كاميرات أوليمبوس آخر ضحايا الهواتف الذكية

ما الذي لازلنا سنفتقده في ظل استحواذ التكنولوجيا على حياتنا.
الأحد 2020/07/05
آخر صورة قبل الوداع

فاقمت صدمة إعلان أوليمبوس اليابانية أقدم شركة حول العالم في صناعة آلات التصوير الفوتوغرافي، وقف صناعاتها بعد أن حاصرتها الهواتف الذكية في الزاوية المخاوف من تهديد التكنولوجيا لعديد القطاعات بالنظر إلى نسق تطورها الكبير والمتسارع.

طوكيو - طرح استسلام شركة أوليمبوس بوقف إنتاجها في مجال آلات التصوير الفوتوغرافي بعد ثمانية عقود إشكاليات جديدة حول طبيعة التكنولوجيا التي أصبحت سيفا ذا حدين تحطم شيئا وتقدم آخر الأمر الذي يبعث على الخوف من تضحيات جديدة قد ندفعها عن طواعية تسليما لواقع صار من المستحيل مجاراته.

أعلنت شركة أوليمبوس يوم 24 يونيو المنقضي عن وقفها إنتاج آلات التصوير الفوتوغرافي في قرار بررته بانهيار حصصها السوقية رغم محاولات الإنقاذ ما خلف صدمة كبيرة في قطاع تصميم أجهزة التصوير الفوتوغرافي.

ولا تزال أوليمبوس العلامة المعروفة في الصناعات التكنولوجية تتواجد في السوق من خلال صناعة الآلات الطبية حيث تركز الشركة على هذا المجال لإنعاش مبيعاتها بعد اضمحلال فرص الربح داخل سوق الكاميرا الرقمية.

نهاية مؤسفة                                                                                 

فرض انتشار الهواتف الذكية وتطورها المتزايد تراجعا في أرباح الشركة حيث لم تعد أوليمبوس تجد مكانا داخل سوق الكاميرات الرقمية تاركة المجال لمنافساتها نيكون وكانون، على وجه الخصوص.

ووفقا لتقرير موقع ذي فيرج التقني، جاء في مذكرة قرار البيع “نفذت أوليمبوس تدابير للتعامل مع سوق الكاميرات الرقمية الذي اشتدت حدّته مع تطور الهواتف الذكية من بين أمور أخرى تتعلق بتقلص الأرباح.

وقالت الشركة في بيان إن “أوليمبوس رغم جهودها، واصلت في تسجيل خسائر تشغيلية لمدة ثلاث سنوات مالية متتالية باحتساب الربع الأخير، الذي انتهى في مارس 2020”.

ويأتي قرار أوليمبوس بعد أسابيع من تطور مهم آخر. فبعد أكثر من 140 عاما من نجاح توماس إديسون ومساعديه في أول تجاربهم في تصميم المصباح المتوهج، قررت الشركة التي ساعد في تأسيسها (جنرال إلكتريك) بيع وحدة أنشطة الإضاءة لشركة سافانت سيستمز في ماساتشوستس.

ولا يقتصر نشاط أوليمبوس على التصوير الفوتوغرافي، فهو يمثل نحو 5 في المئة من إجمالي المبيعات السنوية للشركة، التي ركزت أعمالها على سوق الأجهزة الطبية خلال الأعوام الأخيرة مع تلاشي عوائد الكاميرات الرقمية.

وأكدت الشركة التي مقرها في العاصمة اليابانية طوكيو أنها تخطط لبيع وحداتها الخاصة إلى شركة أسهم خاصة في اليابان، إلا أن تصنيع أجهزة التصوير الطبي الذي تمتاز به سيبقى قائما.

انسحاب عدة مكونات كانت أساسية في الحياة ينمي الإحساس بالمخاوف من فقدان أشياء أخرى عن طواعية ودون إرادة بعد أن أصبح الهاتف الذكي أشبه بالعصا السحرية

وأوضحت أنها وقعت مذكرة تفاهم لتحويل أعمال الكاميرا الخاصة بها إلى صندوق استثمار جابان أندرسترويل بارتنبر بحلول شهر سبتمبر 2020 لإتمام شروط صفقة استحواذ فيما لم يتم الإعلان عن تفاصيل البيع والشروط المالية للعملية.

