كامل فرحان صالح: شعر اليوم يحتاج إلى أطباء نفسيين

الاثنين 2014/02/17
كامل فرحان صالح: أوظف اللغة وفق ما تشتهيه روحي

أبوظبي- بين ديوانه الرابع الجديد "خذ ساقيك إلى النبع" الصادر في القاهرة أخيرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة وديوانه الثالث “كنّاس الكلام” الصادر عام 1993، عشرون عاما، لم ينفصل فيها الشاعر اللبناني كامل فرحان صالح عن الشعر، حيث واصلت القصيدة فرض حضورها بين الحين والآخر، وفي هذا الحوار، تسعى “العرب” إلى التعرّف على رؤى كامل فرحان صالح الشعرية والنقدية.

الحوار مع الشاعر كامل فرحان صالح كان لا بدّ أن يبدأ من المسافة الزمنية الفاصلة بين الديوان الجديد وسابقه، حيث أكد أنه طرح على نفسه هذا السؤال من قبل: «لماذا تأخرت 20 سنة لأصدر “خذ ساقيك إلى النبع″ بعد صدور “كنّاس الكلام” في العام 1993؟ وأنه لم يجد جوابا مقنعا لهذا التصرف “غير المبالي” من قبله، بالنشر».

وأضاف «قد يمكنني أن أقارب المسألة، بذاك الشخص الباحث عن “النص الكامل”، إلا أنه في كل خطوة كان يخطوها، كان يشعر بمدى النقصان فيه، وكأن الهدف الخفي من السير قدما نحو الكمال-المعرفة، هو أن تدرك مدى نقصانك-جهلك، إذ يصبح معادل الكمال-المعرفة هو في الوقت نفسه، مقدار معرفتك أنك لا تعلم. وهكذا، كانت النصوص تتكدس مع مرور الوقت، برغم توقفي أحيانا عن الكتابة لأكثر من 6 أشهر متواصلة، فمنها ما ضاع، والكثير منها لم ينشر في هذا الديوان».

ورأى أنه خلال هذا الوقت أي العشرين سنة «مررت بمفاصل رئيسية في حياتي، فخلالها، تزوجت، وأنجزت رسالة الماجستير تحت عنوان: يوسف الخال ودعوته اللغوية في العام 1998. ثم أنجزت أطروحتي للدكتوراه، تحت عنوان: الشعر والدين: فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي في العام 2004. وقبل ذلك أي في العام 2000، أصدرت روايتي الأولى: جنون الحكاية (قجدع). وبعد ذلك، أي في العام 2010، أصدرت روايتي الثانية: حب خارج البرد».


مقام الأنثى

أنظر إلى الشعر من زاوية التكثيف الذاهب نحو انزياحات إنسانية تتعلق باليومي، والتفاصيل العادية والمعقدة


واعترف أنه لا يعرف تحديدا، إذا كان سبب تفاوت الرؤية واللغة والتشكيل في النصوص المنشورة في الديوان الجديد “خذ ساقيك إلى النبع″، سببه الفترة الزمنية الطويلة أم تطوّر التجربة. علما، أن مفهوم التطور فلسفيّا، يحمل المعنيين: أي يجوز أن يكون التطور سلبيّا، أم إيجابيّا، وهذا ما لا يمكنني أن أحكم عليه شخصيّا، لأنني المعني مباشرة بالموضوع.

وقال «إلا أنني، وفي كل ارتياح، يمكنني القول: إنني شعرت أن تجربتي في الكتابة، قد تغيّرت كليّا في صيف العام 2002، إذ ما حصل في ذاك الوقت تحديدا، وبعد توقفي عن كتابة الشعر أكثر من سنة، أن ثمة شيئا حدث، لا أعلم ما هو، ولم أفهمه، وفي الحقيقة لم أسع إلى ذلك في حينه حيث كنت بعيدا عن بلادي.

فقد أصبت بحالة ذهول من نفسي، عندما جلست، وكتبت قصيدتي “مقام الأنثى”، التي جاءت في ثلاثة أقسام، وقد نُشرت في المرة الأولى تحت عنوان: “مقام الهجرة والوله”. حينذاك، شعرت أنني خرجت كليّا من طغيان ديواني السابق “كنّاس الكلام”، الذي أرهقني جدا، وبت في مقام آخر».

