفائقة.

تحضر في الكتاب إيران ما بعد الثورة بمخابراتها وسياساتها وإعلامها، وكذلك عائلاتها ومدارسها وجامعاتها ونواديها الشعرية والثقافية


سيرة متشظية


وهي، على الأرجح، صيغة لاستعادة الحياة التي فقدتها في طهران قبل سنوات، حيث يتناسل السرد وفصوله في مناخ من “التذكر” الغامض يجذب القارئ محدثا لديه شعورا بأنه حيال رحلة استكشاف حميمية وسط ضباب ذاتي، تستجمع كسور سيرتها وهوامشها للتعرف على متن فرادتها. وما تستجليه الكتابة بهذه الطريقة يولّد لدى القارئ انطباعا فاتنا وغريبا، هو على الأرجح، ما يصفه الباحث الناقد ومن ثمّ الروائي الإيطالي أمبرتو إيكو بالمفعول أو “الأثر الضبابي”؛ مقاربة هذا الأثر بحثا ونقدا هو محاولة لتحليل وتشريح الضباب.

واعتماد الكاتبة على صيغة المتكلم، وهي صيغة يظن القارئ للوهلة الأولى أنها قالب روائي لسيرة ذاتية فعلية أو متخيلة أو لتقديم وجوه منها بطريقة رمزية وغير مباشرة، وهذا ما نرجحه؛ ففي صيغة المتكلم، كما نعلم، لا يتطابق بالضرورة الراوي مع الكاتب.

في وعي كامليا الداخلي والبعيد، تحيل “كامليا” على علاقة رجال الثورة الإسلامية (حراس الإمام في مكان إقامته “جمران” بالزي الأخضر، جمعية طلاب على خطى الإمام، سائق سيارة الشيفروليه الزرقاء والبيضاء، مدير معمل الحليب الطازج المقرب من عائلة الخميني) بمجتمعاتهم الحاضنة في مرحلة من مراحل تطوّرها أو تغيّرها الزمني، وتمضي بك صفحاتها في مستويات زمنيّة تُجاري ذاكرة “المدينة” وتداعياتها الذهنيّة.


هل أجد الخلاص


مستويات متعددة تصل في بعض لحظاتها إلى كل إيران. وأحيانا تتململ في مساحات جغرافيّة ضيّقة، وتفتح مسامات كانت مغلقة في الروح غطتها طبقات من القطران؛ تغريك فتعدو بنظرك متابعا أحداثها بشغف إلى آخر حدث أسدل فيه الستار على مشاهد لسكان الصور. يلاحق الكاتب شخوصه مسجلا حركاتهم وسكناتهم، أفكارهم وتداعياتها التي تخلق أجواء ومناخات عابقة بروائح الإثم والألم والغواية والشهرة والانطلاق وراءها كما الخيول، التي أخذت حيّزا هاما في جوانب هذه الرواية، في عدوها وراء اللامقيّد. يجتاز الروائي في عباراته وفي تصوراته وفي تصويراته حدود المحرم لا لكسب عدد القرّاء، بل لكسب نوعية من القرّاء تحث عن دواخل النفوس بعد تعرية أصحابها من رداءات اجتماعية تتستر خلفها، وبعد خلع أقنعة وقار اختفوا وراءها؛ صنعة روائية تكشف عن عمل أديب مبدع أراد التعبير عن سقطات الإنسان على طريقته.

وربما يكفي هذا المقطع القصير للدلالة على مدى التناقض الذي نعيشه، وليزداد يقيننا بأن لا شيء في هذا العالم، يُعادل جناحي حرية، وقلما يفضّ ما في رأسك، لا ما يُلقن لك “كنتُ قد وقعت في حب مُستجوبي. خلال ذينك الشهرين اللذين قضيتهما وحدي في زنزانتي… و صمّمت على أنْ أجد الخلاص بأن أكون مُسلمة مؤمنة، ولكي يُصبح المرء مُسلما يجب أن يُضحّي؛ لذلك ضحيتُ بذكرى عائلتي”.

16