وتقول أوليمبوس إن الصفقة ستسمح بإضفاء كفاءة أكثر ملاءمة للنمو لإرضاء عملائنا وموظفينا العاملين في قطاع التصوير الفوتوغرافي ومن المتوقع أن ينتهي البيع في موعد أقصاه نهاية 2020.

وتعد برمجيات وتقنيات أوليمبوس في سوق الصور الفوتوغرافية ذات جودة عالية حيث تتيح استخدام ميكرو باناسونيك ¾ لتغيير عدسة الكاميرا إلى أحجام أصغر من أي.أر.أل.

ورغم هذه الابتكارات التي أضافتها الشركة باستمرار طيلة سنوات لم تتمكن من مجاراة نسق التطور المتسارع للهواتف الذكية الذي تمكن في مدة زمنية قياسية من تحقيق إيرادات ضخمة شطبت كافة القطاعات المنافسة في مجال الصورة.

وتعمل أوليمبوس في مجال صناعة الكاميرات منذ عام 1936، عندما أطلقت منتجا باستخدام عدسة زويكو، غير أنها واجهت صعوبات مع انخفاض الطلب على الكاميرات التقليدية، حيث بات المستهلكون يعتمدون بصفة مفرطة على كاميرات الهواتف الذكية المتطورة بشكل متزايد.

وأنتجت الشركة عددا من المنتجات الشهيرة، بما في ذلك كاميرا “أوليمبوس بان” نصف الحجم، وأول مسجل شرائط كاسيت دقيق في العالم “زويكو بيرلكوردر” وسلسلة “أليمبوس أو.أم.د”، وهي كاميرا ذات عدسات قابلة للتبديل.

وقالت الشركة إنها حاولت خفض التكاليف وتطوير عدسات مربحة وعالية الجودة من أجل البقاء في سوق الكاميرات الرقمية التي تزداد صعوبة.

تنوع الضحايا

أوليمبوس تستسلم للأمر الواقع وتوجه جهودها نحو تطوير صناعة أجهزة التصوير والتنظير الطبي استعدادا لمرحلة ما بعد الوباء واستئناف أنشطة العمليات الجراحية
أوليمبوس تستسلم للأمر الواقع وتوجه جهودها نحو تطوير صناعة أجهزة التصوير والتنظير الطبي استعدادا لمرحلة ما بعد الوباء واستئناف أنشطة العمليات الجراحية

منذ أن كشفت أبل عام 2007 عن جهاز الآي-فون أحدث ذلك ثورة في التكنولوجيا في العالم، حيث انفرد النموذج بميزات لا مثيل لها حيث حول التصوير جزءا من الحياة اليومية وسخرت التطبيقات لتؤدي كل وظائف الخدمات المصرفية وتوفر أجهزة ألعاب الفيديو. وبمرور الوقت أصبح المتجر أشبه بالمستودع، وملأ فراغا في العديد من الأمور التي كنا نحتاج إليها يوميا ولم نكن نعرف كيف نلبيها. ولكن هذا التطور التكنولوجي المتسارع للهواتف الذكية بقدر ما سهل الحياة وصار المستهلك يسير عديد الأمور بكبسة زر كانت هذه التكنولوجيا سيفا ذا حدين فقضت على عديد الصناعات الأخرى وطمست تاريخ أشياء كانت تعد مكونات مهمة في حياتنا لها رمزيتها وتاريخها.

لم تكن الكاميرا الرقمية الضحية الأولى أو الأخيرة في عداد الثورة التكنولوجية ككل من بوابة الهواتف الذكية أو غيرها، فقد أضحت التقنيات اليوم تهدد حتى المهن والوجود البشري بعد أن حلت الروبوتات محل الإنسان في القيام بعدة وظائف.