وأوضح قائلا: «لا أخفيك، أنني شعرت بتصالح مع اللغة عموما، إذ بعدما طالبت في “كنّاس الكلام” اللغة بـ”التنفس″ عبر الإهداء، وبعدما مارست جنوني باللعب بالتراكيب اللغوية، والتعمد في بتر المشهد، احتجاجا على الواقع، وبعدما وجدتني أرفض “جمود” اللغة لسبب أو آخر، رأيتني بعد قصيدة “مقام الأنثى” وصولا إلى ما أكتبه الآن، قد هدأت “ثورتي”، لا لأن اللغة أصبحت كما أريد، ولا لأن تراكيبها النحوية تطوّرت، وأصبحت سهلة، ولا لأنه بات في إمكاننا أن نقرأ الكلمات على مستوى واحد، بدلا من ثلاثة مستويات (جسد الكلمة نفسه، وحركات الإعراب العليا والسفلى).. بل لأنني أدركت أولا: أن كل “حروبي” هذه عبثية، و”ساذجة”، وأن اللغة لم تكن يوما، سوى وسيلة للتواصل مع الآخر، وليست هدفا في حدّ ذاته.

وعبر القليل من الاحتيال والمواربة و”اللعب” إذا صحّ التعبير، يمكنك أن توظّف اللغة، وفق ما تشتهيه الروح، ووفق ما تريده، في هدوء تام.. فأمام الغابة لا ترى الشجرة، إنما ترى تلك المساحة من الجمال الأخضر الطالع من الأرض نحو السماء.

كذلك، أدركت أن الصفاء يجعل البحر أقرب، وربما ساعدني هذا التحول على النظر إلى الشعر من زاوية أخرى، زاوية التكثيف الذاهب نحو انزياحات إنسانية تتعلق باليومي، والتفاصيل العادية منها والمعقدة. وربما ساعدني أيضًا على أن ألتفت إلى “أناي”، وإلى ما يحيط بها من أرواح تتنفس وتضحك وتبكي وتصلي وتتمرّد وتحب وتكره».


نقاء النوع

كامل فرحان: أدركت أن الصفاء يجعل البحر أقرب


دون أن ينفصل عن الشعر اشتغل كامل فرحان صالح خلال هذه الفترة ما بين 1993 و2013 بالرواية حيث أصدر عملين روائيين، ويبدو أن ذلك أثر على نصه، فإلى أي مدى يمكن القول بتأثير السرد الروائي على النثر الشعري في ديوانه، وهنا رأى أن التساؤل، لا يقتصر على هذا الجانب فحسب، إذ في الإمكان، طرح سؤال آخر أيضا: هل العمل الصحافي يؤثر أيضا على الشعر، كذلك، كتابة المقالة، أو المسرحية، أو التحليل والنقد، أو أي استخدام للغة خارج إطار الشعر؟.

الجواب الممكن هنا، هو طرح سؤال آخر: ما هي حدود النوع الشعري وخصائصه اليوم، هل كان يحافظ الشعر على هذه الخصائص، وفق ما حدده أفلاطون وأرسطو بداية، ومن بعدهما، المدارس الكلاسيكية، والرومانسية، والواقعية، والرمزية، والسريالية؟.

لا شك في أن النوع الشعري قد مرّ بتغيرات جوهرية، شكلا ومضمونا، إنما ما بقي فهي الروح/النواة، فنحن اليوم، نتحدث عن “النص الشعري”، بما يحمله من عناصر لم تكن سابقا، أي نتحدث عن تداخل “مجنون” بين الأنواع الأدبية، وهذا التداخل، يحاكي واقعنا “المجنون” أيضا، ويعبر عنه.. فمدرسة “نقاء النوع″ قد سقطت، ونحن اليوم نتجه إلى العودة نحو النوع الأول في الوجود، أي الشعر، إنما بكثير من “الدماء” و”الجثث” و”التعب”.


فضاء التأنس


فعل الحب في الديوان يأتي متسقا مع عنوان الديوان ونصوصه وإن تراوحت معالجته بين النصوص المكتوبة حديثا، والنصوص التي كتبت خلال فترات سابقة، وهنا قال الشاعر «بدا لي، بعد “معاهدة الصلح” مع اللغة، أنني أتصالح في الوقت نفسه، مع “الأنثى”، مع ذلك الحضور الذي يجعل لكل الأشياء والتفاصيل.. وشروق الشمس ومغيبها.. معنى. الأنثى هي المعنى، ولا معنى خارجها.

وبطبيعة الحال، اللغة بما هي فعل تواصل مع الآخر، هي أنثى أيضا، هي جسر عبورنا للتعبير عن فرحنا وشغفنا وحزننا وثورتنا وسكينتنا، هي جسر عبورنا إلى هذا العالم، وهي في الوقت نفسه، ذاك الحبل السري الممتد بين السماء والأرض. لذا هي العنصر الفاعل القادر على التحكم في الأنا الشاعرة، والقادر أن يدعوها إلى فنجان قهوة.
15