وهمشت الهواتف الذكية دور وسائل الاتصال التقليدية فصار التلفزيون أمرا ثانويا وهو ما تؤكده عديد التقارير التي أظهرت تفوق استخدام الهاتف مقابل التلفزيون خلال اليوم الواحد.

وطمس الهاتف أجهزة الراديو التي كانت رائجة بشدة طيلة عقود وصارت الهواتف تحتوي على شبكة ذبذبات تتيح الاستماع إلى البرامج الإذاعية.

كما حازت الهواتف الذكية على حصة مهمة من سوق الإعلانات التي كانت حكرا على وسائل الإعلام التقليدية.

وهددت الهواتف الذكية وجود الصحف الورقية حيث بات الناس يقبلون على المواقع الإلكترونية من نافذة الهواتف كما سهلت التطبيقات المتطلبات اليومية من بينها الخرائط والساعات والماسحات الضوئية وكاميرات الفيديو والتقويمات والآلات الحاسبة وأجهزة الكمبيوتر. وعززت الهواتف الذكية ما يعرف بالخدمات عند الطلب، وما يعرف أيضا بتطبيقات السوق.

بالتمعن في هذه الخدمات التي كانت تقدم من أجهزة وهياكل مختلفة بالإمكان تخيل قدر النمو المتسارع للهواتف الذكية الذي أصبح يحطم كل شيء أمامه ليكون وجوده في الحياة أشبه بالعصا السحرية.

وعلى مرّ السنوات، حسّنت الهواتف الذكية من عدساتها وبرامجها وجودة صورها، واستبدل الكثيرون الكاميرات بالهاتف الذكي. ووفقا لبعض التقارير، انخفضت مبيعات الكاميرات الرقمية بنسبة 87 في المئة منذ سنة 2010.

البديل أجهزة التصوير الطبي

أوليمبوس لنم تعد تجد مكانا داخل سوق الكاميرات الرقمية
أوليمبوس لم تعد تجد مكانا داخل سوق الكاميرات الرقمية 

رغم خسائر أوليمبوس وخروجها من سوق الكاميرات الرقمية، فقد حققت نجاحا في مجال المعدات الطبية، حيث سيطرت على حصة هائلة تبلغ 70 في المئة من سوق المناظير الطبية العالمية.

وحافظت أوليمبوس على نشاطها في مجال صناعة أجهزة التصوير الطبي غير أنها تواجه توسع العديد من منافسيها المحليين والتقليديين بما في ذلك فوجي فيلم وكانون بقوة في قطاع المعدات الطبية، تحت ضغط من نفس الانخفاض على مبيعات الكاميرات.

وتراهن أوليمبوس على ما بعد الأزمة الصحية لبيع الأجهزة الطبية حيث أنها تبرمج المبيعات حسب زيادة الطلب مع العودة إلى العمليات الجراحية الاختيارية.

وبدأت مجموعة أوليمبوس التكنولوجية اليابانية في رؤية أفق مرحلة الاستجابة لطلبات عشرات الملايين من العمليات الجراحية التي ألغِيَت خلال الأزمة الصحية العالمية، وهي مرحلة ستساعد في إحياء صناعة المعدات الطبية دوليّا.

وتواجه المستشفيات في جميع أنحاء العالم تراكما كبيرا في جداول العمليات الجراحية الاختيارية حيث تجنب الراغبون في إجرائها زيارة المستشفيات لتقليل خطر الإصابة بالعدوى ولتوفير الموارد اللازمة لعلاج المرضى.

ومع انخفاض حالات الإصابة بفايروس كورونا في بعض البلدان، يستأنف الأطباء بعض الأنشطة بحذر مثل تنظير القولون التي تعتبر حاسمة للتشخيص المبكر لكشف سرطان القولون.

وقال روس سيغان، وهو كبير الأطباء في أوليمبوس، في إحدى المقابلات الإعلامية “لا نريد أن يبقى سرطان القولون وغيره من الحالات التي تشبهه دون تشخيص. والسوق يدرك ذلك”.

وتابع “ففي المناطق التي بدأت تشهد انخفاضا في عدد الإصابات، بدأنا نرى استئناف هذه الفحوصات. سيكون هناك طلب كبير من شأنه دفع حجم الإجراءات”. بالنسبة لأوليمبوس، نظرا لإضرار انخفاض العمليات الجراحية بإنتاج أجهزة التنظير المعوية والجراحية الأساسية.

رغم هذه الابتكارات التي أضافتها الشركة باستمرار طيلة سنوات لم تتمكن من مجاراة نسق التطور المتسارع للهواتف الذكية
رغم الابتكارات التي أضافتها الشركة باستمرار طيلة سنوات لم تتمكن من مجاراة نسق التطور المتسارع للهواتف الذكية 

وانخفضت المبيعات بأكثر من 10 في المئة في أميركا الشمالية في أبريل، وتوقع الخبراء أن تشهد انخفاضا أكبر في مايو، مما دفع المجموعة إلى تأجيل إصدار إرشاداتها السنوية.

ولكن المبيعات في الصين ارتفعت بأكثر من 10 في المئة في أبريل وبقيت ثابتة في أوروبا. وتوقّع المسؤولون التنفيذيون أن يكون شهر يونيو هو القاع لأرباح أوليمبوس، التي تمتلك حصة 70 في المئة من السوق العالمية لأجهزة تنظير الجهاز الهضمي التي تبلغ قيمتها نحو 3.5 مليار دولار.

وقدرت دراسة نشرت في المجلة البريطانية للجراحة في مايو إلغاء حوالي 28 مليون جراحة اختيارية عالميا أو تأجيلها خلال الـ12 أسبوعا من تفشي الفايروس في بلد ما. وتُفيد الدراسة، أنّ حجم العمليات الجراحية حتى لو ارتفع بنسبة 20 في المئة بعد الوباء، فإن إنجاز العمليات المؤجلة المتراكمة سيستغرق حوالي سنة.

وضرب الوباء شركة أوليمبوس في وقت كانت تحاول فيه تجاوز سلسلة من فضائح الرشوة والسلامة بقيمة 1.7 مليار دولار خلال عام2011.

وأشرف مدير الشركة التنفيذي ياسو تاكيوتشي على تحول استراتيجي للتركيز على أعمال المعدات الطبية، كبديل رئيسي لوقف تصنيع الكاميرات وتحويل القطاع إلى صندوق استثماري ياباني.

وانضم سيغان إلى المجموعة من جونسون آند جونسون في نوفمبر كجزء من الجهود المبذولة لعولمة هيكلها الإداري وتنويعه.

ويضم مجلس إدارتها المؤلف من 15 عضوا ثلاثة مديرين غير يابانيين، بما في ذلك عضو من الصندوق الأميركي فاليو أكت. وقال الدكتور سيغان “لم أتفاعل معه شخصيا، لكنني أعتقد أن هذا الحضور أتاح الفرصة لأشخاص من خارج اليابان مثلي ممن لديهم خبرة عالمية في مجال التكنولوجيا الطبية”.

بالإضافة إلى التأثير الاقتصادي الذي خلفته الأزمة الصحية، أجبرت عمليات الإغلاق والتباعد الاجتماعي أوليمبوس على تغيير الطريقة التي يعمل بها الأطباء. ونقلت 85 في المئة من تدريباتها لحرفائها وجها لوجه إلى الإنترنت، ووفرت خدمة تسمح للأطباء باستشارة بعضهم البعض بالفيديو ومشاركة صور التنظير الداخلي.

ووفقا للدكتور سيغان، قد تصبح هذه التغييرات دائمة. وقال “في الحقيقة، نشهد تسريع جزء منها لأن الأطباء مشغولون بسبب عدم قدرتهم على السفر جراء إجراءات الإغلاق. لكنني أعتقد أن تسريعها جاء لأن الكثيرين يريدون الوصول إلى التدريبات من كل مكان”.

17